ثقافية: المسرح : تاويل الجسد
حازم كمال الدين
نضوب المسرح
في المؤتمر الصحافي الذي عقدته الفرقة المسرحية البلجيكية المعروفة
Zuidpool سأل احد الصحافيين فيما لو كان عدد المشاهدين في الموسم
الماضي للفرقة قد تراجع ام تصاعد. فدار الحديث عن انخفاض عام في عدد
مريدي المسرح. وقيل الكثير عن اسباب ذلك.” ماذا قيل ؟ “
Frans Rendant مدير المسرح الملكي النيدرلاندي في مدينة انتورب تمت
تنحيته من منصبه بدعوى ان عدد الجمهور في عهده استمر في الانخفاض بينما
راهنت عليه الحكومة في تصعيد ارقام الجمهور.
في العام الماضي 1996 حدثت ازمة خطيرة في Stuc احد اهم المراكز الفنية
في بلجيكا لان المسؤولين ارتأوا الغاء العروض المسرحية من برامجهم
المستقبلية والتركيز على الموسيقى الصاخبة.
ذات مرة اخبرني مدير احد المسارح المهمة في بلجيكا انه لا يعرف ابدا
متى ينجح عمل ما، ومتى يفشل على الصعيد الجماهيري ، كما انه لا يدري
لماذا يأتي جمهور المسرح لهذا المسرحية تحديداً وليس لتلك، علما ان
رأيه الشخصي بهذه المسرحية انها اكثر طليعية Avant-garde من الاخرى،
كما انه لا يعزو السبب لاستهلاكية الجمهور اليوم ، ذلك ان جمهور مسرحه
ليس تجاريا.” محمد عبد الهادي “ استاذ مادة التمثيل في معهد القاهرة
المسرحي وذو خبرة طويلة في الاخراج والتمثيل المسرحي وسبق له ان عاش
ودرس لسنين طويلة في هولندا، يلاحظ ان المسرح في الغرب لم تعد له وظيفة
حقيقية، ويشعر ان الحكومات تزوده بمنح مالية بسبب الخجل من الغائه لا
اكثر! وقد سألني صراحة ابان زيارتي الى القاهرة:
هل تعتقد ان ثمة مسرحاً بعد 100 عام؟
كما يلاحظ مخرج مسرحي بلجيكي كبير ان جمهور الفيديو والتلفزيون
والكومبيوتر في تقديم معاكس لتراجع شعبية المسرح والسينما. لا داعي اذن
للاعتراف بحقيقة ان جمهور الموسيقى الصاخبة Hard music، الاديان
الاكزوتيكية، والمخدرات في تقدم مضطرد. ولكن اعتقد ان علينا التساؤل
فيما لو كان ذلك يعني في احد مستوياته الاحتجاج على السيطرة شبه
المطلقة للتقنيات العقلية على حساب تراجع تطورالاحساس والاحاسيس
الجسدية او ربما الرغبة في الغاء وظيفة العقل للوصول الى شكل من اشكال
التطهر او التجلي Trance او الرغبة في تحرير الجسد من عبوديته للعقل او
للبحث عن خلاص روحي. وهذا بدوره يدفع ايضاً للتساؤل فيما لو كان علينا
الاعتراف بسلبية استعباد العقل للعواطف والجسد.
هل تكمن العلة في تراجع مريدي المسرح لان الناس اصبحوا استهلاكيين؟
لان المسرح لم يعد صالحا لعصرنا؟ هل لان المسرح يموت كما ماتت من قبله
الملحمة كنوع فني؟
أم هل المسرح فن خالد يأخذ اشكالا اخرى تناسب التطور البشري؟
واذا قلنا جدلا: نعم المسرح فن خالد. فكيف، ولماذا هو في طور الاحتضار؟
اذا تعاملنا مع سلاح النقد بطريقة موضوعية خارج الموضة ومصطلح الـ
تعدد” Aulti “ وتنويعاته اليوم” culture.media.dycipline-Multi “ واذا
كففنا عن ان نتبع بعضنا بعضا لاننا مثقفين او طليعيين، علينا ان نعترف
بفشل الوسائل السائدة لانقاذ المسرح. سواء كان ذلك في مجال اضافة
تقنيات جديدة للمسرح، او استخدام معارف جديدة لتقوية الياته، او الحاق
عناصر جديدة به او الحاقه ـ استخدامه بفنون وفعاليات اخرى. كل هذه
الحلول ستبقى غير مقنعة لانها حلول تحاول معالجة الظاهرة من خارجها ولا
تقوم بعمل ثوري يظهر جوهر المشكلة الى العيان.
