الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

جاسم الرصيف: الثألولة وحي التنك والظلم والبؤس والسخرية

 جورج جحا

بيروت (رويترز) - ما يميز رواية جاسم الرصيف "مزاغل الخوف" لا يتمثل بطريقة توزيع "فصولها" فهذا الأمر لم ضف إليها أمرا جديا بل اقتصر على "شكلية" هي على رغم ما فيها من جدة.. لا تقدم ولا تؤخر.. ولعلها تؤخر اذ تخلق ما قد يشبه الملل من تكرار الاسماء.

يتميز هذا الكاتب العراقي بقدرته على نقل أجواء الناس حركة وفكرا ومشاعر.. بسخرية دائمة وبشيء من الشعرية الحادة في غلالة من شبه الخرافة احيانا وبقدرة جلية ايضا على نقل اجواء عالم الظلم والفقر والجهل والاستغلال.

رواية الرصيف وهي تاسعة رواياته صدرت عن (المؤسسة العربية للدراسات و النشر) في 317 صفحة متوسطة القطع. عنوان الرواية الداخلي حمل كلمات اضافية بعد "مزاغل الخوف" هي إيضاح لما تدور حوله الرواية وجاءت على الصورة التالية "عن ارض ..خارجة على القانون..وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد.. عن وطن يمشي الان على قدمين متعاديتين."

 غلاف الكتاب حمل سطورا للناشر جاء فيها "مرة اخرى يحفر جاسم الرصيف في عمق المأساة العراقية من خلال مزاغل الخوف في حي بني على ارض خارجة على القانون بين حربي الخليح الاولى والثانية اللتين خلفتا وطنا ما زال يمشي على قدمين متعاديتين ومأساة ما زالت مرارتها الساخنة في كل مزاغل العراق."

 تسير الرواية وفقا لنظام خاص بها فلا فصول ولا احداث متلاحقة من "الف" الى "باء".. الى ما بعدهما.. انما اسماء تتكرر وكأن كلا منها لازمة تطل ثم تغيب لتحل محلها اخرى وتستمر الحكاية.

  تتكرر هذه الاسماء العناوين ما لا يقل عن 170 مرة في مجموعها ولكل اسم منها حصة هي ما بين صفحة وصفحة ونصف صفحة الي صفحتين. وتوزع ذلك كله على ثلاثة اقسام. والاسماء هذه غالبيتها لاشخاص ومنها واحد هو اسم لمكان. المكان هو "الثألولة. حي التنك."

 والثألولة هي واحدة الثاليل وقد شرحت في احد الهوامش بانها "زائدة جلدية لا يتخلص منها المرء الا بقطعها." والاسم هو كاسماء اخرى رمزي من ناحية وواقعي من ناحية اخرى. اسم المكان هذا فيه من الرمزية ان الثألولة نمو غير طبيعي ومشوه وقد يكون قابلا للامتداد. انها تعبير عن احزمة الفقر التي تحيط بمدن العالم الثالث بشكل خاص او تتكامل معها. وهي "صروح.. للفقر والقذارة والخروج على القانون وللجريمة من ناحية ورموز للحرمان والتمييز والظلم الاجتماعي كذلك. انها توأم مدن الصفيح او مخيمات الزنك او.. الزنكو.. اكانت فلسطينية ولدها الاقتلاع والتشرد ام

نتائج للنزوح الاجتماعي او الهجرة الداخلية من الريف الى المدينة. القسم.. الواقعي. من الاسم هو "حي التنك" نفسه الذي يختصر البيوت والاماكن التي تشهد الوف الولادات والافراح والاحزان والوفيات واستمرار هذه الامور كلها من فترة زمنية الى اخرى.. والتكاثر الذي يذكر بكرة الثلج المتعاظمة.

 من الاسماء "ستار عجقة" والعجقة عراقيا كما في سائر بلادالشام يقصد بها بالعامية "وصف لخلط الامور بعضها ببعض عن جهل او تجاهل" كما جاء في حاشية اخرى. يضاف الى ذلك معنى اخر هو الضجيج والضوضاء. اسم عنوان اخر اختصر بكلمة هي الضمير "انا" ومن بعده ياتي اسم ونسة خباثة" يليه الاسم او العنوان الاخير "الشيخ بعيو."

