علمانية الدولة ضمانة للديموقراطية ..!
هادي فريد التكريتي
عضو اتحاد الكتاب العراقيين في السويد
مفهوم العلمانية ، عن قصد ، شوهه
وحرفه المتعصبون من دعاة الحكم الديني ، لاستغلال مشاعر وعواطف
المؤمنين من عامة الناس لأنه لا يخدم أغراضهم في الهيمنة على شؤون
الدين والدنيا في وقت واحد ، بالرغم من أن العلمانية لا تسيء للدين في
شيء ، بل تضعه في موقعه الذي يستحقه من القدسية في قلوب وأفئدة
المؤمنين بالله ، وتصون مبادئه ، وتحمي أحكامه ، من متاجرة المتاجرين
به ، من رجال دين مزيفين ، وسياسيين يسخرون الدين والطائفية ، أداة
فرقة لتحقيق أغراضهم ، وأشباه هؤلاء كثير ، من العابثين بمصير الوطن ،
الذين يلهثون خلف المال والزعامة ، هؤلاء ، كلهم ، لا تهمهم قيم الدين
إن علت أو سفلت ، بقدر ما تهمهم تحقيق أغراضهم عن طريق الحكم الذي يحقق
لهم حياة مترفة وعيش هني ، على حساب كدح ومعاناة الجماهير ، هذا ما كان
، عند تواطؤ رجال الكنيسة واللاهوت مع قياصرة وأمراء دول أوربا، في
القرون الوسطى ، وما يحصل عندنا في الوقت الحاضر بعد زوال الدكتاتورية
في العراق ، حيث ُتَسًعر الطائفية بشقيها ، الحقد والكراهية ، بين
اتباع الدين الواحد ، في المجتمع العراقي ، فالدين والرب قد اختطفهما
المتاجرون بهما ، وارتهنوهما فيما بينهم لمن يدفع فدية أكثر .
العلمانية كمفهوم يحرر الدين
والرب من آسريه ، ويطلق حرية المؤمنين بأن يعبدوا الله بالشكل الذي يجب
, وتحول العلمانية دون تدخل مؤسسات الدولة في انتهاك هذه الحرية ، كما
هي ، أي العلمانية ، َتفِصل ، أو ُتفِرق ، بين علاقة المؤمن بربه ، وما
عليه لله من حقوق ، وبين علاقة المواطن بدولته وماله من حقوق أيضا ،
دون أن تتداخل هاتان العلاقتان مع بعضهما ، عن طريق وسيط في الدين أو
في السياسة ، وهي كذلك ، أي العلمانية ، تمهد أرضية لنشوء حكم
ديموقراطي حقيقي ، يضمن المساواة والحرية لكافة أفراد المجتمع ، على
اختلاف طوائفهم ومعتقداتهم الدينية ، وفئاتهم الاجتماعية ، وفوارقهم
الجنسية ، لنيل الحقوق على أساس المواطنة ، وليس على أي شيء آخر .
الدين
الإسلامي والخلافة الإسلامية منذ نشأتهما في الجزيرة العربية ، وانتقال
الخلافة ، بعدئذ إلى الشام في العهد الأموي ، وإلى العراق في العهد
العباسي ، كانتا متداخلين فيما بينهما ، فالخليفة هو الحاكم المدني ،
كما هو القيم والمنفذ لأحكام الشرع ، فلا حرية لفكر ولا حرية لمفكر ،
خارج إطار الفقه والشريعة الإسلامية ، ما عدا بعض فترات ترف ، أو مرض ،
معلومة من حياة بعض الخلفاء ، يتنازل فيها عن حقه لبعض الفقهاء في
إمامة المسلمين ، أو الجلوس للقضاء ، وبعد أن اتسعت حركة نقل كتب
العلوم والطب والفلسفة وعلم الكلام ، وازدهار ترجمتها من السريانية
واليونانية والإغريقية واللاتينية إلى اللغة العربية ، أعطت مردودا
لحركة فكريا وثقافية لم تعهدها عصور الخلافة من قبل ، كما هو الحال في
عصر المأمون ، نتيجة لرخاء مادي وثقافي ، في هذا الوقت ، ازدهرت حياة
الترف لخاصة الناس من القادة والأمراء ، وبعض الفئات القريبة من القصر
