27-07-07 17:02
غزاة من الفضاء (2) قصة قصيرة
رائد قاسم
عاد سعيد من رحلته مبتهجا مسرورا،
متفائلا بالمستقبل ، وتلاشت معظم الأوهام التي كانت تعتريه، حتى
الكوابيس تحولت إلى أحلام وردية جميلة متفائلة بالمستقبل وبالمزيد من
السعادة ، يستأنف عمله ويقبل عليه بكل نشاط وحيوية ، يقضي فترة العصر
في النادي مع هناء ويلتقي بأصدقائه وصديقاته، وفي المساء يتنزهان في
أنحاء المدينة المزدحمة بالسائحين في مثل هذا الوقت من العام ..
- هناء:احمد الله يا سعيد انك عدت إلى حياتك الطبيعية.
- سعيد : بفضل وقوفك معي يا زوجتي انتصرت على هذا المرض اللعين .
- هناء: متى ستتوقف عن تناول هذه المهدئات؟
- سعيد:عندما التقي الطبيب في المرة القادمة سأقول له باني لم اعد
بحاجة إليها.
- هناء: ما رأيك أن تأخذ إجازة نسافر فيها؟
- سعيد: لا بد من ذلك يا زوجتي الحبيبة ، اسمعي سنذهب أولا إلى طهران،
وبعد ذلك سنقضي أيام في القاهرة ثم نعرج على روما ونختمها في باريس ،
ما رأيك؟
- هناء: ستكون رحلة ممتعة يا عزيزي، منذ فترة طويلة لم نسافر.
.. فجأة تنطلق صفارات الإنذار .. المدينة المنيرة يعتريها ظلام دامس،
أصوات طائرات مجهولة تملى الفضاء.. الاضطراب والخوف يجتاحان كل شي..
المضادات الأرضية تحول السماء السوداء إلى نهار اصفر قاتم.. الناس
أصبحت زرافات ليس لها حصر، يغلبها الخوف وتروم النجاة.. سكان المدينة
في هياج لا يعرفون إلى أين يتجهون .. الأرض تتزلزل من تحت الأقدام
المرتجفة والنفوس الخائفة والأعين اللاهثة.... نداءات تحث السكان على
التوجه للملاجئ .. القصف العاتي يبدأ بحصد الأرواح وتدمير كل شي...
النيران تشتعل.. الدخان يتطاير ليملئ السماء بسحب الجحيم.. سيارات
الإسعاف تنقل الموتى والجرحى.. بيد أن القصف الذي لا يعرف الرحمة
يصيبها لتتفحم الأجساد التي كانت قبل لحظات تعج بالحياة..
يهرول سعيد وهناء بين آلاف التائهين والهائمين على وجوههم .. إلا أن
القنص بدا في اصطياد الأبرياء.. يشاهد سعيد أشخاص من على يمينه وشماله
وهم يتساقطون جراء إصابتهم بالأعيرة القاتلة .. يمسك بشدة بيد هناء
ويدعو الله بان لا تصاب بسوء..
- سعيد: انظري يا هناء انه الملجأ..
- هناء: أسرع الخطى يا سعيد لننجو بأنفسنا..
.. بوابات الملجأ بدأت بالنزول، يتدفق عليها العشرات من طالبي الحياة..
يمسك سعيد بزوجته ويقذف بها إلى الداخل .. لم يبقى إلا القليل وتغلق
البوابة.. يدخل سعيد رأسه .. تجره هناء بمساعدة الآخرين ....
سعيد: يا الهي أدخلوني بسرعة قبل أن تقصمني هذه البوابة إلى نصفين..
.. تغلق البوابة وبينها وبين رجلي سعيد اقل من سنتيمتر واحد فقط..
يتنفس الصعداء، بينما تبكي هناء، أما بقية أفراد المجموعة الذين نجوا
من القنص فاخذوا يبكون بشدة على أحبابهم الذين سقطوا أمام أنظارهم..
يفد عليهم رجل امن ويطلب منهم التوجه إلى داخل الملجأ حتى لا يرصده
العدو...
.. يتجمع المئات حول شاشات التلفزيون الضخمة .. بيان عسكري: هاجمت دول
العالم أطباق طائرة كبيرة الحجم ومركبات فضائية ضخمة، وبدأت بتدمير
كافة المدن على وجه المعمورة، وفي هذه الأثناء جميع جيوش العالم تحارب
الغزاة المجهولين، أدعو للإنسانية بالنصر على أعدائها..
