(رائحة البحر) وعذابات المرأة
لا
أدري سببًا جعلني أتذكر رواية الكاتب الكويتي طالب الرفاعي
)رائحة
البحر) وأرجع لقراءتها بعد أن نالت المرأة الكويتية حقها المسلوب. هل
لأن
الرواية سجلت موقفًا شجاعًا يدين كل أنواع الظلم التي تقع على المرأة?
أو لأنها
تحكي قصة حب كويتية نال المرأة منها قهر كبير? أو لأن الأدب, وفي أحيان
كثيرة, يكون
مرآة حقيقية تعكس آلام وحالات المجتمع?
سيبقى يوم الاثنين 16/ 5 / 2005 يومًا مشرقًا ومشرفًا على درب
الديمقراطية في بلدي الكويت, وسيبقى غاليا على قلوب نساء الكويت, ففي
هذا اليوم
حصلت المرأة الكويتية على كامل حقوقها السياسية ترشيحًا وانتخابًا,
وهكذا اكتملت
مسيرة الديمقراطية في الكويت.
وتقودني دراسة رواية (رائحة البحر), إلى التساؤل هل يمكن أن يكون
للبحر رائحة فقط? يجيب الكاتب الكويتي طالب الرفاعي عن هذا التساؤل من
خلال روايته
التي تحمل في طياتها السؤال نفسه.. تقع الرواية في 318 صفحة من القطع
المتوسط,
متضمنة ثلاثة فصول تأتي جميعها بصيغة ضمير المتكلم. الفصل الأول يحتل
تقريبًا نصف
الرواية, ويأتي على لسان بطلها (حمد), بينما يأتي الفصل الثاني على
لسان (سارة,(
ويختم الكاتب روايته بفصل صغير عائد لحمد.
يمكن القول إن الشكل العام للرواية اتخذ صورة الهرم, وهذا له مدلوله
من
الناحية المعمارية التي تنعكس على المعنى الأدبي. وربما أمكن العثور
على مضمون
مشابه, بدرجة أو بأخرى, لمضمون رواية رائحة البحر بين روايات عربية,
لكن أسلوب القص
الذي استخدمه الكاتب عن طريق ضمير المتكلم, وجراءة الفكرة أضفيا على
الرواية نكهتها
الخاصة وفرادتها بوصفها رواية خليجية تكشف عوالم المجتمع الكويتي.
لقد
اعتاد القارئ العربي التعرف على أحداث الرواية من خلال القص الذي
ينهض به الراوي منذ البداية وحتى النهاية, سردًا متخللاً الحوار الذي
يدور بين
الشخصيات, وموضحًا بالوصف المواقف المتعددة التي تتطور وتتداخل من
خلالها الأحداث.
وهكذا فإن الكاتب, من خلال صوت الراوي, يكون مشاركًا بدرجة أو بأخرى,
لكن كاتبنا
الرفاعي أراد لنفسه أن يبقى بعيدًا, تاركًا مهمة صوغ الأحداث لبطلي
الرواية حمد
وسارة وهما محور الأحداث.
تحكي الرواية حادثة لقائهما الذي سبقه لقاء الحلم, الحلم الذي زرعته
الجدة (الأم فاطمة) في رأس حمد, حتى لكأنه شاهد حبيبته قبل أن يراها.
وتبدو شخصية
الجدة شخصية أسطورية بمسلكها العام, سواء دراستها لعلوم القرآن ونذرها
نفسها
للعبادة والتعبد, أو من خلال نبوءاتها ورؤاها الصادقة دائمًا.
قصة
حب
إن
الحدث الرئيسي للرواية يدور حول قصة حب تنشأ بين حمد وسارة, قصة حب
لا
تخرج على الناموس بشيء, سوى أن تدخلاً جاء من والد حمد برفضه, ووالد
سارة
بإجبارها على الزواج من صديقه أبي عبداللطيف وهو ما خرج بالقصة عن
مسارها الطبيعي,
وجعل منها حدثًا متفجرًا, يقول بضرورة الإيمان بالحب الشريف, وحرمة بيع
فتاة لرجل
عجوز أيًا كانت الأسباب والمبررات, وما قد يترتب على ذلك من نتائج
اجتماعية
وخيمة.
