حنا بطاطو: البحث في
تاريخ ضائع
زهير الجزائري
في مقدمة كتابه عن (الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق)
يذكر حنا بطاطو واقعة عن لقاء مع قائد شيوعي أحضر من زنزانته مقيد
اليدين والقدمين بالسلاسل، أظنه المناضل الراحل زكي خيري. قدم حنا
بطاطو القادم من الولايات المتحدة رسالة وزارة الداخلية بيد ورسالة
توصية من كامل الجادرجي باليد الأخرى. وحين عرض موضوعه، وهو إعداد بحث
عن الحزب الشيوعي العراقي، سأل القائد الشيوعي: أيمكن كتابة هذا
التاريخ بتجرد؟
التاريخ الضائع
مصدر الريبة يأتي من أن هذا التاريخ لم يكتب من طرف محايد، ولم يكتبه
الشيوعيون أنفسهم، رغم التوصيات المستمرة في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم،
إنما كتب من قبل سجانيهم حيث أصدرت (مديرية التحقيقات الجنائية) عام
1949 (موسوعة الحزب الشيوعي العراقي) اعتماداً على وثائق كُبسَتْ في
أوكارهم السرية واعترافات بعض القادة الذين انهاروا خلال التعذيب. وعدا
ذلك بقيت وثائق هذا التاريخ مسجونة في مكانين:
■ الوثائق التي صادرتها الأجهزة الأمنية بقيت أسيرة الأقبية المغلقة.
■ في أرشيف الحزب الشيوعي في براغ الذي أغلق بوجه الباحثين لأن
التقييمات التي أصدرها الحزب في أعقاب الانتكاسات ستمس أشخاصاً
مايزالون في مواقع قيادية.
ولذلك تحتم على حنا بطاطو أن يدخل، شأن المكتشفين الأوائل أرضاً بكراً
وتاريخاً ضائعاً. وقد روى لي خلال لقاء معه في بيروت كيف كان يدخل
أقبية التحقيقات الجنائية حاملاً ترمس شاي وسندويشات، باحثاً في رفوف
من السجلات المتراكمة، بينها أكداس من أوراق لا تنفع البحث، وفيما بعد
يلتقي المعنيين في أماكن اختفائهم أو في سجونهم ليعرف وجه الحقيقة
الآخر. وقد بدأ حنا بطاطو بحثه اعتماداً على منهج أستاذه (ماكس فيبر)
الذي يعتبر المعرفة، أية معرفة، غير قابلة للاكتمال، فالاكتشافات
العلمية الجديدة، ستفتح أمام الباحث أبواباً جديدة، وطرق بحث جديدة، بل
ونتائج جديدة تلغي ما قبلها في عملية مستمرة، بلا محور ولا نواة ثابتة.
وأتذكر حين التقيت حنا بطاطو في بيروت أنه كان مايزال يبحث عن وثائق
جديدة، رغم صدور كتابه منذ سنوات. فالبحث مازال مفتوحاً بالنسبة له.
معظم الوثائق الأمنية التي وضعت بين يديه تركز على القيادات اليهودية
في الحزب، وتحاول البحث عن توجيهات ومصادر مالية خارجية لتثبت أن تأسيس
هذا الحزب هو جزء من "مؤامرة صهيونية" أو نبتة خارجية مصدّرة من
الخارج. لكن حنا بطاطو رأى في بحثه الدقيق أن الحزب تأسس قبل عشر سنوات
من دخول أول يهودي، وأن اليهود الذين دخلوه انفصلوا عقائدياً عن دينهم
وكرسوا حياتهم لقضية أوسع. وقد استبعد حنا بطاطو التفسير التآمري وبدأ
بحثه بتأسيس قاعدة استغرقت كتابه الأول بكامله حول الطبقات الاجتماعية
وتعبيراتها السياسية ليجد التمهيد الداخلي لظهور الأحزاب السياسية،
ومنها الحزب الشيوعي العراقي. وكان عليه وهو يبحث نشوء الطبقات
العراقية أن يقاوم جاذبين:
■ التقسيمات الطبقية الفجة التي تربط الطبقات ميكانيكياً بتعبيراتها
السياسية وتربط ظهور الحزب الشيوعي بنشوء الطبقات العاملة العراقية.