.. تتوالى الأنباء عن سقوط الدول واحدة تلو الأخرى، وتدمير أعتا الجيوش
وأقواها ...البؤس والحزن مرتسمة على الوجوه.. البكاء والنحيب ما فتئ
يبارح سكان الملجأ ،الكهرباء بدأت بالانقطاع ، والمياه بانت عليها
الضعف ، والإمدادات بدأت بالتناقص المستمر .. تتطلع هناء إلى وجه سعيد
وبدا اليأس متمكنا من قسمات وجهها .. ..
.. تنظر إليه ثم تبدأ ببكاء لم يألفه منها، ثم يحتضنها بألم وحرقة..
- هناء:هل كانت كوابيسك حقيقة يا سعيد؟
- سعيد:لا اعرف، أنا حائر، هل يعقل أن تتغير حياتنا في لحظة ؟ الم نكن
نتسامر قبل ليالي في غمرة سعادتنا؟ الم نكن نتحدث عن المستقبل والسفر
والحياة الهانئة؟ ما الذي تغير؟ وكيف جرى كل هذا بهذه السرعة المذهلة،
هل كانت أحلامي عبارة عن رسائل من عالم الغيب ؟ إنني لم أكن أتوقع أبدا
أن تتحول إلى حقيقة رهيبة لا نعيشها كلانا فقط، بل كل البشرية.
- هناء:ما الذي سنفعله الآن ؟
- سعيد: لا اعلم، ولكن أظن أن بقائنا في هذا المكان يوفر لنا أمانا
مؤقتا.
.. أيام قلائل وتختفي تماما أصوات الانفجاريات والمضادات الأرضية، لم
يعد يسمع منها شي، التلفزيون الوطني الذي كان يبث الأناشيد الوطنية
ويحث الشعب على الصمود انقطع إرساله تماما.. الناس لم تعد تطيق البقاء
تحت الأرض.. يسرعون إلى البوابات.. يتصدى لهم الحرس.. يحاولون الخروج
ولكنهم يلقون مقاومة منهم..
- افتح لنا هذه البوابات اللعينة، نريد الخروج لمعرفة ما جرى ويجري
بالضبط.
- لم نتلقى أوامر بهذا، اصبروا قليلا.
- رجل غاضب: أوامر من ماذا يا هذا ؟ أتظن انك ما زلت تعيش في دولة ؟
لقد انتهى على شي على ما يبدو، ولم يعد لدولتك أي وجود، لقد انتهت
المعركة وتحولت بلادنا إلى حطام.
... يتدفق المئات على البوابات، فيضطر الحرس لفتحها.. يخرج الناس أفواج
ويشاهدون مدينتهم الفيحاء محطمة بالكامل.. بعض الأطباق الطائرة جاثمة
بلا حراك في السماء، وسفن فضائية اتخذت لها قواعد عسكرية في محيط
المدينة المدمرة.. يا الهي ما هذا الدمار؟ من هم هؤلاء ؟ هل هم بشر
مثلنا أم مخلوقات غريبة عاقلة؟ ما الذي سيفعلونه بنا ؟ انقدنا يا
الله!!
- هناء: ما الذي سنفعله الآن ؟ لا دولة تنظم شئوننا ولا قوات جيش تردع
أعدائنا ، ولا سلطة تطبق القانون الذي يحمينا من أنفسنا ومن الآخرين.
- سعيد: أنا أفضل أن تبقي في داخل الملجأ بصحبة بقية النساء.
- هناء: وأنت ماذا ستفعل؟
- سعيد: سأذهب برفقة هؤلاء الرجال في جولة سريعة لاستكشاف الأوضاع عن
كثب.
- هناء: انتبه لنفسك يا عزيزي.
.. يتسلح سعيد مع بقية الرجال بقطع من حديد لحماية أنفسهم، يتجولون
بروية في الشوارع الكئيبة وبين العمارات المهدمة والمعالم التي أصبحت
اثر بعد عين..
- يا الهي قبل ستة أيام كانت مدينتنا عامرة بسكانها.
- نعم ولكنها اليوم أضحت مدينة ميتة.
- من هم هؤلاء الغزاة وكيف جاءوا وكيف لم ترصدهم أجهزة الرادار قبل
وصولهم للأرض ؟
- تلك أسئلة لا يمكننا الإجابة عليها، نحن لا نعرق ما الذي جرى بالضبط،
وهل الغزاة احتلوا كافة قارات العالم أم أجزاء منها فقط.
- لقد تعطل كل شي في البلاد وأظن أن كل دول العالم لم يعد لها وجود ،
ألا تشاهدون هذه الإطباق والمركبات الضخمة ، أنها رهيبة، باستطاعتها
تدمير الكرة الأرضية عشرات المرات.