خصص
الكاتب الفصل الأول من روايته لحمد, الشاب الذي نشأ في وحدته
بالرغم من وجوده بين أفراد أسرته, فهو فضّل الوحدة إلى جانب الجدة التي
اتخذها أمًا
له,
وتشرَّب منها بالكثير من الروحانيات التي عاشها, على الانتماء لعالم
أخويه (بدر
ومريم), إلى أن شب وحيدًا, وظل سائرًا في دربه إلى أن عثر في الكلية
على حبيبته
التي طالما حلم بها, لتبدأ صفحة جديدة في حياته يكون فيها الحب والعشق
سيد الموقف
له
ولها. إنها سارة, الفتاة التي تكبره بعامين, والتي ارتبطت به رباطًا
قويًا لم
يمنعها شيء من قطعه, حتى زواجها من رجل غيره.
لقد
قاد حمد مهمة سرد وكشف عوالم الفصل الأول, مستحضرًا أحداث الماضي,
وكيف وصل به الحال إلى اللحظة الآنية الحاضرة: السادسة والنصف مساء,
وهو توقيت
الزمن الفعلي للرواية. واصفًا اللحظة والحالة والمكان والزمان وكل ما
يتعلق بالحدث,
من
خلال مشاهد متتالية تعتمد على أسلوب (الفلاش باك). فالوقت يمر ثقيلاً
لارتباطه
بالحالة النفسية المشتتة التي يعيشها, هي وداع حبيبته سارة منذ الثالثة
مساء, وهي
في
لحظاتها الأخيرة للولادة بطفلها منه, بالرغم من أنها متزوجة من رجل آخر
(أبو
عبداللطيف), الرجل المسن الذي استولى عليها كزوجة رغمًا عنها مقابل دين
بمبلغ كبير,
كان
سينتهي بوالدها إلى السجن إن هي رفضت القبول به زوجًا. التضحية التي
جرت سارة
خلفها مجبرة إلى بيت الزوجية, لكنها لم تستطع أن تميت الحب, الذي استمر
سنوات بين
سارة وحبيبها حمد, وكان نتيجته أن حملت سارة بطفل من حمد.
إن
الكاتب حينما ترك لأبطال روايته العنان لسرد أحداث الرواية بدلاً
عنه, قد أعطى الحرية الكاملة لشخصياته كي تتحرك بإرادتها سواء كانت
النتائج إيجابية
أم
العكس, فالازدواجية تحكم نتائج العالم بأسره, وليست قصة حب طرفاها رجل
وامرأة
بمنأى عن ذلك.
لقد
عمد طالب الرفاعي, من خلال أسلوب روايته, إلى إقامة علاقة خاصة
ومباشرة بين القارئ وبين أحداثها, حينما وضعه وجهًا لوجه مع شخصيات
حياتية تواجه
مصائرها, وترك له حرية التفاعل معها بالرفض أو الموافقة. ففي كلتا
الحالتين,
التواصل قائم والعبرة بالمحصلة النهائية التي تعلق في ذهن القارئ, وما
قد يخرج به
من
تلك التجربة الحياتية الكاملة, التي تروى له وتأخذه لتفاصيلها, وتنتهي
بأن تقف
حيث
انتهت الرواية.
الكاتب وعلى لسان حمد يقدم لنا شخصية الأب الذي عاصر حياة المجتمع
الكويتي القديمة والحديثة, وكوّن لنفسه قناعاته الخاصة. فهو يصف المرأة
في حوار مع
ابنه حمد قائلاً: المرأة سيجارة تدخنها ولحظة تنتهي منها تفرك عقبها في
المنفضة).
ثم
يصفها في موقف آخر: (المرأة مركوب تلبسه في رجلك.. تدوس عليه وتمشي).
وقد يبدو
هذا
منطقًا مرفوضًا, لكنه يأتي في الرواية منسجمًا مع رؤية شخصية ذاتية
عاشها الرجل
في
الماضي, حيث تعرف على الكثير من النساء, وقضى معهن أوقاتًا دفع الثمن
الرخيص
لها, لكنه أيضًا حينما أحب هجر كل ذلك العالم وأخلص في علاقته بمن أحب
إلى أقصى
درجة, ولم تكن في النهاية من نصيبه لخسة أحد أصدقائه.
