04-07-07 12:11
لوحات مؤتلقة للروائي
واسيني الأعرج
خلدون جاويد
لوحات الائتلاق تكمن في التقاط خيط الضوء من هذا البحر البشري المتلاطم
بضجيج من صراع وبأمواج من دم ودموع ، ها هي ريما بطلة رواية (ذاكرة
الماء ) تؤرخ لهذا الضجيج الدرامي عبر صورة حالمة يتوارثها الجيل في كل
عصر مفادها أن الأمل بالكلمات لا بالمناصب ، بالمحبة الانسانية لا
بالقلاع ، بروح الصداقة والسلام لا بالاستغلال وقمع الآخر . ان واسيني
الأعرج يُرتّش تلك اللوحات المضيئة باضافة مرموقة من عنده لما في مخيلة
ريما من حلم :
" عمو يوسف الله يرحمه كان طيبا . يضعني على ركبتيه ويقرأ لي الاشعار
الجميلة ، أو يريني صوراً عن لوحاته الكثيرة . كان جميلا ً. يقول لي
دائما ً . ياريما ، نحن الفقراء لانملك الشيء الكثير سوى كنز الكلمات
الذي نورثه لأصدقائنا وأحبتنا . نتذكرهم به ، ويتذكروننا به ، أما
الحكام ، هؤلاء الذين يملأون الشوارع بنصبهم التذكارية ، والتلفزات
بوجوههم ، سيندثرون ، من يتذكر اليوم طغاة الدنيا منذ بدء الخليقة ،
لكن من ينسى اليوم : شكسبير ، فلوبير ، الحلاج ، بشار بن برد ، سرفانتس
، عمر الخيام ، من يتذكر قاتل بوشكين ؟ ... هؤلاء هم ذاكرتنا وذاكرة
الدنيا التي تعيشنا ونعيشها . "
واسيني الأعرج يؤكد بلا شك على هامشية الذاهبين الى النسيان من آكلي
أكبادنا وخازني فرحنا تحت سجادهم الوفير وثرياتهم النيرة وزبرجدهم
وابنوسهم ورخام صروحهم ، ولكن لا ألف لا ، ان الجمال هو دفء القلوب لا
أصابعهم الباردة ، والحسن هو الحنو لا وجوههم الجامدة وارواحهم
المتثلجة . انهم بطبيعتهم المتحجرة أقرب الى " ... ويل ٌ لمن جمع مالا
وعدده ... " انهم يراكمون الأموال في زمن العوز والحاجة والمرض والجوع
. لا بل انهم يتقنعون بالطيبة وهم سم الأفعى ، وبروح الصداقة وهم
ساديون ، يرتدون مسوح الملائكة وهم دراكيولا قاتل ضالع بالجريمة ، انهم
الإزدواجية المقيتة المقرفة . هاهو واسيني الأعرج يرسم لوحة اخرى في
مشهد العذاب الانساني ولكن في صورة الكشف عن أدوار الأوغاد في الكواليس
وعلى مسرح الحياة . ان واسين الأعرج نموذج مثل آلاف النماذج من ادباء
الدنيا وفنانيه في احترام دوره الشجاع بتعرية المارقين والاستغلاليين
وذوي الأرواح الدرنة من عشاق المال وحب وشهوة القتل والاغتيال . تقول
احدى اللوحات :
" غرابة في مخلوق هذه البلاد . هو الشخص الوحيد الأوحد الذي يصلي الفجر
، ويزني الظهر ، ويسرق العصر ، وفي العشاء يستغفر ربه ويصير وديعا بين
فخذي زوجته . ولا يشعر مطلقا ًبأي حرج ولا بأي تناقض أبدا ً. يمشي وفي
داخله شخصان : واحد ميطافيزي والآخر عقلاني بينهما زجاج شفاف لاينكسر .
كل واحد يقبل الآخر ولكل وظيفته الخاصة . "
وهنا لابد من التعليق بأن سلفادور دالي هو الحري الوحيد برسم تراكم
القاذورات هذه في شخصية من هذا النوع الخرافي !