.. يسمع الجميع صوت طبق طائر يقترب منهم، يحاولون الاحتماء في إحدى
البنايات، إلا أن الطبق الطائر يسلط عليهم إشعاعات تجذبهم إليه بسرعة
مجنونة، يستغيث كل واحد منهم بالأخر، يمسك كل ِشخص بيد صاحبه، بيد انه
لم يكن باستطاعة احد أن ينقد نفسه فضلا عن انقاد الآخرين ، كان كل شعاع
يلتهم كل واحد منهم بسرعة تفوق سرعة الصوت .. سعيد شعر بان حياته
انتهت، الشعاع يجذبه إلى داخل الطبق الطائر... لا يستطيع تحمله ..
تنتابه فكرة أخيرة.. هناء زوجته يدعو الله أن يحميها.. يغلق عينيه
وكأنه يستسلم للموت ..
سعيد في الطبق الطائر
يستعيد وعيه، يجد نفسه دون قيود بين مجموعة من البشر المنهمكين بعملهم،
يفتش في أنحاء جسده فيجد كل شي على ما يرام ! وانه ما يزال على قيد
الحياة .. أين أنا ومن هؤلاء؟ يكلمهم فلا يردون عليه جوابا.. يطلب منهم
جرعة من الماء فلا يستجيبون له، وكأنه غير موجود بينهم.. تخور قواه
سريعا ..ينتخب له مكانا ليجلس فيه.. يراهم يتحدثون فيما بينهم بلغته..
يحاول التحدث إليهم ولكن دون جدوى.. يفتح الباب على حين غرة.. يصطفون
بسرعة .. يقبل عليهم رجل دو طلعة مركبة بين البهاء والقسوة.... يحيونه
ويلتفون حوله.. يجلس في مقصورة القيادة.. يقترب احدهم من سعيد..
- سعيد القائد يريدك.. تعال معي .
- أي قائد ومن انتم ؟
- ستعرف كل شي الآن.
..يدخل سعيد إلى المقصورة ، ينظر إليه القائد بابتسامة ماكرة ..
القائد: أهلا بك يا سعيد.. أخيرا التقينا .
سعيد: من انتم؟ أرجوك اخبرني .
القائد: هلا نظرت ألينا يا سعيد.. السنا بشر مثلكم؟
سعيد: وهذا ما يزيد تعجبي وحيرتي .
القائد: أصغي إلي يا سعيد : منذ مئات السنوات كان أجدادنا يعيشون بينكم
، إلا إنهم كانوا يعتنقون دينا مقدسا ، لم يتمكنوا من فرضه على كافة
أنحاء الأرض، وظلوا في صراع دامي مع البشر الآخرين وكافة أتباع
الديانات التي كانت سائدة في ذلك الزمان البعيد .
سعيد: لماذا لم تحاولوا التفاهم معهم ؟ لماذا كنتم تريد فرض دينكم
عليهم بالقوة ؟
القائد: إن ديننا هو الحق المطلق يا سعيد، وكانت تعاليمه تفرض علينا
سيادته على كافة أنحاء الكرة الأرضية ، إننا ننظر إلى الأديان الأخرى
على إنها من عمل الشيطان ، لقد كان الشيطان يحكم البشرية وما يزال حتى
قدومنا، ولذلك كانت رسالتنا أن نخلصها من حكمه ليسود دين الحق في كافة
الأصقاع .. هذه هي غايتنا يا سعيد .
سعيد: وما الذي فعلتموه بعد ذلك؟
القائد: قرر أجدادنا أن يغادروا الأرض ويعيشوا في كوكب آخر، يقيموا فيه
دولتهم ويطبقوا فيه دينهم الذي ارتضاه الرب لهم ، وتعاقبت الأجيال تلو
الأجيال حتى أصبحنا أقوياء ، و كانت وصية أجدادنا المؤسسين أن نعود إلى
الأرض لإنهاء حكم الشيطان وتشييد حكم الرب ودينه الحق الذي ارتضاه
للبشرية ..الست سعيدا بحكم الرب وتطهير الأرض من غير المؤمنين يا سعيد
؟
- سعيد (بإجهاد وإرهاق) لا استطيع الإجابة ولكني كنت أعيش بين بشر
مختلفي الديانات
والعقائد والمذاهب، وجميعنا كنا سعداء بحياتنا.. انتم الآن تريدون فرض
لون واحد على حياة البشر وهذا مستحيل.