أشكال من الحياة
إن
رواية (رائحة البحر) وبقدر اقترابها من حالة المجتمع الكويتي, قد
حملت معاني متعددة لتجارب أكثر تعددية شملت كل أشكال الحياة من المجون
حتى الصوفية
ولكل إنسان ما ارتضى لنفسه, وهذا لم يكن غريبًا على الواقع. إن كان حمد
قد التقى
سارة وفق نبوءة جدته فاطمة, فإن الجدة نفسها قد تنبأت له أيضا بنبوءة
أخرى تقول:
(حين
تعثر عليها.. شيء كبير سيحول بين فتاتك وبينك).
وقد
تحقق قولها حينما أجبرت سارة على الزواج من التاجر أبي عبداللطيف
سدادًا لدين والدها, والذي يصبح عدوًا لحمد حتى أن حمد يعترف لنفسه
قائلاً: (في ذلك
المساء شعرت أنني أكره أبا سارة وأحقد عليه, وكذلك على صاحبه الذي
يشتري الفتيات
بالنقود, ولحظتها قفزت إليَّ هيئة المسدس). هكذا انطلقت شرارة العداء
بين حمد
والرجلين: والد سارة وزوجها, فحمد ترك بيت أبيه, حين عارض أبوه زواجه
من سارة, وضحى
بكل
شيء في سبيل محبوبته, التي تقاد عنوة لرجل آخر, ليخرج حمد محطمًا من
تجربة لا
يعرف كيف ينعتق من هواجسها. لقد عاش حمد قصة حب شريفة مع سارة على أمل
النهاية
السعيدة التي لم تكن مستحيلة, إلا أن القدر وقف حائلاً دون إتمام ذلك.
فقد كانت
الفتاة سارة ابنة ميرفت المصرية التي أحبها الوالد وضاعت منه نتيجة
خيانة أحد
أصدقائه, الذي لم يكن سوى خالد والد سارة, وهكذا كانت لعبة القدر حينما
تجمع طرفاها
حمد
وسارة. وبالرغم من ذلك فالشاب لم يتنازل عن حبه مهما كانت الأسباب
والتضحيات,
لكن
فتاته أخلت بالعهد, ورسمت نهاية قصة حب حكم عليها والدها بالبتر, لكنها
كانت
أقوى ولم تمت.
لقد
جسد الرفاعي من خلال تلك الرواية حياة المجتمع الكويتي في حقبة ما
قبل
النفط, حيث يحكي حمد عن بعض ما عايشه بين أبيه وأمه, التي كانت تخشى
الدخول في
حوار مع الأب رمز القوة والجبروت, وهي في المقابل تمثل الضعف
والاستكانة. فحين
يناديها تسارع بقولها: (لبيك), والمعنى واضح, فذاك زمن يقول الأب عنه:
(الكويت
القديمة كانت داخل سور, ثلاثة أحياء: الشرق والقبلة والمرقاب, يحيط بها
سور من
الطين. أحياء بسيطة وفقيرة وناس طيبون.. بعد الغروب تغلق أبواب السور,
فلا أحد يدخل
أو
يخرج, يلف الظلام المدينة الصغيرة فتنام بمن فيها) مساحة صغيرة كان لها
عالمها
الخاص, وربما كان خضوع المرأة هو جزء من ذلك العالم الذي تغير بعد أن
جاءت كويت
اليوم الحديثة.
لقد
عاش حمد وسارة قرابة ثلاث سنوات في تفاهم وتناغم على أمل النهاية
السعيدة, لكن ذلك لم يتحقق بسبب زواج سارة لأبي عبداللطيف وفق عقد
الزواج, لكن
قلبها لحبيبها حمد وفق مشاعرها وأحاسيسها. فالزوج أبو عبداللطيف خيال
مآتة, حاضر
دون
وجود. تقاوم سارة لفترة وجعها وتوزعها, وما تلبث أن تقرر عودتها
لحبيبها حمد.
تنتقل لتقيم معه في شقته, يمارسا الحياة الزوجية كأي زوجين, حتى تصل
إلى حملها منه,
الذي يفجر أزمة الرواية, وكذلك أزمة المجتمع الذي يرفض هكذا علاقة
مدانة.