هذه الازدواجية في العبادة من جهة والفجور من جهة اخرى ، ادعاء الوطنية
وسرقة الوطن ، رفع شعار الحرية ودفع البلاد برمتها الى المشروع العبودي
القسري . الدفاع عن العدالة الى جانب التمتع السادي بانهيار المجتمع
وسقوط المدن في الشحوب والحداد ، في الاغتيال والموت الجماعي بل مصادرة
حتى ابسط الحقوق المدينية هو ديدن هؤلاء الطارئين على العصر وعلى
التلقائية والفرح الانساني ، يقول الأديب واسيني الأعرج في لوحة اخرى:
" دعوتها الى مطعم صغير في زاوية الشارع الكبير ، متخصص في البيتزا
الايطالية ، لتنسى همومها ، وما كدنا نجلس في المقعد الخلفي ، حتى دخل
علينا رجل يشبه الشرطي ، او العسكري ، ولكنه لم يكن كذلك . كان خليطا
من هذا وذاك . طلب اوراقي . طلب اوراقها . ركب نظارتين . حاول أن يقرأ
بصعوبة كبيرة . ثم سألنا كمن يكمش طريدة فجأة في مصيدته .- متزوجان –
نعم – الدفتر العائلي – ماعندناش . شعرت في لحظة من اللحظات ان صاحب
المطعم يدبّر لنا مقلبا كعادته ، عندما يريد ان يرفه عن زبائنه . حككت
على رأس الرجل – والله تشبه الشرطي . هفّيتنّا يا وّحْدْ المسخوط .
– نشبه لختك ياعطاي .
كانت الكلمات خشنه لم اكن املك حيالها الاّ الخيبة والصمت .
لم يتح لنا حتى فرصة التأمل والتساؤل . خرج وبسرعة عاد بكتيبة مدججة
بالأسلحة . عرفت ان الرجل لم يكن يتمسخر مطلقا ً . عرفت من وجوههم
وهيأتهم انهم مجموعات لاوظيفة لها ، سوى تصيّد الناس الذين يبدون
بشوشين على غير العادة خصوصا اذا كان المجتمعان رجلا وامرأة . هذه
الصرعة الجديدة جاءت مع الحاكم الجديد .... "] .
انها أحدى الكبائر ان نبدو بشوشين ! في زمن الحريات المتعددة في عموم
العالم ، أما هنا فان الارهاب يمد بظلاله السامة على حياة مدينة تباد
ولايبقى منها سوى دونية الفكر والسلوك. انها المدينة تتصحر من الفرح ،
وتتقحل من الابتسام ! وبكلمات الكاتب اللآمع الروائي واسيني الأعرج
تبدو لنا المدينة هكذا : " من غير المعقول ان تباد المدينة بهذا الشكل
الهمجي وبهذه السرعة وسادة الامر والنهي لايعلمون ؟ المدينة بدأت تزحف
نحو الانقراض ليحل محلها ريف بدون عقل ولاتاريخ ولاذاكرة ، سوى الجفاف
والرمل ، ثم الرمل ."
ان الإسلوب الشيق للأديب واسيني وسبائك الديباج التعبيري الأنيق في
جِدته وحرارته تمنح القارئ رغبة جامحة بالقراءة النهمة للوحات مؤتلقة
باضاءات ادبية جذابة ، تأخذه الى الاطلاع المرير على الواقع المقرف
لعوالم اغتصاب الأرواح والأموال والكرامة الانسانية .
طوبى لواسيني في لوحاته الرائعة وفي كتابه النابض بالغيرة الوطنية
والعالمية على بني البشر . ان توثيق جراحات شعب تمنح الشعوب الاخرى ،
الدرسَ والعبرة على ضرورة الانتباه من اجتياح الماعز الإرهابي العصابي
السفّاك عدو الحضارة والحرية ، السادي المناهض للفكر التحرري المتجدد ،
الماعز الهابط من قتام الكهوف والداعي اليه . انه مد أسود سام مُعد ٍ
يجتاح البشرية اينما وجد الى ذلك سبيلا .
وهناك لوحات ولوحات على مد النظر ، كل واحدة منها جديرة بالتأمل
والاتعاظ ، والتسلح بها ضد اعداء الشعب في حق الاختيار وجماليات العصر
الحديث .
*******
* " ولد واسيني الأعرج عام 1954 في سيدي بوجنان ( تلمسان ) – الجزائر .
أتم دراساته في جامعات الجزائر وسوريا ، حيث حاز على الدكتوراه ببحث عن
الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية والعربية " له دراسات متخصصة
وروايات عديدة .
*******