القائد: (بغضب ) كلا لم يعد مستحيل، بالقوة التي نملكها سندمر كل من
يقف في طريقنا، لقد سيطرنا على معظم أنحاء العالم، وخلال أيام قلائل
سنعلن ضم الأرض لإماراتنا الكونية العظيمة.
سعيد: أريد أن أسالك سؤال ؟
- القائد: وما هو يا سعيد؟
- سعيد: كيف عرفتني؟
- القائد ( بابتسامة ) كنا نبث عيوننا في كل مكان قبل الغزو، رصدتك
إحداها وقامت بتحليل شخصيتك، وكنت اطلع عن كثب على تقاريرها فعرفتك من
خلالها، أنت شاب جيد يا سعيد، فبرغم طبيعة الحياة في مدينتك، والتي لم
تكن كما أرادها الله، إلا انك لم تنزلق في وحول تلك الأديان الباطلة
والعقائد المعادية للدين الإلهي المقدس .
- سعيد: من المستحيل إقناع الجميع بقناعاتي ، ولكن من حقي أن أعيشها
كما يحلو لي ومن حق الآخرين أيضا أن يعيشوا قناعاتهم كما يريدون.
- القائد: لا يا يا سعيد نحن بشر خلقنا الرب لنحقق أهداف الوجود، وليس
من حقنا الاختيار علينا أن نتبع جميعنا دين الإله القدوس.
- سعيد: ولكن الذي اعرفه انه متعدد الاتجاهات ولا يمكن الجزم بأي منها.
- القائد : بالقوة ننهي كافة التناقضات ونجعله دينا واحدا موحدا ،
بالقوة وحدها نجعل منه الدين السائد في كل أنحاء الكون ، وليس في الأرض
فقط ، ليس من حق البشر الاختيار ، عليهم أتباع ما فرضه الإله عليهم .
- سعيد: لا يمكنني الاقتناع بما تقوله يا سيدي، لقد جبلت على غير ذلك،
لا استطيع استيعاب كيف لي أن اجبر الآخرين على إتباعي ؟ كيف يحق لي أن
افرض عليهم رأيي والغي إرادتهم وقناعاتهم ، حتى وان كنتم جازا بأنه حق
مطلق؟
- القائد (بغضب) دين الرب حق مطلق وخلافه شر مطلق، على كافة البشر
الالتزام وإلا كانوا من أتباع الشيطان، ومن كان من أتباعه فليس له سوى
السيف !!
... يأتي ضابط ويؤدي التحية..
- الضابط: سيدي بلغ عدد الأسرى أكثر من 50 مليون من الرجال والنساء..
ماذا نفعل بهم؟
- القائد: أما الذكور فاجعلوهم عبيد واتخذوا من النساء إماء.. فذاك
أفضل من أن يقتلوا أو يسجنوا، ففي القتل إرهاق لدم لا مبرر له والحبس
عذاب لا داعي له ، انشئوا أسواق النخاسة في كل البقاع وكل من يؤسر
فبيعوه فيها.
- سعيد: هل تقصد أنهم سيباعون ويشترون كالسلع ؟
- القائد: ( بزهو).. نعم يا سعيد ذاك حكم الرب في عباده أتباع دين
الشيطان.
- الضابط: سيدي ماذا نفعل بغير أتباع ديننا؟.
- القائد: ضيقوا عليهم حتى يذعنوا بان ديننا هو الحق، امنعوهم من
معابدهم وشعائرهم وحاصروهم في كل مكان، أنها عبادة تلبسها الشيطان ولا
مكان لها على الأرض بعد اليوم.
- الضابط: وحجاب النساء يا سيدي كيف سيكون شكله ؟
- القائد : اسمعني جيدا ونفذ فورا : على كافة النساء ارتداء الحجاب ،
سواء كن من أتباع ديننا أو غيره ، عليهن جميعا ارتداء قطعة من القماش
الأسود والأزرق يغطينهم بالكمال من وجههن إلى أخمص قدميهم ، يحظر على
كافة النساء أن يظهرن وجوههن في الطرقات والشوارع ، وكل امرأة تخرق هذا
الحظر تعاقب بشدة.
- الضابط: سيدي وكيف ستكون العلاقة بين الذكور والإناث ؟
- القائد: افصلهم فصلا تاما، كل امرأة تضبط بصحبة رجل ليس من محارمها
تعذب بشدة مع عشيقها، لا مكان لمخالفي أوامر الرب على هذه الأرض بعد
اليوم.
.. ثم يلتفت إلى سعيد
- لو كان بيدي لفصلت بين الذكور والإناث حتى في المقابر.. فلا يدفنن
رجل إلى جانب امرأة فذاك اقرب إلى رضا الإله !