دائرة حياة
إذا
كان الكاتب قد أفرد الفصل الأول لحمد لكي يبحر من خلاله في أعماق
الذكريات والواقع من كل الأطراف التي شكلت دائرة حياته, فهو أيضًا
وبالتقنية نفسها,
الاسترجاع - (الفلاش باك), يفرد الفصل الثاني لسارة تجوب فيه بكل
خواطرها وهي على
فراش الولادة. الفصل الثاني هو امتداد للأول فهو يبدأ من اللحظة التي
انتهى فيها
الأول, حيث يجسد عملية الولادة في المستشفى, لتعيش سارة ذكريات ماضيها
مع كل
الأطراف التي تعايشت معهم, بداية من حصة زوجة الأب التي اعتقدت أنها
أمها, فقد تزوج
والدها وكان عمرها عامين لا تعي شيئا ولكنها بفراسة الأنثى وهي طفلة
أحست بفرق
المعاملة مما جعلها تميل إلى الوحدة تمامًا كحمد, وهذا وجه تشابه في
النشأة, وكذلك
لم
تتفق مع أخويها (وليد ومنى) مثلما وقع لحمد مع أخويه, أي أن وجه الشبه
بينهما
كان
كبيرًا منذ اللحظة الأولى, فقد ماتت أمها أثناء الوضع, وكذا كانت ولادة
حمد
متعثرة ولم تتم إلا بواسطة جدته الكفيفة التي أعيد لها بصرها للحظات
حيث التقطت
الطفل, بعدما عجزت الداية عن ذلك.
لقد
نجح الكاتب في رسم شخصياته منذ بدايتها وتكوينها لكي تتلاءم مع
الأحداث, وأظهر الملامح التي تخفي التكوين داخلها وهذه ميزة الفنان,
وكان لافتًا
جدًا تقمصه لعذابات وأوجاع المرأة في لحظات الولادة, وبما يعد إضافة
جديدة للرواية
الكويتية بل والعربية.
لقد
وصلت سارة المستشفى في الحادية عشرة مساء, وعاشت المساحة الزمنية
انتظارًا لولادة طفلها, حيث صور الكاتب لحظات الولادة والمعاناة وألم
الانتظار,
لتضع طفلها مع بزوغ الفجر. في تلك المساحة الزمنية تمكن الكاتب من
تصوير دقائق
مراحل الولادة, ومعايشة آلام الوضع, وما بين لحظات الألم كانت سارة
تستعيد ماضيها
بكل
تفاصيله. معيشتها وآلامها مع زوجة أبيها وأختها, لقاءها الأول مع حمد
وتكراره
وانتظامه قرابة عامين, حين أنهت دراستها وظلت علاقتها به عامين
يتقابلان في الكلية
رافضة أي مشروع للارتباط من غيره, ثم عام آخر بعد تخرجه وعمله, كل هذه
الفترة كانا
يخططان لمستقبلهما وكيف كانت الأماني ممتعة وكيف وكيف.
إن
الكاتب من خلال لغته السهلة تمكن من تكوين لوحات فنية تنبض
بالحياة, كانت مادتها الكلمات والمعاني التي أوضحت الصور بألوانها
الطبيعية, ولم
يغفل عن صغيرة أو كبيرة في البناء الدرامي لشخصياته, بل إن ما يؤخذ
عليه أحيانًا
الإسهاب في تصوير المواقف والتكرار الذي لم يكن يعيب البناء بل يؤكده
ويقويه.
لقد
عاشت سارة ساعاتها القليلة في المستشفى وآلام الطلق القاسية
تحاصرها وتتمكن منها, ومع ذلك اختلست لحظات كي تعاود سرد حياتها بكل ما
فيها.
ذكرياتها الموجعة وآلامها الكثيرة وفرحها النادر داخل بيت لا تشعر فيه
بالود إلا من
جدتها وأحيانًا والدها وفيما عدا ذلك فالجفاء والقطيعة هما العملة
الرائجة في هذا
البيت. ربما شعرت بالراحة ولكن داخل أماكن أخرى. المدرسة الابتدائية ثم
المتوسطة
وأخيرًا الجامعة التي كادت فيها أن تفقد الأمل في الفوز بحبيب كباقي
زميلاتها حتى
كان
لقاؤها بحمد الذي بدأ واستمر وقادها إلى ما هي فيه.
منطق الفن
إن
الكاتب ترك لشخصياته العنان والحرية الكاملة التي يحكمها منطق الفن
لكي
تجوب دنيا الواقع داخل بلد له عاداته وتقاليده وتغيراته ومشاكله
الاجتماعية
والمادية التي تبلورت في فترة ما بسوق المعاملات المالية (سوق المناخ)
الذي أصاب
الكثيرين من تجار البلد بنتائجه القاتلة بعد انهياره, ولم تكن سارة سوى
إحدى
ضحاياه.
