وداعاً أخي عوني!
كاظم حبيب
نلتقي اليوم لنودع, مع حلول الأربعينية, أخاً وإنساناً طيباً وفناناً
واعياً ومسرحياً مبدعاً أدرك قوة وسحر العلم والحرفة التي امتلك
ناصيتهما وبرع في استخدامهما وجرب الكثير ليرسم خط سيره الخاص في
المسرح العراقي والعربي.
لقد فارقنا, غاب عنا مبكرا, إذ كان ما يزال في أوج عطائه الفكري
والإبداعي. اختطفته يد المنية وهو على خشية المسرح وبين مشاهديه
والمتمتعين بفنه, ولم تمهله كثيراً.
لم يكن عوني عصياً على الموت, إذ كان عبر عمله والجهد الذي يبذله يوميا
والعمل على مسرحيتين في آن واحد, والوضع العام في العراق الذي يعيش في
أجوائه الخانقة, يحرق أعصابه ويجهد قلبه المليء بالعواطف الجياشة
والانفعالات الكثيفة والحب الرفيع للعراق المضبب ولشعبه المستباح يعطل
قدرته على مواصلة الحياة.
صرف وقتاً وجهداً كبيرين لبناء شخصيته الفنية والعلمية والثقافية وسط
عالم زاخر بكبار الفنانين المسرحيين والمخرجين المبدعين ليساهم في
تطوير وإغناء المسرح العراقي والعربي. أرسى له أسماً بين الأسماء
اللامعة والمبدعة في العراق والعالم العربي. وكان تلميذاً رائعاً
لبرتولد بريشت.
كان تراث العراق الفني وحضارته الشامخة زاداً له في أعماله الفنية, كان
يمزجها بواقع العراق ومرارات الحياة في ظل الدكتاتورية الغاشمة أو في
الحروب الدامية أو عبر الاحتلال, أو الطائفة القاتلة والمهيمنة على
حياة الناس وأفعال قوى الظلام والسلفية التي تريد حرق الفنانين وطمس
الفن وسرقة البسمة من عيون الناس ومنع الحضارة الحديثة من ولوج عراق
اليوم, وكذلك الإرهاب والدماء النازفة والدموع المنهمرة.
كانت خشبة المسرح الموقع الذي يتسامى فيه وتتشابك روحه بأرواح مشاهديه,
وتبرز ملامح شخصيته وقدراته الفنية الإبداعية وتندمج روحه الحية
المتدفقة بعطائه المتنوع.
كان الأستاذ الدكتور عوني كرومي مستقلاً في الفكر والرؤية والممارسة,
وكان موضع حوار وخلاف في وجهة وأبعاد عطائه, ولكنه كان يعي ذلك ويعمل
بإصرار وتصميم صوب الوجهة التي اختارها.
كانت البسمة أو الضحكة المشرقة لا تفارقه حين يلتقي بأحد أصدقائه, ولكن
الصراع كان في داخله لا يترك له فرصة الراحة حين ينفرد بذاته ويخلو مع
نفسه. وكان ذلك يتجلى عميقاً عمق عينية الضاحكتين.
كانت أوضاع العراق السياسية والاجتماعية والاقتصادية تؤرقه وتفسد عليه
حياته اليومية, وكانت أوضاع الفن والمسرح وحياة الفنانين الصعبة
والمتفاقمة شدة في الوطن تزيده هماً, وكان ألم القلب يعتصره ويدفع به
إلى حافة الموت أكثر من مرة.
كان همه المستمر كيف يجمع الفنانين المسرحيين, كيف يساعدهم, كيف يقربهم
من الأعمال المسرحية الجديدة في أوروبا, وكيف يستطيع إقناع الألمان
الذين يصعب إقناعهم في الصرف على مشروعاته الفنية وجلب الفنانين وشدهم
إلى الأعمال المسرحية الحديثة, كان هم الفن وتدبير أمور العيش يثقلان
كاهله, ويشعر بمسؤوليته إزاء المسرح والعائلة الكريمة في آن واحد.
رحل عنا ونحن بحاجة إليه, بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه. فقد
كان طاقة كبيرة وفناناً رائعاً وإنساناً قدم الكثير في مجال المسرح
لشعبه وبلده وللعالم العربي.
رحل عنا ولا يملك شروى نقير غير أعماله الفنية المتقدمة, فهل انتبه أو
ينتبه المسؤولون في العراق إلى ذلك, أم أن ألأوضاع المتدهورة ستبقى
تنسيهم الالتفات إلى فنان رحل عنا مبكراً وترك عائلة في ظروف صعبة كانت
قد أجبرت على الهجرة والعيش في الغربة سنوات طويلة.
لنحيي ذكراه في أربعينية فقدانه وليبقى اسمه شاخصاً مع أسماء بقية
اللامعين من الفنانين من بنات وأبناء العراق والعالم العربي.
أرجو لعائلة فقيدنا المشترك, لزوجته الفاضلة وبناته وأولاده الكرام
وأصدقائه ومعارفه والذين استمتعوا بفنه الصبر والسلوان, وله الذكر
الطيب.
أقول له وداعاً وإلى لقاء قريب...