والحاشية ، وعاشت الخلافة العباسية فترة مزدهرة في كافة جوانبها ،
أفسحت في المجال ، أو قل أغضت الطرف قليلا عن التشدد، فبرزت تيارات
فكرية وفلسفية وأدبية ، لم يكن مسموحا لها أن تنتعش وتزدهر ، لو لم يكن
الخليفة نفسه مشجعا له أو منخرطا فيها ، فتحرر الفكر نوعا ما من رقابة
الدين ، ولفترة قصيرة ، إلا أنها كانت كافية لأن تبدأ بشحذ أذهان
الكثير من المفكرين وتحررهم من هيمنة الدين وسطوة رجاله ، في التحليل
والتحريم ، فبرزت أفكار لجماعات فكرية ، كثيرة ومتعددة ، تتعارض
وتتناقض في طرحها وفهمها ، عما ورد في القرآن والسنة من رؤى الخلق ،
والنشر والميعاد ، والجنة والنار ، وغيرها من منطلقات ما كان لها أن
تبرز ، لولا هذا التلاقح الفكري الذي أوجدته حركة الترجمة والنقل ،
والحرية الفكرية ، النسبية ، التي أطلقها عصر المأمون ، وما كان يمكن ،
أيضا ، أن تنوجد الكثير من المدارس الفقهية والفلسفية والعلمية من طب
وفلك ورياضيات وموسيقى وغيرها من علوم ، أغنت حياة الناس آنذاك ، وكانت
أساسا لتطور الكثير من العلوم في أوربا ..
بعض
تراخ في سلطة الدين وسيفه المسلط على رقاب المفكرين والمبدعين ، لفترة
زمنية قصيرة نسبيا ، وكفه عما كان يمارسه من ضغط وإكراه ، على حرية
الفرد وتحرره الفكري ، أدى إلى تنوع وازدهار حضاري ، لم تر المنطقة له
مثيلا من قبل ، فكيف الحال لو رفعت عنه نهائيا ، وانشغل كلٌ في تطوير
قدراته ورؤاه لخير المجتمع وتقدمه ؟ بالتأكيد كان يمكن أن تعود على
الدين وعلى المؤمنين ، وعلى كافة المؤسسات الثقافية والعلمية وباقي
مجالات الإبداع الأخرى ، بالإزدهار والتآخي ، بدلا" عن الإحتراب
والتكفير بين أصحاب الدين والمذهب الواحد ، وبعد أن عادت سلطة الدين
تمارس دورها الرقابي في الممنوع والمسموح ، واتهام المفكرين والمبدعين
بالشعوبية والزندقة والتكفير ، تلاشى ألق المعرفة والعلم ، التحضر
والبغددة من أرض الرافدين ، ليعم المنطقة كلها ظلام التجهيل والخرافة
والشعوذة ، وهذا نتيجة لحكم الدين والدنيا في آن معا ، منذ زوال ما
يسمى بالعصر الذهبي للدولة العباسية ، وطيلة سيطرة الحكم العثماني ،
وحتى سقوطه ، كان العراق يعيش في مأساة التخلف والجوع والحرمان ، وإذ
لاحت في الأفق حياة أفضل أمام العراقيين بتشكيل حكومة مدنية ، وسن
دستور مدني في بداية عشرينات القرن الماضي ،اتسم بطابع علماني خجول ،
أقر ببعض الحقوق المدنية للمواطن ، من حريات خاصة وعامة ، إلا أن الدين
وما طرأ عليه من تشوهات طيلة 1400عام كان يمارس دوره ، و تأثيره بارز
ومشهود على مؤسسات المجتمع ، وفي مجالات كثيرة ومتعددة ، في التعليم
والقضاء ومؤسسات المجتمع المدني ، بالرغم من تواضعها ، والموقف من
المرأة وَتَمْيز الرجل عنها ، والانتهاك الفاضح لحقوقها ، والموقف من
القوميات والأديان والطوائف غير المسلمة وعدم الإعتراف بحقوقها ، كل
هذه الأمور وغيرها كان الدين يمارس سلطة القمع والتحريم عليها ، مما
أعاق تنفيذ برامج التنمية الاجتماعية ، وحال دون تطور حياة مجتمع متعدد
الديانات والطوائف والقوميات ، بشكل طبيعي وسليم .
