الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة الاولى

الناصـرية ... :شجرة طيبة وأهلهـا أطيب ، مائهم فرات و أصوات فنانيهم أعـذب من العـذب!!!

جـلال جـرمكـا ـ سـويسرا

  Tcharmaga@hotmail.com

 أفضل من كتب عن الناصرية ، هو ألأستاذ المبدع ( أحمد الناصري ) ، فلا غرابة ، قيل قديماٌ : أهل مكة أدرى بشعابهـا!! اليس كذلك؟؟، فهو أبن الناصرية ، ولايزال يحفظ في الذاكرة الكثير الكثير!! ، يحمل آلآم ومخاض أهله على مر الزمن ، فتلك المدينة ( الجريحة ) دوماٌ  كانت ولاتزال تنزف دماءٌ ، ومن يعلم لعلها تظل تنزف لأيام أولأشهر أو لسنوات (لاسامح الله )  ، ولاغرابة أيضاٌ ، اليس الوطن بأجمعه ينزف؟؟؟.

وصف ألأستاذ الناصري لم يكن وصفاٌ تقليدياٌ ، بل كانت بمثابة ـ فلم سينمائي ـ يصـٌور تلك المدينة التي أحبها ، وكانت هنالك (لمسات حزن ) واضحة في وصفه ، حيث قال :

مدينة قدرها الفناء الفسيح ، الغناء المر ، الدارمي المختلط مع التعازي والحسينيات والدارمي العميق والحنين الجارف للمكان والخوف من الفراق والبعد والجفاء والقطيعة ، غناء ألأبوذية ،ذلك الغناء المر في نكهته وكلامه المعبأ برائحة القدم والتبغ والطين الحري للأراضي الرسوبية وحفيف القصب وصمت النخيل ألأسود وخجله ووضوحه ، لذلك فهي مدينة غامضة ، متمردة ولاحقاٌ يسارية مغامرة تحمل شيئاتها الثلاث بأعتزاز كبير وعلنية ظاهرة ومفرطة ، فهي شروكية ، حيث تشرق الشمس من الجنوب  ، وشيعية حيث علي ودم الحسين الثائر المسفوك ، شيوعية البدايات والتأسيس وأبنها بالتبني وشهيدها الخالد ـ فهد ـ والخلايا الثورية القوية التي أمتدت ووصلت الى كل بيت وشارع ومدرسة وقرية! ، وهي مدينة راقية أجتماعياٌ ، لأنها تعتز بالمعدان وأبناء الريف وأصحاب الجواميس وعمال صناعة الحياكة المنبوذة لأسباب خاصة وغامضة!!.

الناصرية لاتخل من هذه الصفات ،لأنها ببساطة غير مخجلة وربما تحمل معاني ودلالات جميلة!!.

بعد أن كبرت وتطورت قبائل ( المنتفك ) في القرن الثامن عشر وكثرت تمرداتها ومعاركها الداخلية والخارجية ، رأت الدولة العثمانية في محاولة لتجميع القبائل والسيطرة عليها ، لذلك قررت أنشاء مدينة ( الناصرية ) والتي سميت بهذا ألأسم نسبة الى ( ناصر ألأشقر ) وقد خططها وبناها ( مهندس بلجيكي ) عام / 1876!!.

على أثر ذلك الوصف الدقيق زرنا مدينته، وتجولنا في شوارعها وجلسنا في مقاهيها وأختلطنا بناسها و حزنا بحزنهم ، بحثنا كثيراٌ عن ( الفرحة ) فأخبرونا بصريح العبارة :

لاتفتشوا عن الفرح ،  لأنه ومنذ التأسيس ولحدآلآن لم يزونا، فلا تتعبوا أنفسكم!!!... وآسفاه!!.

عاد بنا ( الناصري ) 129 سنة الى الوراء ، وبالضبط الى سنة / 1876 ، لقد جعلنا نتخيل :

مهندس ـ بلجيكي ـ يتعمر ـ قبعة ـ كبيرة لتحميه من لهيب الشمس الحارقة!! ، وفي فمه ـ غليون ـ كبير ، ويرتدي سروالاٌ من اللون ( الكاكي ) ومن النوع العريض ، فهو طويل القامة ، له شاربين طويلين ، وجهه جميل ، أشقر ، ولكنه عصبي المزاج!! ، فالمعضلة الرئيسية ـ التفاهم ـ !! ، فهو يعاني من مسألة التفاهم مع عماله!!.

