قراءة في
ديوان علي البزاز بالهولندية..
شاعر يعيش
صخب المفردة الطازجة
كيف يؤمن
الشاعر بالصمت ويدعو إلى الكلام المؤجل، وهو الذي يمتلك إيماناً
بالسؤال والبحث ليس عن الحقيقة فحسب بل عن ذلك البعد اللا منظور منها
وربما عتم على متاهة البحث تلك السوريالية المذهلة التي تجعل منه
مصوراً لا تـألف لقطاته الطبيعة، ولاغرو في ذلك فإن الهوس من صفات
الشاعر مثلما أن التجلي والخلق من صفات الطبيعة. ولعل ذلك من صفات هذه
المجموعة الحالمة بالوصول والتي أغرقها الشاعر بموسيقى شرقية مفتوحة
يتردد صداها في عراء الشعر والسفر في ذلك العالم النبيل الذي طرزه
الشاعر بالظلال والنجوم.
يلائم
البزاز إيحاءات الشعر الشرقية الحادة، بقساوة المفردة الهولندية فيختزل
المعنى إلى إحساس شرقي ويحاول الانسياب في لغته الهولندية محاذياً
اللغة الأم المدغمة بالموسيقى وتصل ذروة ذلك في نهايات القصائد التي
تتشابك في البدء بالأفكار ثم تنسل منفردة في النهاية.
القصائد
بدت حزينة تعزف إيقاعاً شجياً كإيقاع المطر الهولندي، وهي تشكل استثناء
في الشعرية الهولندية التي انتابتها الإنشائية واللهاث وراء
الرمز(إقصاءً للذات وإمعاناً في اغتراب الذات الشعرية) على حد تعبير
الشاعر الهولندي يعقوب اوهانيوس.
والبزاز
يجيد إلى حد كبير تعرية الحالة الآنية للقارئ وتحويلها إلى حزن مربك
ويعود ذلك إلى تقنية الشاعر في نحت القصيدة بسردية القصة القصيرة، حوار
الريح في تعرية الصخور ليست حواراً هادئاً في كهف مهجور. وربما بدا
الشاعر في أغلب قصائده عجولاً مسافراً يمر على الموضوع بعجالة.. إنه
يستوقف النقطة القصوى في الحدث ويحاور عميقاً في القمة ثم يصوغ (نوتته)
ويرحل.
تلقائية
النص تبدو منذ القراءة الأولى رغم صخب الرمز فيها شأنها في ذلك شأن
قصائد الرمزية الألمانية والهولندية، ذلك أن حركة القصيدة (المقلوبة)
التي تبدأ جذورها في السقف، وتناول الموضوع من القلب ثم (تهميش)
التفصيل المفتوح أصلاً في النص، بخطوط حادة من الموسيقى (القافية
المتناوبة) كل ذلك يقود إلى محصلة الحوار المحور في الموضوع.
وكأي
اغتراب في غابة المنفى، فليس ثمة غابة أجمل من براري الطفولة التي يأوي
إليها الشاعر كثيراً في قصائده؛ مفاوز سفر، ومدن ضباب باردة، وخرائب
وطن، وقفر واسع في الذات، ليتحول السفر إلى مجهول كونه يرتبط بنقطة
الابتعاد عن الجذر الذي تحيله القصيدة إلى رمز صاخب بالألم.
هنالك
تعويذة تنمو في اوربتال القصيدة توحي بعلامات قصيدة مهجنة من الشرق
والغرب يجيد الشاعر الغور في تفاصيلها الخصبة، ويتجلى ذلك واضحاً في
قصيدة (ثمة قلب)..
ثمة قلب
ثنائية من
الصخر
أو
ثمة قلب
كمستنقعات البراري
يفيض
بالعسل
أو ثمة
قلب
يحاور
تجاعيده أمام المرآة
إن
التمايز الذي عناه الشاعر هو ذلك الكم من العفوية الشعرية التي تجلت قي
الوضوح المنبعث من الرمز والموسيقى التي انبلجت عميقة متوغلة في سطح
النثر الذي لا يلبث الشاعر أن يحرضه في كل مرة على الانهيار.
ولنسف
الذكرى أو تحريضاً للنسيان يغامر هذا الكائن الشاعر على تخصيب الذاكرة
بـ (طزاجة المفردة الحاضرة) التي تبدو خرافية أمام عقلانية الحاضر الذي
يأباه جنون الشاعر.
ثمة
كيمياء في هذا التوازن الدقيق المرشح للانهيار في أكثر من مرة حين تنوب
اللحظة الآنية في كأس الشاعر المترعة سلفاً بطلا الماضي. هذا الحنين
إلى يومية التفاصيل اختزلته حنكة الشاعر (الشعرية) إلى تعبير أقرب ما
يكون إلى حلم طفولي صاخب بالبراءة.
إن تأثيث
القصيدة بعاملين مترادفين (الموسيقى والرمز) جعلا من أفكار علي البزاز
سهلة المتناول، مما أتاح لنا قراءة قصيدة شرقية في قاموس غربي، ليست
منفية عن أهلها، ولكنها غجرية مسافرة، وهذا ما نفتقده اليوم بسبب فقدان
التوازن بين ثقافة الشاعر الشرقية والقصيدة الغربية التي يكتب، مما
أتاح لنا نسيان بعض ما ألفناه في قراءاتنا من إحساس بالاغتراب.
على أية
حال، الشاعر مدفوع غريزياً إلى توقع أجوبة عقيمة لأسئلته الكبيرة ويظل
وحيداً أمام سنواته التي تحيط به كالأحجار. هذا التقصي الغريزي يوظف
حركة الشاعر إلى (فلسفة) مبنية على اختراع الفكرة السوريالية حيث يبدو
الواقع حلماً مذهلاً لا يتلاشى لأن موسيقاه باقية.
ورغم أن
الشاعر يقع تحت سطوة القصيدة المترجمة إلاّ انه نأى بنفسه كثيراً عن
التقليدية في طرح المعنى باعتباره الهدف الأسمى للحداثة، ليمنح مدار
الشعر الحديث وميضاً يمكن رصده الآن.
*****************************
29/5/2006
|