الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

مشاهدات.. وصور .. انتخابية من مدينة يتبوري السويدية  

 د- جمانة القروي

في أيام التسجيل...

 

رغم البرد الشديد .. حيث درجات الحرارة  وصلت إلى 10 تحت الصفر ، ورغم الثلوج التي كانت تغطي الأرصفة والشوارع ، إلا أن ذلك لم يثني جموع غفيرة من العراقيين عن الانتظار أمام الباب الرئيسي للمركز الانتخابي في المدينة ،كانوا بانتظار لحظة فتح الباب بفارغ الصبر، في اليوم الأول لتسجيل الناخبين ..

 

 

 

شيخ في حوالي الخامسة والثمانين من عمره ، دخل إلى إحدى محطات المركز والابتسامة تعلو وجهه ، وما أن جلس أمام موظف التسجيل حتى قال : طوال عمري كنت احلم بهذا اليوم ، ولكن لم أتخيل انه سيتحقق يوما .. اليوم لا تسعني الفرحة ..أخيرا سأنتخب من يمثلني بكل حرية ، وبدون إي ضغط من أي جهة ... ما أحلى نسمات الحرية ،التي عشت حياتي كلها أتمناها ..

 

في اليوم الثاني للتسجيل ، وقبل إغلاق المركز الانتخابي بأقل من نصف ساعة دخلت سيدة في أيامها الأخيرة من الحمل  كانت بالكاد تسير، إلا أنها أبدت إلا المجيء من شمال النرويج وتحمل أعباء السفر لمدة تزيد عن العشرين ساعة، حتى لا تفوتها فرصة التسجيل وبالتالي الانتخاب .. لقد طلبوا منها المكوث تلك الليلة عند أحد الأصدقاء إلا أنها رفضت ذلك ... قائلة : "رغم إني اعرف ربما ألد في الطريق ولكني لا أريد لطفلي هذا أن يلد في الشتات كاخوته .. لذلك سأعود إلى مدينتي .. أتمنى أن يحالفني الحظ في العودة للإدلاء بصوتي .. أتمنى أن لا تفوتني هذه الفرصة التي ناضل شعبي الكردي لعقود عديدة لتحقيقها ".. وقد تحققت أمنيتها وجاءت لكي تنتخب بعد إن ولدت طفلها في نفس يوم عودتها إلى النرويج ..

 

امرأة جاوزت سنوات الشباب منذ حين .. دخلت المركز وهي تزغرد بأعلى صوتها .. وتقول بصوت مسموع للجميع "هذا هو اليوم الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر .. ومن اجل هذا اليوم قدمنا أولادنا قرابين للوطن.. من اجل هذا اليوم تحملنا موت أعزاءنا..  ومن أجل هذا اليوم تحملنا حرق قرانا وتهجيرنا ، وشتاتنا.. كانت تذرف الدموع الحارة وهي تزغرد...

 

شيخ تقول أوراقه الثبوتية انه مواليد 1902 .. أبى إلا المشاركة رغم صعوبة الطريق والمسافة الطويلة التي قطعها .." كيف تفوتني هذه الفرصة .. حتى لو فارقت الحياة في الطريق .. لا يهم .. المهم هو انه يجب عليِ المشاركة" ... وقد تحقق ما أراد و جاء ليضع ورقة الانتخاب في الصندوق ... 

شاب في مقتبل العمر إلا انه حرم من نعمة البصر ، فرغم انه يعيش في مدينة تبعد عن المركز الانتخابي بأكثر من 7 ساعات ، إلا انه جاء ليسجل نفسه مع والده ..الذي قال : لا يمكن أن تفوتنا فرصة التسجيل والانتخاب .. فكم حلمنا بهذا اليوم .. وكم تمنيناه .. والآن عندما يصبح حقيقة لا يسعنا إلا المشاركة رغم كل شئ ..."

 

 

أيام الانتخابات ...

 

في أيام الانتخاب الثلاث ، كان الناس يتوافدون إلى المركز بملابسهم القومية الجميلة .. و خلال فترة الانتظار التي تسبق الدخول إلى المركز والتي ربما تدوم ساعات عديدة ، كانت الموسيقى العربية والكردية والآشورية تصدح فكانت أيادي المنتظرين تلتحم مع بعضها برقصة الدبكة ومعالم الفرح ، والأمل بادية على وجوههم ...

 

لم يكن مزيج المشاعر المختلفة على الناخبين فحسب إنما كان الفرح والقلق والارتباك بادي حتى على موظفي  مركز الاقتراع ، ففي اليوم الأول للانتخابات ، عندما دخلت إحدى موظفات المحطة التي تعمل بها ، لم تكن تستطيع السيطرة على مشاعرها ، تقول " لقد اختلطت علي المشاعر، لا أستطيع وصفها هل كانت فرحا ،أم قلقا .. أم ماذا ؟.. هذه هي المرة الأولى في حياتي انتخب.. صحيح أني شاركت في انتخابات السويد ، ولكنها لم تكن تعنيني.. أما اليوم فهذا هو الذي من اجله عانيت من سنوات الغربة الطويلة .. لذلك لم يكن من السهل عليَ كتم هذه المشاعر،لقد بانت من ارتجاف الصوتي.. ومن ارتجاف القلم في يدي .. أنا أول من وضع استمارة الانتخاب في صندوق محطتي .. أنا فخورة باني سأضع علامة (الصح )على من يمثلني..ما أحلى الحرية ..

 

دخلت امرأة شابة وهي تحمل بين ذراعيها طفلها الذي مضى على ولادته 48ساعة فقط .. لقد خرجت هذه المرأة توها من المستشفى  مباشرتا إلى المركز الانتخابي .." من اجل هذا الطفل وإخوانه.. ولكي تنتهي غربتنا ، ونعود إلى وطننا وأهلنا  .. كان يجب عليِ المجيء والمشاركة في الانتخابات.. "

 

في منتصف نهار اليوم الأول للانتخابات ، إذا برجل شاب وعائلته يدخلون إحدى محطات الاقتراع ،تسبقه إليها زغاريده القوية والمتواصلة  وهتافاته " تعيش الحرية ،تحيى الديمقراطية .."لم يتوقف عن توزيع الحلوى والزغاريد التي تعلوا أكثر عندما يرمي أحد أفراد عائلته ورقة الانتخاب في الصندوق ..

 

دخلت عائلة مع طفلها الذي لم يتجاوز سنواته الأربع ..  أبى الصغير إلا أن يغرس إصبعه في المحبرة  معبرا عن أمله في أن يكون  ناخبا ذات يوم .. قالت والدة الصغير :" أننا اليوم هنا وفاء لشهدائنا .. لقد اعدم صدام أخت زوجي وعائلتها جميعا.. وقد اعدم أبي أيضا  ، فمن أجلهم ، ولكي يكونوا معنا .. وليفرحوا فرحنا جئنا اليوم " ..

 

 

 استقبلت إحدى محطات المركز في يومها الأخير دخول عروسين شابين إليها .. لقد كان قرارهما الانتخاب أولا ، وبعد ذلك توقيع عقد الزواج.." سنخبر أولادنا وأحفادنا عن هذا اليوم العظيم .. عن عرس الشعب العراقي" .. لم تنقطع الزغاريد خلال فترة وجودهما في المحطة التي ودعتهما كما استقبلتهما بالزغاريد ...

 

هؤلاء هم أحفاد  مؤسسي أولى حضارات العالم .. هذا هو الشعب العراقي ..