المظهر والمخبر
لقد اصابت ابني حالة من الهزال المرضي، وامتنع عن تناول الطعام اثناء
سفري خارج بلجيكا. قال الطبيب
الاول : ساعطية حبوباً مشهية.
بيد ان هذا لم ينفع . قال الثاني بعد ان عجز الاول:
ـ قللوا عنه الماء.
فلم يأكل. قال الثالث:
ـ دعوه يلعب الرياضة بشكل مكثففسيجوع.
قال الـ Homeopathy
ـ عليك ان تأخذه الى الـ Ostiopathy فهذا العلاج قادر على حل المعضلة.
وبدأت علاجات الاعصاب واستخدام المساج والتدليك. وكان ابني مصرا على ان
يهزل حتى اصبح شكله مخيفا . وقد كنت على سفر. وعندما عدت ورآني بدأ
ابني يأكل تدريجاً من جديد.
المشكلة لم تكن مرضية فيزيولوجية، وانما نفسية” احتجاج على غيابي “
بينما العلم كان قد عالج المظهر لا الجوهر. عدم الوصول الى حل لمشكلة
ابني مرتبط بالمناهج الطبية التي تعلمها الاطباء وليس في الطبيب او في
ابني.
ان الجواب الحقيقي الذي يقودنا لمعرفة اسباب تراجع المسرح هو معرفة
ضرورة المسرح وما الفرق بين ازمته وازمة الانواع الفنية الاخرى. وهذا
يقودنا الى سؤال آخر هو: ما الفرق بين المسرح والفنون الأخرى ؟
الجسد! الجسد!
حسب اطلاعي حتى الان استطيع ان اقول ان العلاقة الحية بين عنصري العرض
المسرحي” المشاهد والممثل“ هو اكبر الفروق. ان الرسالة في المسرح”
الفلسفية ، السياسية ، الاخلاقية .. الخ “ هي وسائل اتصال لتأجيج هذه
العلاقة الحية بين عنصري العرض المسرحي.بيد ان المسرح اليوم يطرح
الرسالة” القول الفلسفي ـ الهدف الاعلى ـ المضمون الفكري... الخ “
باعتبارها الهدف وليس الوسيلة وتستخدم في هذا الصدد كلمات من مثل ايصال
ـ نقل . ايصال ـ نقل” القول الفلسفي ـ الهدف الاعلى ـ المضمون الفكري …
الخ “ الى المشاهد.اذا الغينا النص والتقنيات الاخرى يمكن ان يحيا
المسرح فقط من خلال تلك العلاقة مع المشاهد. لقد اثبت ذلك جروتوفسكي
قبل اكثر من ثلاثين سنة. ان وسائل تحقيق هذه العلاقة هي وسائل حسية.
دعنا نكون صريحين : الايديولوجيا تقود الى الميتافيزيقا وبعث الطمأنينة
في الروح والحواس. المخدرات كذلك، وكذلك الطقوس . نحن علمانيون لكننا
نبحث في الميتافيزيقا ، وهذا السبب احد الاسباب التي تدفعنا للعمل في
المسرح.
شفرات الجسد
نشوء المسرح من خلال الطقوس الدينية له طابع حسي جسدي وقد التحق
النصبالعرض المسرحي بشكل متأخر نسبياً.
بدأ المسرح باعتباره طقسا” في الشرق والغرب “ وبعد زمن تحولت تلك
الطقوس الى عروض ، ثم دونت العروض على اساس انها نصوص.
في تلك العروض يحتل الجسد موقعا مهما لانه يلعب دور الوسيط بين الخاص
والعام. وهذا الموقع نابع بالاساس من موقع الانسان في العالم ومن
الشعور بالتوحد بين الانسان في العالم ومكونات واقعه وبين الانسان
والكون.
