18-06-07 00:56
رسالة إلى صديقتي
المقتولة
هذه رسالتي الأخيرة لك ،
سبقتها رسائل عديدة ،أبثك لوا عج قلبي ، وتحدثينني عن متاعبك الآخذة
بازدياد وتفاقم ، رأيتك آخر مرة ، وكنت كالعادة دائما ، تضحكين على
المصاعب ، وتهزئين بالكوارث ، تقولين عندما نستفسر متعجبين : انك
تطردين الهموم والأحزان بضحكك المستمر ، وابتسامتك المتواصلة ، وان
الأحزان كلها من الضعف والضالة ، حيث لا تستطيع الصبر ، والمكوث أمام
إصرارك ، فتولي مذعورة ,,, مندثرة ,,,, تهرب من دربك ,,,, بعد أن
أدركت ,,,, أنه من المستحيل ، أن تئد الضحكة المتواصلة ، الهازئة
بالمصاعب ، وأن تقطع الابتسامة الجميلة التي تعلو محياك وتزينك ،
عبارتك التي كنت ترددينها باستمرار
- بعدا للألم يا عزيزتي
، وسحقا للانهزام
رأيتك آخر مرة وأنت
شبه وحيدة ، في بيتك القديم المتهدم الجدران ، الواطيء السقف ، المشقق
، المقلوع النوافذ ، لقد مضوا جميعا ، وتركوك صلبة ، لا تنال منها
المصاعب ، فأنت مازلت تضحكين ,,, تلك الضحكة العالية ، المتواصلة ،
ينظر إليك الجميع ، باستغراب ، ثم بعد لحظة ، يقتدون بك ، وتنتقل إليهم
العدوى ، تجدينهم يضحكون ، بتواصل ، وبدون انقطاع ، حنى تنتهي أنت من
ضحكتك الجميلة ، وانت ترددين جملتك الاثيرة العصية على النسيان
- بعدا للالم ، وسحقا
للانهزام
أعدموا زوجك ، وأبنك
الكبير ، فقدت ابنتك الوحيدة ، بعد ان صارت ملتاعة ، محطمة القلب ،
مكلومة الفؤاد ، ضربوا زوجها أما م عينيها ذلك الضرب المبرح ، وبلا أي
مبرر معقول ، بقيت وحيدة ، غريبة ، في ذلك المنزل الكبير والمتهدم ،
تمنين النفس ، أن يعود ابنك المتبقي لك في هذه الحياة ، الغريبة
بحوادثها العصية على الفهم والتفسير ، عند سقوط النظام الدكتاتوري
الأليم ، صفقت بسعادة ، للحدث العظيم ، وانت ترددين الجملة التي
استحوذت على الاعجاب :
- بعدا للالم ، سحقا
للانهزام
يمكنك الآن أن تكحلي
العين ، برؤية ابنك العزيز ، ذهبت إلى كل السجون والمعتقلات التي
تعرفينها والتي علمت بشأنها بعد السقوط ، على الأرض ، وتحتها ، تهرأت
قدماك ، وأنت تبحثين وتبحثين ، ثم تطلقين تلك الضحكة المجلجلة التي
تثير الاستغراب في البداية ، ثم لا تلبث الضحكات أن تنطلق من الأفواه ،
بإصرار غريب ، انتظرت أن يعود ابنك الوحيد ن وان تلتئم الشمل أخيرا في
أسرة بقي من أفرادها اثنان ، بعد أن طالت يد الظالمين أغلب أفرادها ،
طال بك الانتظار ، تورمت ساقاك ، ولم تعودا بقادرتين على حمل جسدك
الآخذ بالنحول ، يوما بعد يوم ، يأتيك النبأ بأن ابنك قد أبيد مع
الآخرين ، وان حكما بالإعدام قد صدر بحقه ، دون ان تعلمي او يبلغوك ،
وإنهم نفذوا الحكم بسرعة ، وأنت هنا في بيتك المتهدم ، تمنين النفس ،
ان تري ابنك قريبا ، بعد ان يطلق سراحه ، لم تفقدي اليقين مع كل أنواع
البشاعة التي صادفتها ، وجميع فنون القسوة التي تعرضت إليها ، مع
أبنائك وزوجك ن وأفراد عائلتك ، حين سمعت بالمصاب الأليم ، هرعت الى
مساعدتك ، عل كلماتي القليلة تخفف بعض معاناتك ، تراكمت عليك أنواع من
الحزن ، ترمل وثكل ... وفقدان الأحبة ، يصيبك الوجوم في البداية ،
وكأنك فوجئت برؤيتي ، فانا مثلك تماما ، وكنت بعيدة عنك ، فلم تتوقعي
رؤيتي بعد هذه السنين الطوال ، فانطلقت ضحكاتك المألوفة بإصرار ، وأنت
ترددين الجملة التي أحب سماعها منك
- بعدا للألم ، سحقا
للانهزام
فلم أجد نفسي إلا وأنا
أشاركك الضحك المستمر الطويل أنا، من كان يظن أنني نسيت كيف أضحك ،
وفقدت القدرة على الابتسام ، أحذو حذوك ، وأضحك ,أضحك مما يثير استغراب
الزائرات اللاتي يأخذن بضحك متواصل ، تتقطع معه الأنفاس .
