من يدرس كتابات المرحوم "علي الوردي" و أبحاثه
الممتدة من "وعاظ السلاطين" و "مهزلة العقل البشري" و "لمحات اجتماعية
من تاريخ العراق الحديث" و "شخصية الفرد العراقي" ، سنجد أن الوردي وضع
يده على عناصر الضعف و القوة في العراقيين و هذا المركب العراقي العجيب
"القبلي الديني الحداثي" ، و لكن منطقة شمال العراق أو ما يسمـــيه
البعض "كردستان" ، للأسف بقيت بعيدة عن دراسة الوردي "العبقري الكبير"
، و قد اعتذر الوردي نفسه عن ذلك معللا ذلك بأسباب لسنا بصددها ، و
ربما أكثرها لوجستية .
لكن خلال تعمقي و دراستي للوضع الكردي ، وجدت أنه قد
لا يكون مختلفا كثيرا في احتواءه على ذات القوانين التي تؤثر في باقي
أركان العراق ، لكن كما يقول الوردي نفسه فعلينا أن لا نحول أساسيات
تحليله قوالب جاهزة لدراسة مناطق أخرى قد تتطابق أو تختلف مع تلك
القوالب و بالتالي نخرج بنتائج غير واقعية أو غير مثمرة و نكرر أخطاء
الفلسفة الماركسية التي وضعت مقاسا تقيس كل شيء به ، من ثم تحذف من
الحقيقة و تضيف إليها لتتطابق مع هذا المقياس ، إن الإنسان الكردي أيضا
يعاني من حالة شبيهة بما يعانيه العراقي عموما في أرجاء العراق الأخرى
، ألا و هو "ازدواج الشخصية".
إن العراقي الكردي يحمل أيضا في داخله نوعين من القيم
، قد تتحول مستقبلا إلى "تعدد الشخصية" و هو الأخطر ، فهناك صراع بين
"الدين ـ كمفهوم أممي إنساني" و قيم "العشيرة" و "القبيلة" التي تدفع
نحو مفاهيم التعصب و النخوة و السطوة ، بمعنى أن القوة دائما تكون هي
الحل ، و ربما كانت الحرب الأهلية "الكردية ـ الكردية" مصداقا لهذا
المنطق ، و المجتمع الكردي الحالي لا زال يقوم على سيقانه القديمة ،
حين كان رجال الدين "و هم الطبقة المثقفة في القرون الوسطى" يتحكمون
بقيم الشعب و مقابلهم تقف السلطة "الشبه علمانية" من شيوخ عشائر و ذوي
الأملاك و قطاع الطرق "أعتقد أن الطبقة السياسية الكردية الحالية تنتمي
في عقلها الباطن إلى تلك الفترة".
و من الطبيعي أن يكون وجود ثقافتين مختلفتين سببا في
وجود صراع نفسي حقيقي ، و الصراع هنا لا يعني وجود مرض مثل
أو ما نصطلح عليه بـ"انفصام الشخصية".
رجل الدين الكردي ، مثلا ، كان يتعاطف مع
"العثمانيين" على أساس المذهب أو الدين ، بينما كان شيخ العشيرة و
الأمراء ، إذا أردنا توسيع الدائرة ، ينظر للعثماني على أساس "المصلحة"
و كلما استفاد كان يتعاطف و كلما تضررت مصالحه كان يندفع نحو العداء ،
و هذان الطرفان و لاختلاف مصالحهما كانا يدخلان في صراع يقسم المجتمع ،
أو يتحالفان ، و المجتمع هو الضحية مرة أخرى.
إن المجتمع الكردي "في صفته العامة" هو مجتمع
"عشائري" يقوم على أساس الولاء للقبيلة و شيخها و مساعديه من الملاية
أو الأغوات ، و أحيانا كان زعيم القبيلة هو شيخها و رجل دينها في الوقت
نفسه ، و طبيعي أن للمجتمع العشائري قوانينه و فهمه و أعرافه الخاصة
التي تجعل منه مختلفا عن المجتمع المدني .
و من الطبيعي أن تكون المنطقة الكردية مقسمة بين
الدول "فارس و الأمبراطورية الرومانية" قديما ، و "الدولة الصفوية و
الإمبراطورية العثمانية" في القرون الوسطى ، و الدول الأربعة "العراق"
و "تركيا" و "إيران" و "سوريا" حديثا ، لأن المجتمع العشائري لا يمكن
أن يكون دولة على الطراز الحديث ، فالمجتمع العشائري متشبع بثقافة
"النهب" و "السلب" و "الإغارة" على الغير ، لذلك نجد أن الأكراد كانوا
دوما محكومين من قبل إمارتين أو ثلاث ، لذلك نجد أن كل محاولات
الزعامات الكردية "العشائرية" ، هي محاولات فاشلة و من دون طائل و لا
أستبعد تكرار مسألة "جمهورية مهاباد" مرة أخرى.
الحل الوحيد لإخراج الأكراد من هذه الوضعية هو
الانصهار في البوتقة "العراقية" و إلغاء "الثقافة القومية" و حتى
"الإسلامية" التي تشبعت بمفاهيم العشيرة و عيوبها ، خصوصا و أننا على
أعتاب عراق قد يصبح من أقوى دول المنطقة ، و على حدود "تركيا
الأوروبية" التي لن تكون مثل تركيا "القومية" في القرن العشرين.