الجسد هو وسيلة للتجريد بينما الكلام هو وسيلة للتشخيص . ان الكلمة هي
تشخيص لفعل خارجها او لصورة خارجها. ونحن نتعامل جميعا مع النصوص
بامان، ونتحدث من خلالها عن التجريد وضرورة اللاتشخيص. الصوت هو اكثر
لانتاجات الجسدية قبولاً للتحوير، ولهذا نشأت اللغة عن طريق المقاطع
الصوتية كضرورة ، بيد ان الصوت في الاصل هو ارتجافات جسدية Vibrations
. الصوت لا ينتج من خلال الحنجرة . الحنجرة فلتر للصوت الذي ينشأ من
خلال اصداء الهواء في العضلات. بهذا المعنى تعتبر الحنجرة عائقاً
لانطلاق الصوت الجسدي الحقيقي.
ان الكلمة في اعرافنا هي ليست سوى وسيط Medium بين العالم خارج الذات
والعالم داخل الذات. الكلمة وسيلة لقاء بين ما هو جسدي وبين ما هو
تشخيصي ـ تصويري..
ان تاريخ المسرح ليس تاريخ النصوص المسرحية لـ” اسخيلوس ، يوريبيدس...
الخ “ وليس تاريخ الدراسات الدرامية” فن الشعر لارسطو .. الخ “. ان
تاريخ المسرح الحقيقي هو تاريخ العروض المسرحية، فالعملية المسرحية في
جوهرها عرض مسرحي وليست نصا يقرأ، بيد اننا لم نتسلم الكثير من
المعلومات عن ذلك التاريخ. ولهذا السبب بني المسرح المعاصر بطريقة
مفلوبة:
بدلا من تمارين تؤدي الى عرض يقود الى نص” كوثيقة “ اصبح مسرحنا اليوم،
نصاً يؤدي الى تمارين تؤدي بدورها الى عرض. جاك كوبو Gack Copeau هو من
اوائل المسرحيين الذين انتبهوا الى ان تاريخ المسرح هو تاريخ عروض
والعرض المسرحي يجب ان يقوم على اساس الصورة المسموعة في الفضاء، وان
اهم عنصر في الصورة والفضاء المسرحيين هو الممثل، وان اكبر كتلة مرئية
ـ مسموعة في الممثل هي جسده. انتبه كوبو ايضا الى ان المسرح يقوم على
اساس الفعل + الصورة + الاحساس. وجاك كوبر هذا هو ابو مسرح الحركة. فقد
خرج من معهده اتيان دوكرو Etienne Decroux مؤسس المايم المعاصر الذي
أنتج جان لوي بارو ومؤسس البانتوميم المعاصر مارسيل مارسو ورعيلا طويلا
من المبدعين وتنويعات واسعة على منهجه. كما خرج من معهده جاك ليكول
الذي خرجت من بطن تعاليمه اريان منوشكين. وجاك كوبو هو الذي وضع تعاليم
ديلسارت في موضوعة الصوت موضع التطبيق في معهده المسرحي الكولومبي
العجوز. ان المايم يعتمد لغة الحركة بشكل جوهري. وهي لغة ليست ذات طابع
تفسيري ـ كلامي، وانما حسي ـ صوري . لهذه اللغة طابع لا تستطيع ان
تنقله عبر الافكار بل عبر مستوى آخر من التواصل غير القابل للتحول الى
كلمات.انتبه. ثمة اشياء كثيرة وانفعالات عديدة لا تستطيع ان تضعها في
كلمات.” مثال المخرج الهولندي قبل اسابيع في Net werk وحديثه عن آخر
زميلين له توفيا “.ثمة طاقات يمتلكها الجسد ليس بالامكان ترجمتها الى
منظومة كلامية. ان ارسال الطاقة في الفضاء خارج الجسد واستقبال الطاقة
في الجسد ليس عن طريق وسائل اللمس وانما عن طريق وسائل اخرى موضوع غير
قابل للتحول الى كلام، بل موضوع يتحقق من خلال الايمان والتدريب
الشامل: الروحي ـ الحسي ـ الجسدي.
ان بعض الشفرات Codes في اجسادنا قد تعلمناها بطريقة مخطوءة. لقد
تعلمنا كودات مخطوءة في تحليل دوافع الحركة الجسدية ومن ثم تحليل
الففعل الجسدي.