التطور
اللاحق بعد سقوط الملكية ، أثر سلبا على حياة المجتمع ومؤسسات الدولة ،
فمنذ ثورة 14 تموز ومرورا بالانقلابات التي جاءت بحكم القوميين والبعث
، خلقت أوضاعا سياسية في العراق ، سيئة وغير مستقرة ، وعاش المجتمع
بدساتير مؤقتة، وكثيرا" ما تم خرقها وإبطال مفعولها بقرارات استثنائية
، نتيجة لعدم وضوح رؤيا الحكم في شكل الدولة التي يسعى لتأسيسها ، لذلك
كان نظام الحكم يمارس التضييق على الحريات العامة ، والخاصة ، مستعينا
بالمؤسسة الدينية ، منتهكا حقوق المواطن ، فلا انتخابات حقيقية ، ولا
حرية للرأي ، ولا يسمح بتشكيل أحزاب سياسية تمارس عملها خارج خيمة
الحكم ورغبته ، وهذا ما أدى إلى نشوء دكتاتورية مطلقة بقيادة حزب البعث
، أشعلت نيران حروب داخلية وخارجية ، دمرت كل ما بناه الإنسان العراقي
طيلة عشرات السنين ، ليسقط هذا النظام بغزو أمريكي ، يدمر كل مرافق
الحياة العراقية ، التي لم يكن النظام الفاشي قادرا على تدميرها ، تحت
شعارات زائفة وغير حقيقية ، بما فيها " بناء الديموقراطية في العراق "
، وبعد تجارب متعددة لأشكال الحكم ، وإجراء أكثر من عملية انتخاب
برلمانية ، تمت صياغة دستور دائم ، أقره الشعب العراقي عن طريق استفتاء
عام ، نال موافقة أكثرية الشعب العراقي ، صاغت مواد هذا الدستور
وأخرجته بشكله النهائي ، هيئة مشكلة من قوى في الجمعية الوطنية ، يغلب
عيها النهج الديني ـ الطائفي ، لذلك جاء متوافقا مع اتجاهات هذه الهيئة
، حيث أُعتبر" الإسلام مصدر أساسي للتشريع .. " و ( ـ أ ـ لا يجوز سن
قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام ) هذان النصان أحكما الحلقة حول
نظام الحكم واستبعاده من أن يكون نظام حكم علماني ، يسعى لتحقيق
الديموقراطية ويحقق الحرية لإقامة مجتمع مدني متطور ، وبعبارة أخرى ،
توجهات هذا الحكم باتجاه فرض حكم ديني ـ طائفي ، يغلق منافذ الحرية
والديموقراطية والمساواة ، أقوى احتمالا من التوجهات الديموقراطية
المقيدة بعدم التعارض مع ثوابت أحكام الإسلام ، وهي كثيرة وتكاد
ومتعددة الأشكال والصور ، وهذا يعتبر نكسة خطيرة وتراجعا عن المفاهيم
الديموقراطية وحقوق الإنسان ، قياسا على ما كان عليه أول دستور للحكم
الوطني قبل أكثر من ثمانين عاما ، والدساتير المؤقتة التي صيغت بعد
سقوط الملكية ، خصوصا عندما تكون النزعة الطائفية على أشدها ، وتساندها
مليشيات طائفية مسلحة ، خاضعة لقوى وأحزاب دينية ـ طائفية ، تأتمر
بأمرها ، و تمارس الإرهاب والقتل كما هي عليه الحال في الوقت الحاضر .
الدستور
نص على الحريات الديموقراطية ، وحق تشكيل منظمات المجتمع المدني ، وحق
ممارستها يصونه الدستور للمواطن ، وفق الضوابط الإسلامية !، إلا إنه
يطلق الحرية لوزير الدفاع الحالي ( ربما وفق هذه الضوابط )، بأن يهدد
بالقضاء على الشيوعية ، على الرغم من أن الحزب الشيوعي العراقي له
ممثلين في البرلمان ومشارك في الحكم بوزير ، لكنا لم نجد من يحاسب هذا
الوزير أو يسائله عن تصريحه هذا والأسباب الموجبة له ، ويقول له :
موقفك هذا ينتهك الدستور ومواده ، التي ضمنت حقوق المواطنين المدنية ،
وحرية منظمات المجتمع المدني ، بما فيها الحزب الشيوعي العراقي..!.
