شعب في حظيرة!
احمد العلي
مسكينة هي الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط إلا فيما نذر، في كل
مركز من مراكز اتخاذ القرار في دولها يتربع السفهاء الذين يقتاتون على
نفطها وغازها وثرواتها المعدنية والزراعية والبشرية،أما الشعوب فليس
لها ناقة ولا جمل ، وليس لها قيمة عندهم إلا بمقدار ما يعكس هذا
الاهتمام مصالحهم وفرص بقاءهم في الحكم أطول فترة ممكنة، ليورثوا الحكم
أبنائهم وأبناء أبنائهم، شعبنا في القطيف ليس بأحسن حالا من الشعوب
المجاورة أن لم يكن أكثرها سوء وأشدها انحدارا إنسانيا وحضاريا ، فشعب
القطيف ذو التاريخ الشامخ رغم العتمة والهالة السوداء المحيطة به من
قبل سلطات آل سعود ومن يدور في فلكهم، تغتصب ثرواته الوطنية جهارا وليس
هناك من يعترض وكأن القوم نزعت كرامتهم وما تبقى من ملكات ضمائرهم
وانباض عزتهم وحميتهم ، على مرمى من البصر والسمع والقلب والضمير
والفؤاد يستولى سلطان بن عبد العزيز على ساحل بحر الرامس ليردمه ويخططه
ويبيعه على أهالي القطيف ، وتجارنا الكرام يشترون قائلين: أن لم نشتري
نحن سيشتري الآخرون ! تم يأمر صاحب السمو بعدم منح تراخيص البناء في
المخطط لأحد، ليخسر من يخسر وتلاحق الديون المتراكمة من اقترض لشراء
قطعة ارض في هذا البلاك أو ذاك ، ويضطر من لا يحتمل قرار المنع بيع
الأرض التي اشتراها بأقل من قيمتها على مقربين من السلطة ، يا ترى هل
سمع احدنا بسرقة علنية تهدر فيها كرامة شعب كامل أكثر من ذلك؟ أنهم
يسرقون أرضك ثم يبيعونك إياها ثم يمنعونك من البناء على القطعة التي
اشتريتها ليجبروك على بيعها مجددا وبأقل من السعر الذي دفعته مقابل
الحصول عليها!!!! قبل عدة سنوات وضعت شركة ارامكو حواجز أنبوبية على
معظم الطرق في القطيف، تساءل المجتمع الذائب في الفضيلة عن سرها ، إلى
أن عرف أنها وسيلة لتحديد كميات الغاز التي يعج بها المحيط السكني
لمحافظة القطيف، أنهم يستخرجون منها الآن مئات أن لم يكن الآلف من
براميل النفط والغاز يوميا ، أما شعبنا فليس له سوى رصف بعض الشوارع !
مليارات ليس لها حد أو عد لو استغل نصفها كالإمارات المجاورة لعاش شعب
الجزيرة العربية بأكمله في رفاهية ليس لها حدود ولكن عندما تودع هذه
الثروة بيد السفهاء فان النتيجة هي ما يعانيه شعب الجزيرة ومن ضمنه شعب
القطيف اليوم من بؤس ليس له نظير حتى عند مقارنته بالمجتمعات الخليجية
المجاورة.
من بين أكثر من مليون مواطن شيعي في القطيف والاحساء ليس هناك من يقول
"لا" للطغيان والاستبداد والقهر الذي تمارسه العائلة المالكة ، لقد باع
الجميع قضية الشعب وأذعنوا لسلطتها وجبروتها ، في المقابل يعيث أشخاص
السلطة الدينية في بلادنا بمقدرات الشعب أيضا عبر نفوذهم الروحي
والديني من خلال أموال الخمس والحقوق الشرعية لتكتمل حلقتي الاستبداد
والقهر من مفصليها السياسي والديني، فهؤلاء يسيطرون على النفط وهؤلاء
على الحقوق الشرعية ،والشعب يدفع لكلاهما مرغما، فللعائلة المالكة بغية
سلامة الجسد ولرجال الدين بغية سلامة الروح، لآل سعود في الدنيا ولرجال
الدين في الآخرة!