كنت بانتظار صديق في مقهى وكان ذلك الموعد مهمّاً جدا.لكن ذلك الصديق
تاخر. بمرور الوقت بدأت افقد صبري وبدأت اعصابي تثور. ثورة الاعصاب
انتقلت الى اصابع يدي التي راحت تعزف لحنا ايقاعيا على الطاولة. مزيج
من” الهيوة “و” الدارمي “ وارتجالات اخرى. بعد زمن من ثورة الاعصاب هذه
تصاعد هزف الايقاع على الطاولة . وكان بضع فتيات الى جانبي.
ـ انه لحن جمي، خفيف ، راقص، فرح!
هكذا كانت تعليقاتهن.
ترجمة الجسد
ان تأويل اللحن من قبل الفتيات” من الخارج “ وفقا لاليات تفكير سائدة
تشير الى ان هذا اللحن فرح ، بينما مصدر الللحن هوثورة الاعصاب. ان
المسافة بين حقيقة الفعل من الداخل ورؤيته من الخارج هي مصدر التباس
وليس فهما اذا اخضعناها لاليات التفكير التي تربينا عليها. ان الشكل
الخارجي لا يعكس حقيقة الفعل الداخلي ولا يترجمه. لان الفعل الداخلي
يرفض الانصياع لميكانيزمات الفهم السائدة. لان ميكانزمات الفهم السائدة
عاجزة عن نقل المعنى. او لانها تنقل المعنى بطريقة احادية.
حاول دوكرو من خلال معهده البحث عن طريق المرآة الوصول الى وحدة توصل
الداخل بالخارج ، بيد ان نتائج هذا البحث كانت تدجين الداخل عن طريق
سيطرة الخارج” الصورة هي التي تحدد الاحساس وليس العكس “.
لا يمكننا ان ننكر ان الشكل الخارجي هو انعكاس بالفعل لما يحدث في
الداخل. ولكننا نزعم ان الكودات المخطوءة التي تعلمناها لفهم المظهر
الخارجي في علاقته بالفعل الداخلي هي مصدر ذلك الانتباس.
ان الايماءة في مثل هذه الحالة” حالة مرآة دوكرو “ انما هي مصدر قمع
للفعل الداخلي وليست وسيطا لنقله، اي الفعل الداخلي، من الانا الى
الانت.
الجسد وسيلة أم غاية؟
اخيرا ان الحضارة التي انتمي اليها هي حضارة اعتمدت وتعتمد البعد
الواحد اساسا. ليس في اللوحات السومرية والفرعونية ظلال ولا ابعاد.
موسيقانا مونوفونية. اوزان اشعارنا مسموعة. لغاتنا شفاهية.
وكتابنا المقدس” القرآن “ واحد.
في هذا السياق يتركز عملنا ايضا على بعد واحد: الممثل.
ان التعميق في الحضارة الاوروبية يعني تعدد مساقط الضوء والزوايا على
ذات المادة. وهذا يعني في احد ابعاده تقسيم المادة الى ابعاد وتجزئتها
الى مستويات: مستوى بصري، صوتي ، فضائي ، كلامي، فلسفي … الخ. وبهذه
الطريقة يتكون البحث العميق ، وبهذه الطريقة تقسم الفنون.في المنحوتات
العراقية والمصرية القديمة ثمة بعد واحد للعمل الفني، لكنه يمتلك
ايحاءات وانطباعات وابعاد عميقة جدا رغم بعده الواحد الظاهري.بالنسبة
الى الحديث في الابعاد حديث في تقسيمات تقنية تحول المسرح الى مصنع
تجميعي للفنون وتوليفها من بعضها.
ان الحديث في البعد الواحد هو حديث في التفاعل الكيماوي المعتمد على
الاحساس الجسدي والذي يقود الى الاحساس الجسدي. انه حديث في اللاتقنيات
، في البدائية Primitive. في عالمي انا اتعلم تقنيات تقودني الى نفسي
ومن ثم تصبح تلك التقنيات مشروعا للنسيان. لا يصح ان يصبح احد عبدا
للتقنية. التقنية، وهذه آخر جملة، وسيلة وليست غاية.