مع
ولادة الطفل ينهي الكاتب الفصل الثاني, وقد أخرجت سارة كل ما جال
بخاطرها, ليبدأ الفصل الثالث الذي لم يستغرق أكثر من أربعين دقيقة في
الواقع. حمد
بتوتره وانتظاره لرؤية حبيبته ومولودهما هو محرك الفصل. فهو منذ أن
غادرت سارة شقته
بالأمس منذ أربع وعشرين ساعة, وهو يعيش على أعصابه والوقت محسوب
بالدقيقة وذكريات
كثيرة تتراءى أمامه.. حيث إن سارة ترقد في إحدى غرف المستشفى الذي يقف
أمامه داخل
سيارته, في درجة حرارة عجز التكييف عن قهرها, وهو يتقطع لروية طفله.
فقد علم أن أبا
سارة وكذلك زوجها يلازمانها, حيث طلبت منه تلفونيًا التروي وعدم
الاستعجال بزيارتها
حتى
يخرجا بغية ألا تحدث مصادمات لا يحمد عقباها. لقد ملَّ حمد الانتظار
وهو الذي
يحمل مسدسه الكاتم للصوت, حيث إن الكاتب كان قد مهد لذلك, فقد تعلم حمد
الرماية
وأصبح محترفا في أكثر من تجربة, وها هو يحمل ذلك المسدس في جيبه. يبقى
منتظرًا
بحرقته وهواجسه والضيفان لا يخرجان. ينتظر والمرارة تعتصر قلبه ولكن لا
بد من
نهاية. لقد صور الكاتب تلك النهاية تصويرًا دقيقًا, وكأن كاميرا سينما
تعرض اللقطة
بتصوير مدروس أمام عين القارئ.
لقد
كشف الكاتب من خلال الأحداث عن شخصية حمد وثورة الغضب التي
تنتابه, وتكراره القول لسارة (سأقتله الحقير) بل يزيد على ذلك اعتراف
سارة لنفسها
في
هذيانها أثناء آلام الوضع: (حمد قال سأقتلهما) قاصدة أباها وزوجها وهما
غريماه..
إن
هذه الهواجس مجتمعة يضاف إليها الموقف الأخير وهو اختراق حمد بانتظاره
وهو يعلم
أن
الأب والزوج يلازمان محبوبته والطفل الذي من صلبه, فكان القرار. لقد
وصل حمد إلى
الغرفة 220 التي يوجد يها الثلاثة والطفل, ليفتح الباب ويصوب مسدسه
كاتم الصوت إلى
رأسي الرجلين ليرديهما قتيلين, وينصرف دون أن يحس به أحد سوى سارة التي
كانت مشدودة
ولم
تقو على إخراج صوت. ليعود إلى شقته أمام البحر, البحر الذي شهد
لقاءهما, ومن ثم
هجر
سارة وابتعادها في بداية زواجها, وأخيرًا رجوعها إليه. فرائحة البحر لم
تكن
ثابتة في انبعاثها ولكنها متغيرة بتغير الموقف نفسه.لقد شملت الرواية
أحداثًا
متعددة يعيشها القارئ على لسان كل من حمد وسارة, وكلها تعكس واقعا
كويتيا سواء كان
في
الماضي أو الحاضر, وإذا كان لنا أن نقول كلمة أخيرة بحق الرواية,
فرواية (رائحة
البحر) تقف إلى جانب المرأة في مختلف ظروفها, وتدين كل أصناف الظلم
والقهر الواقع
عليها, وهي بذلك تسجل موقفًا إنسانيًا نبيلاً لكاتبها الروائي طالب
الرفاعي, وتضيف
رواية كويتية خاصة إلى سجل الروايات العربية المهمة.
|
يالائماً لا مني في حبِّهمْ سفهاً |
|
كُفَّ المَلامَ, فلو أحبَبْتَ لمْ تَلُمِ |
|
وحُرْمَة ِ الوَصْلِ, والوِدِّالعتيقِ, وبالـ |
|
العهدِ الوثيقِ وما قدْ كانَ في القدمِ |
|
ما حلتُ عنهمْ بسلوانٍ ولابدلٍ |
|
ليسَ التَّبدُّلُ والسُّلوانُ منْ شيمي |
نرمين الحوطي