- الضابط: وأتباع المذاهب الأخرى يا سيدي ماذا نفعل بهم؟
- القائد : ضيقوا عليهم حتى يتوبوا عن باطلهم ويذعنوا للمذهب الذي يمثل
الدين الحق في هذا الكون .
...ثم يدخل ضابط آخر
- الضابط : سيدي وردتنا معلومات عن أن هناك أكثر من3 مليون إنسان من
سكان الأرض غيروا دينهم أو انتقلوا من المذهب الحق إلى غيره من
البواطل.
- القائد: كل من غير دينه فاستتيبوه أو يقتل فورا، وكل من غير مذهبه
عاملوه بمثل ذلك.
- الضابط: سيدي وردتنا أنباء عن مظاهرات عارمة في العديد من مناطق
العالم ،جنودنا لا يعرفون ماذا يفعلون بهم ، أنهم لا يحملون سلاحا ولا
يحاربوننا، أنهم فقط يحتجون دون ايداء جنودنا .. ماذا نفعل؟
- القائد: أطلقوا عليهم الرصاص واقتلوا منهم ما تستطيعون، وكل من
تقبضون عليه بيعوه في سوق النخاسة.
- سعيد: ولكنهم يعبرون فقط عن رأيهم ؟
- القائد: كلا!! إنهم اليوم يعبرون عن رأيهم، فان لم نعاقبهم بكل شدة
ثاروا علينا بعد برهة
قصيرة.. أتدرك يا سعيد خطورة ذلك أم لا؟
- القائد: اسمعوني جيدا : أعلنوا الأحكام العرفية وتطبيق أحكام الدين
المقدسة ، كل من تخرج من بيتها دون ولي من أسرتها تعتقل فورا، كل من
يدان بالزنا يرجم حتى الموت، كلم من يغير دينه يقتل ، كل من يدان
بالسرقة تقطع يديه، كل من يضبط مع امرأة من غير محارمه في خلوة أو
غيرها يعذب بشدة ، كل من يخالف أحكام الدين وأنظمة الإمارة الكونية
المقدسة يعاقب بكل قوة ليكون عبرة لمن لا يعتبر.
- الضابط: سأنفذ فورا يا سيدي.
.. ثم يخاطب الضابط الآخر..
- أنت نفد باسمنا التعاليم التالية : تحرم الموسيقى والغناء وما في
حكمها، إلغاء كافة أجهزة الإعلام الشيطانية من تلفزيون وإذاعة وسينما
ومسرح ، تلغى بأثر رجعي كافة الصحف الصادرة في جميع القارات ، وتأمم
كافة الثروات لتصبح تحت سلطة الإمارة الكونية ، أي نشاط فردي أو جماعي
لابد أن يكون بأمر السلطات وإلا تعرض منفذه للاعتقال والمحاسبة ... أي
ممارسة لدين غير دين الحق ومذهب الحق عواقبها وخيمة، وعلى كافة السلطات
وضع أوامرنا موضع التطبيق السريع... نفذ فورا
- الضابط الآخر: أمرك سيدي.
- سعيد: يا الهي أكاد لا اصدق!
- القائد: اهدأ يا سعيد أن الحقيقة ثقيلة دائما على الإنسان!
- سعيد: هل يعقل أن يكون ما أمرت به هو تجسيدا لإرادة الرب ؟
- القائد (بغضب) لا اشك في ذلك أبدا، هكذا كانت تعيش رموزنا العظيمة
،وهكذا عاش أجدادنا ، لقد تحول المستحيل إلى حقيقة، فلتهنئي أيتها
الأرواح التي ضحت بنفسها من اجل دين الحق ...أيها الحراس..انزلوا سعيدا
للأرض .. اذهب يا سعيد واغدوا مواطنا صالحا!!
***
اكتمل احتلال الأرض، وعينت الإمارة الكونية عليها واليا، الذي قام
بدوره بتعيين ولاة على كل قارة من قارتها، عاد سعيد إلى منزله، الذي لم
يتأثر بحرب الاحتلال، وجد زوجته هناء بانتظاره وهي باكية حزينة، تعانقا
والدموع تنهمر من عيناهما..
هناء: كنت افقد الأمل برؤيتك مجددا.
- سعيد: وأنا كذلك يا حبيتي.
- هناء: أين كنت طوال هذه المدة؟
- سعيد: كنا نسير في أنحاء المدينة علنا نعرف حقيقة ما جرى.
- هناء: لقد احتل غزاة الأرض يا سعيد.
- سعيد: لقد اكتشفت ذلك.
- هناء: ماذا سيحل بنا؟
- سعيد: لا شي.
