الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات تحقيقات أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة

 
ما لم أحسب له ! قصة قصيرة  

صباح محسن جاسم
 
ما حصل اليوم صباحا لم يكن أمرا اعتياديا. ربما تشرق الشمس وتغير مواعيدها ألا أن الذي حصل جعلني أعيد حساباتي وأن لا أقلق بعد اليوم.
يبدو أن الطبيعة تحمل لنا رسائلها. وطبيعي أننا بقلقنا وتخوفنا اليومي ننكر على أنفسنا نعمة من نعم الرب دون أن ندرك حقا إن حياتنا ولفترة لا نعلمها انما قد وضعت بميزان نساهم في أن نطيلها اذا ما حذونا حذو البطل التاريخي الحياتي أو نساهم بكل ما نحمله من شك وقلق وخوف فنختزلها بالطريقة التي نكون فيها فاعلين آثمين في وقوع ما نخشاه ولا نأمل عقباه.
على غير عادتي كل صباح  ويومي الرتيب لفت سمعي جلـَبة ٌ وأصوات كأنما تستغيث لجمهرة من عصافير حديقتنا وقد تميز من بينها صراخ لبلابل بشكل ملفت للانتباه !
لم أفهم حينها سببا لتلك الضوضاء وصوت عراك الطيور وأنا داخل غرفتي المختنقة الهواء المرتفعة الحرارة  حيث أجلس عادة لأتابع أخبار العالم من على شاشة الكومبيوتر أو أن أدخل في حوارات فلسفية مع بعض من صحب فارقتهم منذ زمن بعيد ربما تجاوز الأربعة عقود ، ثم باعدت بنا الحياة هكذا. وعلى حين غرة يجمعني بهم حال قـلَبَ أوضاع البلاد رأسا على عقب مهيجا غثها وسمينها.
ما يفصلني عما يحدث قريبا في الجوار سوى جدار غرفتي أو شباكها الواسع أو حتى رقيق زجاجها الجديد.
سارعت بغريزتي أتفقد الأمر . دلفت ناحية المطبخ ومن ثم دفعت بابا خشبيا خارجيا معمولا بأسلاك دقيقة منسوجة لمنع البعوض والذباب من التسكع داخل الدار.
واجهتني الحديقة الأمامية بكل ما تحتويه من أعشاب واشجار وشجيرات. كانت شجرتا السدر على الجانب الأيمن تلوحان بأغصانهما الكثيفة المتشابكة توجهاني إلى حيث الجلـَبة.  فوجئت بحشد لجمع من عصافير يعلوها طيْران من البلابل يرفرفان بأجنحتهما الخافقة فوق أجمة للورد وهما يهاجمان ثم يتراجعان بحذر فيما أصواتهما المحتجة تطغي على أصوات بقية عصافير راح قسم منها يرمي بنفسه على ارض الحديقة فيثير بعض غبار التربة! . طيْران من البلابل يتبادلان موقعا على بقايا ساق قريب لشجرة يابسة فارقت الحياة. يضجان بصوتيهما الحماسيين يرفران بجناحيهما الكبيرين نسبيا. امتزجت ألوان ريشهما الأسود والأبيض وما بينهما فتماهيا في لون الريش الأصفر . كانا يحتجان بهجومهما العجيب فتكر بقية العصافير في هجمة منظمة واحدة تعاودها ثانية وثالثة أمام دهشتي وغرابة ما يحصل.  
من بين كل ذلكم السخط والهيجان راح دماغي ينقل ويفسر ما تراه عيناي ويعطي إشاراته الخاصة لجيش اعصابي التي بدت متوترة الى أقصى ما يكون لتؤدي رد فعلها الآ ويدي تبحث في الهواء عن شيء تتوسله وصراخي أنا الآخر مهددا تلك الكتلة السوداء وهي  تندفع قافزة في كل مكان تهاجم جاهدة للإمساك بفرخ عصفور يتملص بشجاعة وذكاء في الزوغان يمينا وشمالا والى وراء عن مخالب ذلك المفترس والاحتماء بأشواك شجيرة ورد!
كان صراخي يسبق حركتي المنفعلة بردة فعل جمعت كل ما أوتيت من خزين لأبعاد الحيوان المفترس عن تحقيق مأربه. لم يأبه طيرا البلابل ولا بقية العصافير لحركتي الهجومية كأنما عرفن تماما أن وجودي هو ما كان يجب أن يكون قبلا ومن إننا مجتمعون أضحينا فريق عمل واحد!
تسمر القط الأسود وسط كل ذلك الصراخ والزعيق ، عيونه تكاد تفترسني بكل ماضي أجداده . لم يستطع أحد غيري أن يفهم ما كان يحاول أن يقوله من تهديد.
الوحيد الذي لم يفهم سببا لحضوري هو العصفور الصغير الذي أُفرد بعض ريش جناحه أثر تملصه من قبضة مخالب ذلك الغول الخرافي.
لون التراب امتزج بلون ريش المكافح الصغير . بدا مع محاولاتي في الأمساك به  متملصا مراوغا بحثا عن خلاص.
لم تجد جهودي في الإمساك به من نتيجة ، أخيرا وبعد ما انتبه هو – على ما يبدو- الى الهدوء النسبي المحيط لأصوات بقية العصافير الصاخبة  استكان بين أصابع يدي وشغفي أخيرا.
كان جسمه النحيف ساخنا وقلبه المتسارعة ضرباته يقفز هو الآخر  بين أصابع يدي . منقاره الصغير المطوق بخط أصفر عظ جلدة يدي.  ما إن تأكدت من سلامته  رفعته برفق لأريه إلى بقية العصافير التي حطت على أغصان قريبة لشجرة السدر . انتشرت بقية العصافير أعلى جدار الدار تتطلع إلي  بتحفز على أمل أن أعيده بطريقة تحافظ عليه سليما معافى.
وبسرعة وجه دماغي الى حل أكيد ، قذفت به وسط خضرة داكنة أعلى شجرة السدر فراح يخفق بجناحيه الضعيفين وسط بقية العصافير التي حفـّت به مزقزقة محتفية.
بعد ما تأكدت من هروب القط الأسود واختفائه مخلفا وراءه لون فروته الأسود  ومواءه الوحشي وعينيه المدورتين الصفراوين بحديهما الحمراوين  وهما تخرجان من تجويف جمجمته تتوعدان ، تناهى لسمعي تغريد مزدوج لطيْريّ البلابل المنسجمين المتناغمين . تتبعت مصدر الصوت المحتفي  صوب الأفق فما عدت لأميّزهما .عجبت أي منقذين هما بل أيّ ُ حبيبين!.
 تطلعت لأتأكد  من استقرار عصفوري الصغير في أعلى غصن الشجرة حيث احتضنته الخضرة . تنفست بعمق وأنا أدلف إلى داخل الدار منتشيا براحة غريبة مما حصل تواً فيما ساحت عيناي الذاهلتان عبر زجاج النافذة الشفاف تحومان حول الغصن الميت للشجرة وتساؤل يلح في ذهني:  ما دخل طير البلبل بكل هذا؟!