الدستور ومؤسسات الدولة كلها ،
بما فيها ، هيئة الرئاسة ، والمجلس النيابي والسلطة القضائية
والتنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني كلها على المحك في هذا الموقف ،
وهذا أول امتحان لهذه المؤسسات لتبيان موقفها من هذه القضية المعادية
لصلب الديموقراطية التي ضمنها الدستور ، التي ينتهكها الوزير ، عضو في
اللجنة التنفيذية ..!
لا يصلح نظام حكم للعراق غير
الحكم العلماني ، لتعدد دياناته وطوائفه ، فأن لم يكن الأمر كذلك ، فكل
حديث عن ديموقراطية ومساواة المواطنين أمام القانون ، يعتبر باطلا .
الدستور يقر حق أي مواطن ، بالمطلق ، رجلا كان أم امرأة ، دون تحديد
لدينه أو معتقده أو قوميته ، أن يعتلي أعلى منصب في الدولة ، وفق
حيازته على المؤهلات المطلوبة ، فهل يحق للمواطن الغير مسلم أو
للمواطنة العراقية أن تتسنم منصب رئاسة الدولة ؟ فإن كان القول نظريا
بنعم ، فهل ُيَجوُز الإسلام هذا ؟ لا شك أن الضوابط "الإسلامية " التي
تقيد حقوق المواطن ، تعتبر انتهاكا لهذه الحقوق ، وعلى المدى البعيد
تشكل هذه الضوابط بؤر احتقان في المجتمع ، تراكماتها تعود بنا القهقرى
لظهور دكتاتوريات من نوع جديد .
العراق ، كالكثير من الدول
العربية لها دساتير تشرع لضمان الحريات الخاصة والعامة في المجتمع ،
وبعضها تدعي علمانية الدولة ، إلا أن الواقع هو غير ذلك ، فالعلمانية
تتطلب فصل الدين عن الدولة ، فعلا لا إسما ، وعدم تدخل الدين في شؤون
الدولة ، وهذا غير موجود ، فكثيرا ما يهرول الحكام إلى مرجعيات الدين ،
طالبين فتاواهم ومباراكاتهم وإضفاء صفة الشرعية الدينية على انتهاكهم
لحقوق مواطنيهم ، والتغاضي عن خرق مبادئ ومواد الدستور ، من أجل أن
يستبدوا في مناصبهم والبقاء في كراسيهم لأطول قترة ممكنة ، فالتعاون
قائم على قدم وساق بين مؤسسات الدين ومؤسسات الحكم وقواه الأمنية ، وكل
منهم يحتاج الآخر لفرض سلطته وديمومة تأثيره ، لهذا لم نر تقدما
وازدهارا لهذه المجتمعات ، على الرغم من وفرة الثروات الطبيعية ،
وتواجد العقول والأيادي العاملة ، إلا إن الواقع يؤشر على قمع سياسي
بالغ الخطورة ، وتضييق على الحريات العامة والخاصة ، أدى إلى تزايد
هجرة هذه العقول والأيادي إلى خارج أوطانها ، ليس طلبا للرزق فقط ، بل
طلبا للحرية وللأمان المفقود في هذه الدول ، واستغاثة من جور حكامها
وظلم أنظمتها ، في القمع السياسي والفكري ، ولجم الصحافة وحرية التعبير
، والتهديد بالقتل للمفكرين وأصحاب العقول العلمية ، فالتضييق على مجمل
حريات المجتمع المدني ، كلها أمور تساعد على تدهور الحالة الاجتماعية
والمعاشية للمواطنين وتزيد من بؤس الحياة العامة ، الحاضنة الأساسية
لقوى الإرهاب ، الساعية لتدمير المجتمعات ، عن طريق فرض أفكارها
المشحونة بالتطرف الديني والطائفي البغيض ، والدولة بكل مؤسساتها
الحاكمة ، لن تكون بمنجى عن هذا الواقع الذي ساهمت وتساهم في خلقه ، عن
طريق الخلط بين مؤسسة الدين والسياسة ..!
25 حزيران 2006