تبادلنا حديث الذكريات
، كنا نقرأ معا ، ونمشي المسافات الطويلة ، ونحن نغني أغاني فيروز وعبد
الوهاب ، مع الفارق الكبير بين الاثنين ،طالما حفظنا الأغاني ،كما نحفظ
القصائد ، والآن نسينا كل ما حفظناه ، وكأنه لم يمر على فكرنا ،،،
أخبرتني أنك لم تعودي
تقرئين بذلك النهم المعهود ، فقد أنهكتك الأعمال ،أعمال خارج المنزل ،
وأعباء داخله ، ترهق الجبال ، ولكنك لست جبلا وإنما امرأة لم يكن الزوج
بقربها ، عشت أرملة على الدوام ، تواصلين العمل بعد فقدانك للأحبة ،
تواصلين الهزء بالمصاعب بجملتك الجميلة
تكثرين من الأعمال بعد
استفحال الغلاء ، وزالت كل الأمنيات بالحصول على لقمة لذيذة ، وشراب
هنيء ،،، أخبرتني أنك وحيدة ، غريبة ، تطل عليك أحيانا إحدى الجارات
والتي هي مثلك ، قد فقدت الأحبة ، الواحد بعد الآخر ، ويبس منها القلب
، ونشف الدم ، وجفت الدموع ، أخبرتني أنك تشتاقين إلى الأحباب الذين
رحلوا ، وتركوك وحيدة ، وأنك تحلمين أحيانا بأنهم يزورونك ، ويبادلونك
الحديث ، سائلين عن أحوالك ، مطمئنين على صحتك ،،،، غادرتك وأنا على
يقين أنك بخير ، وان الأحزان التي مررت بها لم تعد قادرة على هزيمة
القوة الكامنة في أعماقك ،،، تنيت أن أكون مثلك ، أتحلى بنفس التفاؤل ،
وتلك القدرة الكبيرة على انتزاع الضحكة من بين براثن الألم
وأنا جالسة في منزلي
في الرباط ، أشاهد إحدى الفضائيات ، رأيت أمام عيني ، مشهدا لتفجير سوق
شعبي ، بسيارة مفخخة ، رأيت الضحايا المقتولين ، ينقلون ، كنت أنت
بعينك ، بعباءتك السوداء السميكة ، ووشاحك الثقيل ، ترقدين بسلام ،لا
أحد بجانبك ، فقدت الجميع ولم تتمكني من توديعهم ، ولم تعثري على قبور
لهم فقد لايكون لهم قبور ، وها أنت تقتلين ، بأيد غادرة ، فمن سيقوم
بما يلزمك من دفن وبكاء ، وإنزال داخل القبر ، قد تشبهين أحبابك الذين
رحلوا في أنك لا تحصلين على القبر فيضم جثمانك ،،،، أمعن النظر اليك ،،
لان الكاميرا تتوقف عندك طويلا ،، فأرى طيف ابتسامة ، تلوح على وجهك ،
لقد استطاعوا أن يقمعوا تلك الضحكة المجلجلة ، كما نجحوا في ان يفقدوني
، صديقتي الوحيدة
صبيحة شبر