كنت أقول أن المعارضين السابقين أنطفا وهجهم وخارت قواهم فلهم العذر أن
استكانوا وعادوا إلى وطنهم البائس وباعوا القضية ! أقول دائما أن
التعويل لا بد أن يتجه للأجيال القادمة فهي التي سوف ترفع لواء الكفاح
من جديد، ولكن عندما أسير في شوارع بلادي الميتة أشاهد مئات الشبان وهم
متجمهرين في الشوارع ويمارسون "الرياضة المجنونة" يا للكارثة! هل هذا
هو الجيل الجديد الذي أعول عليه؟ أما المتدينين منهم فليسوا سوى صور
كربونية من الكبار الذين يلقوننهم كل شي، جلست مع شاب لا يتجاوز
الخامسة عشر ليقول لي أن كل من لا يؤمن بولاية الفقيه مشكوك في
إيمانه!! تعقد الندوات والمجالس الدينية التقليدية في الوقت الذي يسحب
الذهب من تحت الأقدام وكأن آل سعود يقولون: مارسوا شعائركم واقتلوا
الحسين كل يوم بل كل ساعة أما نحن فسنستولي على كل شي ولن نبقى لكم سوى
الأطلال! وفي المقابل نعطي بأيدينا أموال من المفترض أن تمنح
للمستضعفين منا ليضعها صاحب الفضيلة في جيبه ليسافر بها إلى المنتجع أو
لينفقها في مصالحه الخاصة ، يغادر آلاف من شعبنا في العطلة الصيفية إلى
البلدان المجاورة ، هناك يمارس كلا الشبان والفتيات الجنس بعيدا عن
الأعين وليعوضوا أنفسهم حرمان عام كامل ، وهناك يدفع لابسي العقال
والشماغ الأحمر الخمس لأصحاب العمائم، وهناك يمارس المتدينون شعائرهم
بحرية ، وهناك تقضي العائلات أياما من الحرية الشخصية والأسرية بعيدا
عن التقاليد البالية والقيم المتحجرة ، ليعود الجميع بعد ذلك إلى حظيرة
اسمها "الوطن"! ذلك أن الحيوانات تخرج أيضا من حظيرتها لتناول العشب
دون أن يخشى الراعي من عدم عودتها مرة أخرى، وفي نهاية اليوم ترجع
البهائم إلى حظيرتها لتنام في سكينة وهدوء ! شعبنا.. أشبه بهذه الأغنام
في حظيرتها، فأجهزة الأمن تراقب الإنسان في حله وترحاله ، يذهب قطيع
الناس للسياحة ليعودوا منتشين قادرين على مواصلة دورهم في مسلسل
الاستعباد ، ليشاهدوا نفطهم وخيرات وطنهم تشفط من تحت أقدامهم من دون
أن يحركوا ساكنا، وليستجيبوا لنداءات رجال الدين وتحذيراتهم من مغبة
عدم دفع الأخماس ، وهكذا تمضي حياة شعبنا دون هدف ، حياة ليس لها قيمة
أو معنى، فهو بانتظار الإمام صاحب العصر والزمان الذي سيأتي ليحرره من
الظلم والجبروت الذي يقاسيه! عندما تموت روح الكفاح ، عندما يختزل
الدين في الأوهام، وعندما يفقد الشعب غيرته على وطنه ومستقبله، عندما
يستسلم الجميع للطاغوت السياسي أو الديني أو الاجتماعي، عندما يتحول
المناضلون إلى أبواق تمجد للسلطة ويبيعوا قضية الشعب والوطن والإنسان ،
حينها يتحول الوطن إلى حظيرة ، والإنسان الذي ما يزال يحمل أرماق
الكرامة يرفض العيش فيها ليسير باحثا عن مدينة النور ووطن الإباء وشعب
معطاء ينتمي إليه ليبذل الغالي والنفيس من اجل إنسانيته وإباءه وعزته.