- هناء: هل سنعود لممارسة حياتنا الاعتيادية مرة أخرى؟
.. يضحك ضحكة مدوية .. الدموع تنهمر من عينيه.. يكاد يمزق ملابسه الرثة
، تعانقه هناء مجددا عله يهدئ ،، يستعيد توازنه، يفتح إحدى الشرف
المطلة على حديقة منزله ....
- سعيد: أيام النور قد انتهت يا هناء، أصبح ما كننا نعيشه ماضيا لن
يعود، لقد أصبح مجرد ذكرى ، ولأجيالنا القادمة مجرد تاريخ .
هناء: ماذا تقصد؟
- سعيد: اقصد انك لن تعودي لعملك بعد اليوم، لأنه قد صدر قرار بمنع عمل
النساء إلى جانب الرجال، بل حتى هذه الحديقة يتعين عليك أن لا تجلسي
فيها حتى لا توضعين موضع التهمة.
صدمة عنيفة ولكنها تتجاوزها...
- سعيد: لن يعد بإمكانك قيادة سيارتك مجددا!
- هناء: مستحيل !
- سعيد: لن تتمكنين من الخروج من البيت إلا بإذني!
- هناء: لا يعقل.
- سعيد: وحتى أن خرجت لن ترتدي ملابسك التي الفتيها مرة أخرى.
- هناء: ماذا سأرتدي إذن ؟
- سعيد: هل تذكرين ذاك اللباس المعروض في المتحف القومي؟
- هناء: نعم.
- سعيد: انه هو بعينه.
- هناء: (ببكاء واضطراب) لا مستحيل إن ما تقوله هراء.
- سعيد: لن تتمكني من السباحة على الشاطئ أو الغوص في أعماق البحر بعد
اليوم ، ستعيشين بقية عمرك إنسانة بلا إنسانية ، كائن ادمي ليس له قيمة
.. حتى وجهك سيتعين عليك ستره إلا مني وإلا تعرضت للعقاب !
.. تبكي بكاء مرا، تدعو الله أن يقبض روحها. لا تجد سوى سعيد لكي تبكي
على صدره.. الدموع تنهمر منه مجددا..
- سعيد: لا تقلي يا حبيتي لعل ما نحن فيه كابوس سينقضي بعد حين..
الغزاة يحكمون المدينة
الأيام تتشابه فيما بينها ، الليالي حالكات، لم يعد للحياة في نفس سعيد
قيمة تذكر، أغلق النادي الذي كان يقضي فيه شطرا من وقته بأمر من
السلطات، حظرت السينما والمسرح والحفلات الموسيقية والغنائية، وحظرت
الأنشطة الثقافية والفكرية والسياسية ، التي كانت تعج بها المدينة ،
حتى المكتبات التي كانت تضم بين رفوفها كل جديد أصبحت خاوية على
عروشها، أما المطاعم التي كانت مليئة بالزوار والسائحين والتي كان سعيد
يقضي فيها وقتا ممتعا مع هناء وأصدقائه حظرت، ويتعين عليه الآن أن
يتناول وجبة عشاء مع هناء بين جدران أربعة معزولة موحشة ، لم يعد أمام
سعيد سوى أن يتنزه أمام شاطئ البحر، ولكن في أماكن مخصصة للعزاب إن كان
وحيدا، وأماكن للعائلات إن كان بصحبة زوجته، حتى الأسواق يواجه صعوبات
في ارتيادها إن كان وحيدا أو برقة أصدقائه، أصبح كل شي محظور وممنوع
،عمت ثقافة الحظر ووعي المنع كافة مظاهر الحياة، استسلمت شعوب الأرض
لسلطة الغزاة المعتدين ، وكل من يقاوم كان يلقى مصيره أمام شعبه ..
يمضي سعيد في أنحاء مدينته المكبلة فيرى النساء وقد توشحن بالرداء
الأسود الذي اجبرن عليه.. أغلقت السلطات الكنائس والمعابد وحظرت كافة
الأديان وأحكمت سيطرتها على كل شي، غادر أتباع الأديان الأخرى
المدينة..
- سعيد: إلى أين أنت ذاهب يا سامي؟
- سامي: أهلا سعيد. قررت وعائلتي الذهاب إلى بلد تغلب عليه المسيحية
حتى أتمكن من العيش بسلام، لم تعد الأوضاع هنا تطاق كما تعلم.
- سامي: أنها بلادك وهذه مدينتك ومسقط راسك.
- سامي: نعم ولكن ماذا افعل؟ أنهم يقولون اعتنق ديننا وستكون مواطنا،
وإلا فأنت لست كذلك.