■ يقابل ذلك اتجاه معاكس يعتبر الطبقات غير متشكلة وغير موجودة في بلد
مازالت بناه الاقتصادية والاجتماعية في أطوارها الجنينية.
الطبقة الحية
لم ينكر بطاطو الطبقات، ولم يعتبرها أمراً مفروغاً منه، وهو يبدأ بحثه
التجريبي ليرى ما إذا كانت المعالجة الطبقية ستفتح منفذاً لرؤية علاقات
تاريخية أو ملامح اجتماعية ذات قيمة إذا ما جرى تطبيقها على الواقع.
وقد وجد، كباحث في أرض بكر، أن التفاصيل الخاصة عن الأفراد والعائلات
ذات التأثير الاقتصادي والسياسي، نادرة جداً، وإن وجدت، لن تكون ذات
دلالة ثابتة بسبب تغير الطبقات نفسها خلال التشكل السريع لمؤسسات
الدولة الملكية، وأحوال التضخم والكساد خلال الحرب، وسياسة تسوية الأرض
وظهور الإقطاع بإثراء شيوخ العشائر وتهجير اليهود وانتقال ملكياتهم
وبروز العنصر التجاري الشيعي، والتدفق المفاجئ لأموال النفط، وتضاعف
سكان بغداد أربع مرات خلال الفترة من 22 - 1957. وكان عليه أن يعيد رسم
جداوله ويرسم جداول جديدة، من المعلومات الشحيحة ليتوصل إلى استنتاجات
جديدة لكل مرحلة.
ومن خلال البحث والتجريب استنتج بطاطو قائلاً: "ولكي أكون أكثر وضوحاً
وجدت من الصعب على أن لا أوافق جيمس ماديسون وكارل ماركس وماكس فيبر
على أن الملكية والافتقار إلى الملكية يشكلان العنصرين الأساسيين لوضع
الطبقة والتحزب وأن هذا التضاد يحتوي على بذور العلاقة التنافرية".
ولكن حنا بطاطو الذي لم يسلم للقاعدة التي تربط الطبقة ميكانيكياً
بتعبيراتها السياسية، بحث على طريقة أستاذه ماكس فيبر عن التقسيمات
الأخرى، الأثنية والدينية والقبلية التي توازي الطبقة وتزحزحها
وتخترقها. ولم تكن الطبقة بالنسبة له عقائدية معممة وموحدة المصالح
وثابتة، إنما تأخذ سماتها من بيئتها والسياق التاريخي الذي تمر به، وهي
تحتوي على طبقات فرعية وروابط مختلفة. ولذلك يحفل كتاب حنا بطاطو
بقطاعات اجتماعية متنوعة، عراقية بحتة: ملاك الأرض الجلبيين، المشايخ
والأغوات، السادة، الدواوينيين الأتراك، الصرافين اليهود، الضباط
الشريفيين. ويتابع كل واحد من هذه القطاعات: تحول الشيوخ إلى إقطاعيين،
والسادة إلى ملاك، والضباط الشريفيين إلى بيروقراطيين ملاك.. فما من
شريحة تبقى كما هي وما من طبقة إلا وداخلها طبقات.
