اللهفة نحو الذهب
الأسود
-
بقلم كريك موتيت
هناك
مثل بريطاني قديم يقول أن السياسة أهم من أن
تُترك للسياسيين. ولكن هل تمت التحركات الجديدة التي ستقرّر الشكل
المستقبلي لصناعة
النفط العراقية بعجلة أضاعت فرصة التوافق العراقي العام حول هذه
القضايا التي يمكن
أن
تعيد رسم خريطة العراق وكتابة تاريخه؟
أعلن وزير النفط الجديد، حسين
الشهرستاني يوم السبت، انه سوف يضع مسودة قانون في خلال شهرين لإدارة
قطاع النفط
العراقي، وانه يهدف إلى الحصول على موافقة مجلس النواب على قانونه
المتعلق بالنفط
بنهاية السنة. سيحّدد القانون الأدوار النسبية للحكومة الفدرالية،
وللأقاليم
والمحافظات، وللشركات الخاصة.
لقد بلغت هذه القضايا ذروة أهميتها و
حساسيتها.
إن
درجة المركزية في السيطرة على النفط وعائداته هي جوانب هامة
من
السؤال المتعلق بالفدرالية. وإذا تمَّ اتخاذ الأحكام الخاطئة بشأن
قرارات النفط
–
إما بعدم إعطاء نصيب عادل للأقاليم التي يتوفر فيها النفط، أو بإعطاء
الأقاليم
استقلالية ذاتية بالغة على حساب المصالح الوطنية المشتركة - فان هذه
القرارات يمكن
أن
تحطمّ الدولة أو تقسمها في نهاية المطاف. ولكن، طالما أن قضية
الفدرالية هي أحد
جوانب الدستور الأكثر جدلاً، فمن المستغرب وضع مسودة قانون النفط – و
حتى إمكانية
الموافقة عليه – قبل أن تنتهي عملية إعادة النظر في الدستور.
وفي الوقت
الراهن، مع أن هناك جدل ساري حول قضية تقسيم الإيرادات بين المركز
والأقاليم، فانه
لا
يوجد أي جدال تقريباً حول التقسيم الحاصل بين مؤسسات الدولة والشركات
الخاصة.
بعد مرور ثلاثة أيام فقط على تعيينه، قال السيد الشهرستاني في مؤتمر
صحفي
انه قرّر التعاقد مع "أكبر شركات النفط". سيكون هذا الحدث الأول من
نوعه منذ أكثر
من
ثلاثين عاماً، وبالنتيجة فإن شركات أجنبية سوف تنال حصة رئيسة من نفط
العراق،
بعد أن كان قطاع النفط ملكاً عاماً، منذ بداية عملية التأميم بإصدار
القانون رقم 80
لعام 1961 و حتى اتمام العملية في عام 1975
.
ويمكن القول بأن قضية الملكية
العامة للمصادر الطبيعية و الصناعة تشكل أولوية كبيرة بالنسبة
للعراقيين. غير أن
القرارات التي سوف يتم اتخاذها في الأشهر القادمة لن تكون قابلة للنقض،
وسيصبح
للعقود الموقعة تأثيراً رئيسياً على اقتصاد وسياسة العراق لعقود قادمة،
خاصة أن
النفط يمثل أكثر من 90% من إيرادات الدولة.
ليستا "الفدرالية" و " الخصخصة"
القضيتين الجوهريتين الوحيدتين. إن صناعة النفط – مثل بقية البلاد –
ابتليت بالفساد
وبالوضع الأمني المتردي. سوف يؤثر قانون النفط على كلتا المشكلتين. إن
النهج الشفاف
المتناسق ضروري في محاربة الفساد. ومن الناحية الأخرى، إذا ما تمَّ
اعتبار العقود
مع
شركات أجنبية أمراً سرياً أو غير عادل، فإنها ستغذي السخط والاستياء،
وبالتالي
العنف الذي استحوذ على البلاد.
إن
رغبة السيد شهرستاني في إنجاز هدفه
بطريقة حاسمة وجازمة يمكن أن تحل أزمة الركود الذي شهدته الوزارة في
الأشهر
الأخيرة، بسبب النزاع السياسي الداخلي. بيد أن تحقيق هدفه قبل تحقيق
التوافق العام
والتوافق السياسي يمكن أن يخلق مشاكل أكثر من أن يحلّها. في تاريخ
العراق، كانت
إدارة النفط تعمل في خدمة المصالح الضيقة، سواء أكانت لشركات أجنبية،
أو
للدكتاتورية، أو لعناصر إجرامية ومصالح سياسية معيّنة كما يحصل في
الوقت الراهن.
هذا لا يعني أن على الحكومة التروي وعدم القيام بأي خطى. بل أن البلاد
بحاجة ماسة لمعالجة الفساد، وتحسين الوضع الأمني، وللقيام بإعادة تأهيل
فنّية لحقول
العراق الموجودة الآن. لا يوجد أي جدال رئيسي حول هذه القضايا. ولكن
قبل اتخاذ
القرارات الكبيرة ينبغي استشارة الجماهير العراقية إشراكها في عملية
اتخاذ القرار.
أصرّت بعض المجموعات ذات المصالح على أن يكون لها كلمة في قانون النفط.
فقد
اتصلت غالبية شركات النفط الدولية الرئيسة بوزارة النفط. وطلب صندوق
النقد الدولي
أن
يشترك في صياغة قانون النفط، كجزء من الشروط الاقتصادية التي فرضها على
العراق
في
كانون الأول/ ديسمبر 2005. وأصبحت تلبية هذه الشروط من مطالب نادي
باريس للدول
الدائنة الغنية من أجل إعفاء جزء آخر من الديون الدولية التي تراكمت من
قبل النظام
السابق.
وحكومة الولايات المتحدة تعمل أيضاً على ضمان تمثيلها وسماع
آرائها. فقد عيَّنت مستشاراً ليعمل مع وزارة النفط على صياغة القانون،
من شركة
" Bearing Point "،
تلك الشركة التي تعاقدت معها مجلس الحكم بقيادة الولايات المتحدة
في
عام 2003 لتصميم المخطط اللازم لخصخصة الاقتصاد العراقي.
لكن النفط ملك
للشعب العراقي – أو هكذا ينص الدستور. وإذا كنا لا نرغب في اعتبار تلك
الفقرة في
الدستور بدون معنى، يجب على الشعب العراقي أن يقرر كيفية إدارة النفط،
ويجب أن تعمل
وزارة النفط معرفة آراء الجماهير الحقيقية.
يجب أن تطلب وزارة النفط ليس
آراء الأحزاب السياسية فحسب، لكن آراء مجموعات المجتمع المدني،
والخبراء، ونقابات
العمال وآخرين. كما يجب عليها أن تبدأ عملية إطلاع الرأي العام
واستطلاع آرائه من
خلال ورشات العمل والاجتماعات في كافة أرجاء البلاد، ومن خلال نشر
الاقتراحات في
الصحف والتلفزيون.
وهذه ليست عملية يمكن إتمامها في مدة شهرين. مع أن نفاذ
الصبر أمر يمكن فهمه، إلا أنه خطير. هل سيكون النفط مصدر ثراء أم لعنة
للعراق؟ قد
يكون الجدل العام عامل حاسم.
بقلم كريك موتيت
15/6/2006