- سعيد: أتذكر يا جورج ونحن نهنئك بيوم ميلاد المسيح ، وكنا نحتفل سويا
بالسنة الجديدة؟
- جورج: وهل تلك أيام تنسى؟ هل تذكر أنت كم كنا نحظر في احتفالاتكم
بالمولد النبوي ونقدم لكم التهاني أيضا.
- سعيد: أنها أيام رائعة، لقد تحولت إلى ماضي جميل الآن.
... يسير سعيد وقد أنهكه العناء.. يشاهد حشدا ضخما .. يقترب منه .. يرى
نساء ورجال مقيدين بالسلاسل ومن خلفهم جلاوزة النظام .. وحولهم حشود من
البرجوازيين والإقطاعيين والطبقيين ...
- سعيد: ما هذا ؟
- ألا تعرف ما هذا ؟ الست من أهل المحلة أم ماذا؟
- سعيد:أرجوك أنا متعب.. أخبرني ما الذي يحدث؟
- أنهم عبيد .
- سعيد: عبيد!!
- نعم ولكنها نوعية جيدة، حيث أنهم لم يتعرضوا للضرب أو الاعتداء، بل
خطفوا من قراهم وجيء بهم إلى هنا، وهم في أحسن حال ! تفضل اشتري لك
جارية أو خادم لأهل بيتك، لا تقلقل تستطيع أن تخصيه! إن الأسعار
تنافسية هنا فسوق المدينة يعتبر الأرخص في قارة آسيا بأكملها !!
يصاب بالغثيان.. يكاد يغمى عليه.. يصب عليه ماء بارد .. يرفض المساعدة
ويمضي في طريقه والدموع تنهمر بغزارة من عينيه.. يستلقى على الأرض،
ينزل رأسه إلى الأرض.. تكلمه امرأة ..
- سعيد كيف حالك ؟
- سعيد: من أنت ؟
- وفاء: الم تعرفني أنا وفاء
- سعيد: يا الهي هذا أنت ؟ لم أعرفك .
- وفاء: وكيف لك أن تميزني من بين آلاف النساء اللاتي توشحن بهذا الزى
البائس ؟
- سعيد: ما الذي جرى لك؟
- وفاء: أرجوك لا تقترب مني كثيرا حتى لا ترصدنا عيونهم، سيكلفنا ذلك
غاليا.
- سعيد: يا الهي !!
- وفاء: نعم يا سعيد.. .. إن الأمر خطير ووضعنا رهيب يا سعيد ..لقد
أدينت فتاة بالأمس بتهمة إقامة علاقة مع رجل وجلدت وسجنت
- سعيد:وماذا نحن فاعلين؟
- وفاء: أتعرف بيت منصور في الحارة القديمة؟
- سعيد:نعم.
- وفاء: لدينا اجتماع هناك بعد ليلتين.. أيمكنك الحضور ؟
- سعيد: إن هذا ما أتمناه، سأحظر برفقة زوجتي هناء.
- وفاء: نحن بانتظاركم.
في بيت منصور
في الموعد المحدد حظر سعيد وهناء بعد تجاوزهما نقاط تفتيش عديدة
أقامتها سلطات الغزو التي كانت تدقق على هويات المارين وتتأكد من صلة
القرابة بين الرجال والنساء..
- منصور: سعيد.. هناء.. أهلا بكما .. حمد الله إنكما بخير.. تفضلا..
طبعا هؤلاء تعرفونهم..أنهم أهل حارتكم وجيرانكم وبعض زملاء العمل
والدراسة..
- سعيد: أهلا بكم جميعا.. الشكر لله بان رأيناكم مجددا..
- منصور: الحمد لله على نجاتنا ولكن سقط لنا شهداء كثيرون.
- سعيد: مثل من؟
- منصور: أتعرف محمود.. ذاك الشاب الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين؟
- سعيد: نعم.
- منصور: لقد هاج في جنود الغزاة وقال عنهم إنهم إرهابيين ومتعصبين
ومغاليين فقتلوه شر قتلة.
سعيد: يا الهي!
- منصور: أتعرف منى.. تلك الشابة التي كانت تحضر ماجستير؟
- سعيد: اعرفها.
- منصور: لقد رفضت ارتداء ردائهم الأسود وقالت إنها فتاة مؤمنة وتعرف
واجباتها جيدا وليست بحاجة إلى وصاية ، ولكنهم اجبروها على ارتداءه،
فما كان منها سوى أن خلعته في السوق وطالبت النساء بعدم الامتثال
لقمعهم وسلطتهم الغاشمة، فاتهمت بالكفر وأعدمت في الساحة العامة..