 تبدأ الرواية بستار عجقة وقد اوقعه عمله بين مطرقتي رجال الشرطة وثوار يهربون الاسلحة الى مناطقهم بمساعدته. انه في مقدمة القافلة "يستكشف الطريق بسيارته المطفأة الاضواء."

 وبعد قليل يتوقف فجاة. شعر بحركة ما في حقل المنطقة القريب. ترددت في اذنيه... فتعالت ضربات قلبه. توقع ان تلتصق بانفه في اللحظة القادمة فوهة رشاشة شرطي او.. رفيق من الحزب.. ولكن هذا لم يحصل فتأكد انه حيوان بري مرعوب مثله..." ننتقل بعد ذلك الى "انا" ونبدأ معه في السجن. يقول "زنيت على حصيرة جامع هكذا خيل لي وسط غرفة التوقيف.. النتنة" وهي اول تجربة له من هذا النوع اثر اتهامات باطلة منها فراره من الجندية.

 اما "ونسة خباثة" فهي بنت الهوى التي تستقبل الرجال وتعاني من نقطة ضعف تجاه احد الثوريين الحالمين. تنظر الى جدار غرفتها فتقرأ "صار لكل شيء ثمنه بعد ان فقدت الاشياء ثمنها."

 هكذا كتب على الجدار باحمر الشفاه دون معرفتها قبل ان يدخل رجال المخابرات ويعتقلوه. تخاف من انهياره تحت التعذيب وتوريطها في ما لا تعرفه ولا تفهمه. ونصل الي اسم المكان "الثألولة. حي التنك." يقول الكاتب ان تاريخه بدأ باربعة قتلى حيث قتل صاحب الاسم الرمزي المعبر "ضايع عبد الموجود" زوجته وأولاده الثلاثة سرا بحجة فسقها وانهم ليسوا اولاده فعلا وتظاهر بالحزن والتصميم على الانتقام ودفنهم في المكان اي البريةالمواجهة للمدينة وبني مسكنه هناك وما لبث المكان ان صار مدينة تنك.

وتقول الاشاعات وفي رمزية قتالة.. انه اكتشف بعد ذلك ان قصة عقمه كانت خطأ من الطبيب وان الاولاد هم اولاده فعلا فقضى على نفسه بالموت. اخر الاسماء والعناوين المتكررة هو "الشيخ بعيو" وبعيو اسم شعبي يستدل به على الطبقة الفقيرة غير المتعلمة وهو تحريف لكلمة.. بعباع.

 انه الطبقة الفقيرة التي يدغدغها الرئيس وينعم عليها مثل اهدائه الشيخ بعيو سيارة حمراء.  نقرأ "اهم موعد في حياة الشيخ بعيو يقترب الان وهو يستجمع افكاره متخيلا ما سيجري عند ما يستقبله.. السيد الرئيس.. وكان يحاول انتقاء مفردات بعينها من مفردات اللقاء المنتظر.. يا عزنا.. لا.. يا عز العرب.. لا بأس.. يا مهندس مصيرنا.. حلوة.. يا فخر الامة العربية.. احلى."  وتدور الاسماء راوية ماسي العراق والمفجع المبكي والمضحك. ولعل بعض ابلغ "الخلاصات" في الرواية يتمثل في لقاء الشيخ بعيو و "الرفيق امين السر" و.. الرؤؤس الكبيرة.. وعند نهاية اللقاء وقبيل الانصراف والاتفاق على لقاءات اخرى انطلق الرصاص والقذائف ودوت الانفجارات.

 وتأتي النهاية "كاريكاتورية" اذ بحثت عينا الشيخ "مرعوبا غير مصدق ما يراه ويسمعه الان فرأى الرفيق امين السر منبطخا تحت سيارة بيك اب وراسه يتلفت مذعورا نحو.. الشيخ.. ونحو.. القصر.. و.. وادي الحرامية.. الذي انطلقت منه النار. ثم دوت متأخرة جدا نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو.. مزبلة الشيطان.. ووسط ذعر اكثر من اربعمئة رجل وعدد لا يحصى من الاطفال والشحاذين والحيوانات المشردة.. فانطفات كل الفوانيس النفطية في.. حي التنك.. المقابل للقصر مساء.. اول.. جمعة صادفت بعد احتلال الكويت."

 

من جورج جحا