اللوحة السياسية
والأهم هو أن التعبير السياسي عن الطبقة متلون بلا حدود، فخلف كل سلوك
سياسي أكثر من دافع: التكوين الحياتي والعواطف الإنسانية والدوافع
الخاصة للقادة السياسيين. ففي بدايات التكوين السياسي لعبت شخصيات
القادة، بصفاتهم الفردية، دوراً يفوق الأفكار التي يحملونها، بل
والقطاعات التي يمثلونها. فقد ارتبط الحزب الوطني، بلا فكاك، بشخصية
جعفر أبو التمن، والحزب الديمقراطي بشخصية كامل الجادرجي، والشيوعي
بـ"فهد". ولذلك تابع بطاطو، بعد رسم اللوحة الاجتماعية، ظروف نشأة
القادة وتكوينهم الاجتماعي، وطبيعة تعليمهم، والعواطف التي أثرت في
تكوينهم السياسي، لإعطاء صورة أقرب إلى الرواية عن ترددات فيصل الأول
الذي عانى من التناقض بين حلمه بالدولة الوطنية وولائه للإنكليز،
وحيرته وسط تعارضات الحاشية، الوصي عبد الإله ونزعة الشك التي لازمته
وحياته الشخصية الخفية، الفوارق بين شخصية حسين الرحال العقلانية
الكسولة وبين صديقه محمود السيد الرومانسي الثوري الحزين. وقد ركز
بطاطو جهداً صبوراً على دراسة شخصية فهد وسماته القيادية، فأزاح الهالة
القدسية التي تحيط الشهداء المعصومين من الخطأ وأزاح بالمقابل الشكوك
التي أحاطه بها أعداؤه ووضعه في صلب المرحلة التاريخية التي استدعته
وأثر فيها وأثرت فيه. ليس القائد، كما تقول السير الشخصية، نتاج نفسه،
وليس نتاجاً عرضياً لمرحلته، إنه نتاج تفاعل حيوي بين النشأة الشخصية
والنشأة الاجتماعية، وتتداخل السيرتان معاً.
السياسة والقرابة
خلال دراسته للبنى الداخلية للحركات السياسية اهتم حنا بطاطو بالصلات
الدينية والقرابية والمكانية بين القادة، مثل علاقات القرابة بين
الضباط الشريفيين. فإبراهيم الراوي وجميل الراوي ورشيد الخوجة أبناء عم
من الدرجة الأولى، من عشيرة الجميلات، التي ينتمي إليها جميل وشاكر
الوادي. وكون صديق شنشل (حزب الاستقلال) صهر يونس السبعاوي وقد جمعته
مع فائق السامرائي مهنة المحاماة. وقد لعبت علاقات القرابة دورها في
روابط أول جماعة ماركسية في العراق. فكانت أمينة أخت حسين الرحال أول
عضوة لجنة مركزية في الحزب الشيوعي. وقد جمع نادي التضامن حسين الرحال
وزكي خيري وحسين جميل في حين جمعت صلة القرابة عبد القادر إسماعيل
ومحمود أحمد السيد وعبد الفتاح إبراهيم.. وهكذا لعبت العلاقات الشخصية
دوراً يفوق الأفكار والمصالح المشتركة في توسع الأحزاب وتكوين بناها،
خاصة في المراحل السياسية الأولى، حين لم تكن وسائل الاتصال الحديثة
ولا التجمعات المدينية قد توطدت، وبقيت الحياة السياسية خارج السلطة
ممنوعة وسرية.
لم يسلم حنا بطاطو لصورة القوى عن نفسها، ولم يعتبر الخطاب الإيديولوجي
لأية قوة من المسلمات، إنما راح يقارن الخطاب بالتطبيق، ووجد أن معظم
القوى السياسية، خارج السلطة، هي تعبيرات عن طبقة وسطى بغض النظر عن
شعاراتها. وعرف خلال البحث صعوبة الوصول إلى حقيقة ثابتة في بلد مسيس
حتى العظم ومتناحر حد الدم. ولذلك كان يدرس الواقعة بأوجهها المتعارضة،
وكمثال على ذلك فصله الباهر عن أحداث الموصل حيث وضع خارطة سياسية
لتوزع القوى ومنابعها الاجتماعية والقومية، والتقى الأطراف المتصارعة
والمحايدة ليعطينا أوضح صورة عن واقعة لم نعرفها إلا من خلال تطرفات
المتصارعين. وتوصل إلى حقيقة أن جذور العدوانية التي شهدتها أحداث
الموصل تعود إلى الخوف الشامل الذي سيطر على الكل، الخوف من أن الفشل
في تلك اللحظة التاريخية قد يجر إلى الإبادة على يد الخصوم.
وخلاصة القول هو أن حنا بطاطو، خلال 26 عاماً من البحث، أنجز سفراً عن
الطبقات والقوى السياسية عجزت عن تقديمه القوى السياسية في السلطة أو
خارجها.