يبكي الجميع على أرواح الشهداء...
- منصور: إن أرواح هؤلاء الشهداء الأبرار الذين قضوا فداء للوطن
والحرية والكرامة تنادينا للثار..
- سعيد: وأنا أول من يلبي.
- هناء: سعيد! ..
- سعيد: حبيبتي.. ما قيمة حياتنا في ظل هذا الظلام الحاكم، عشنا جزء
كبيرا من عمرنا في النور فهل نموت في الظلام؟ علينا أن نضحي من اجل
أجيالنا القادمة..
- منصور: كلامك صحيح يا سعيد ، علينا البدء فورا ، هناك آلاف مثلنا في
كافة أنحاء العالم يناضلون في سبيل حريتهم وكرامتهم، تجمعهم إنسانيتهم
وآدميتهم وبشريتهم لتطغى على كل شي ..فلنقرأ تراتيل النضال في سبيل
كرامة البشرية وعزتها ..
***
تبدأ عمليات المقاومة ضد سلطة الغزاة، عمليات واسعة النطاق ضد قواعدهم
الأرضية والراجلة ، منشورات تحث سكان الأرض على المقاومة ، يجتمع
المسلم والمسيحي واليهودي في خندق واحد ضد الامبريالية ، يتحد ذوو
البشرة البيضاء والسوداء والحمراء ضد الرجعية الحاكمة، يقف البشر
بمختلف أعراقهم واثنياتهم ومذاهبهم ضد الاستعمار الجديد باسم الرب
والسماء .. يصبح سعيد على قائمة المطلوبين بعد أن رصدته أجهزة
الاستخبارات..
- القائد: ماذا سعيد ؟ أنها غلظتي .. كان يجب أن اقتله بعد أن رأيت منه
معارضة لحكمنا.
الضابط: انه يقود مجموعة مقاتلة أطلقت على نفسها " التوحيديين الأحرار"
القائد: الويل له ولمن معه.. اقسم أن أعلقهم على أعمدة الكهرباء.
- الضابط: إننا بانتظار أوامرك يا سيدي.
- القائد: انشر صورته في كافة أنحاء الأرض وأعلن عن مكافئة مجزية لمن
يدلي بمعلومات عنه.
- الضابط: أمرك يا سيدي.
- القائد: اصدر باسمنا الأوامر التالية: يمنع بتاتا تداول أي مطبوعات
لغير الدين الحق مهما كانت، يمنع بتاتا تدريس أي دين غير ديننا ومن
يخالف ذلك يعدم فورا.. يمنع إطلاقا تداول أي من مخلفات النظام السابق
مهما كانت .. يمنع مطلقا ممارسة أي شعب لعاداته وتقاليده، إذا ما كانت
تخالف تعاليم الإمارة الكونية وأنظمتها وقيمها.. يمنع عمل النساء بتاتا
إلى اجل غير مسمى، والبدء بافتتاح أقسام نسائية مغلقة لكافة الأغراض
بما فيها المستشفيات.. يمنع تعلم أي لغة غير لغة الإمارة الكونية..
- الضابط: أمرك يا سيدي.
- القائد: علينا أن نسحق هؤلاء الأرضيين، ونجعلهم امتدادا لنظامنا
المقدس.. يجب أن نمحى من ذاكرتهم أن لهم ماضيا يخالف الإرادة الإلهية
المقدسة..
..عمليات المقاومة مستمرة، الشعوب الثائرة تحلم بفجر جديد، الإنسانية
المعذبة تقاوم حكومة الغزاة، سعيد أنجب أطفاله وهو ما يزال يقاوم
الطغيان والاستبداد والقمع.. يصلي الغزاة على قتلاهم والثائرون أيضا
يصلون على قتلاهم ... بينما يصوم الغزاة شهر رمضان يصوم الثائرون أيضا
شهر الله.. بينما يدعو الغزاة الرب للنصر على الأعداء يدعو الثائرين
أيضا الله النصر على الأعداء... تتحرر بقاع من الأرض إلا إنها سرعان ما
تعود لسلطة البغاة المتسلطين... يراقب سعيد شروق الشمس ..وهو يحلم بيوم
الحرية وعصر الخلاص..
القائد: سعيد أين أنت ؟ أريد أن أقطعك اربأ بسيفي هذا ..
... سعيد يحارب ويقاوم وهو يحلم بان تتحرر الأرض يوما من الاستبداد
ليشرف فجر جديد..انه ... فجر الحرية ....
** انتهت**