هاهو ـ المستر ـ يقف بطوله وراء ـ جهاز التخطيط ـ ويؤشر بيديه للعامل الذي يحمل ـ خشبة ـ طويلة في نهاية الشارع ليقوم ألأول برسم أول شارع لتلك المدينة !! ، من يعلم لعلها ستصبح في يوم من ألأيام من المدن الكبيرة والمزدحمة ، لذلك عليه أن يحسب لها الف حساب!!.

العمل مستمر في تخطيط أول شارع ، ومن يعلم لعله سيكون آخر شارع!!؟ ، ويأتي وقت الغداء!! ، يفترش العمال مالديهم من طعام وهي عبارة عن ( خبز يابس  ورأس بصل وكم حبة تمر )  ، أجتمع الجميع  وقبل البدأ بتناول الطعام ، نهض كبيرهم وتوجه نحو ـ المهندس ـ وأفهمه بالأشارة ليتفضل معهم ويتناول ـ المقسوم ـ ، ضحك المهندس وقدم

ـ تشكراته ـ وأفهمه بأنه ليس جائعاٌ!!! ، كم أنتم كرماء [ حتى في هذه الوجبة البسيطة ] لانتسوا الضيف أو الغريب!، أكتفى ـ المستر ـ بالجلوس تحت ـ مظلة سوداء ـ وأمامه طاولة ـ صغيرة ـ عليها قدح من ـ الشاي ألأسود ـ وقدح من الماء ، من شدة الحرارة أصبحح تناوله من المستحيلات!!.

بعد فترة ، ينهي ـ المهندس ـ وعماله ، المشروع ، ويحتفلون بأفتتاحه ، ويذهب المهندس الى بلده ومن غير عـودة!!.

ينتقل بنا ( الناصري) الى الشارع ـ المكير ـ ، فاللشوارع متطلباته ، المحلات ، المقاهي ، الناس ، ألأسواق ....الـخ ،

تجولنا في ذلك الشارع ... جلسنا في مقاهيه الكثيرة ، جلسنا في ، مقهى [أبو حنان ، أبو أحمـد ، الكردي ، العمال ، الكازينو السياحي الصيفي ، العمال !!] ، جلسنا على ـ كراويتاتهـا ـالخشبية العارية ، والمغطات بـ ( حصيرة ) نصفها محروقة بسبب المدخنين.. آه من التخين!! ، لماذا كل هذا التدخين ، وهل أهالي الناصرية يشكون من المشاكل حتى يدخنون بهذا الشكل؟؟؟!!، أحتسينا الشاي ، وأسمعونا الطرب ألأصيل للفانون الخالدون ( حضيري أبو عزيز ، وجبار ونيسه ، وناصر حكيم  و ستار جبار )!!! ، آه كم تمتعت بأغنية الراحل ـ حضيري / سلم علىٌ بطرف عينه وحاجبة ـ لقد أعادتني عقود من الزمن الى الوراء!!.

تحولنا الى، سوق القماش و الخياطين ، وعرجنا على الخياط الذي يخيط بدلات ـ أبو كاظم / داخل حسن ـ  ورأينا في محله عدد من صور ذلك الفنان الخالد ـ ألأنيق ـ الذي غنى أطواراٌ ،أطرب الكردي قبل العربي!!.

بعدها كان لابد من أن نمر على المكتبتين الوحيدتين في ( الولاية ) ، أي ( ألأهالي و14 تموز ) ، بعد السلام والتحية رأينا المكتبتان خاليتان من الكتب!! ، سألتهم عن السب؟؟ ، رد علىٌ أحدهم ، وهو يلتفت الى اليمين والشمال  :

هل أنت طبيعي؟؟؟ ، ـ عمي العفالقة ماخلوا شىء ـ أمشي ، أمشي ولاتتلفت!!!.

ونحن في شارع ـ العشرين ـ رأينا شيئاٌ أغرب من الخيال :

رأينا المرحوم ـ شنيشل ـ يحمل يافطة كبيرة كتبت عليها : وطن حر وشعب سعيد!!! ، وجاء أحد الجلاوزة ، وهو يحمل رشاشة كلاشنكوف ، أمطر ـ شنيشل ـ بوابل من النيران ، أسقطه أرضاٌ وأستشهد في الحال!! ، بكينا كما بكى أهالي شارع العشرين!! ، وآسفاه ... لقد قُتل!! .... نم قرير العين يا شنيشل ، فأنت شهيد ، متى ( مات الشهداء؟؟؟).

بعد خطوات ، رأينا ـ يافطة ـ صغيرة ، تقول أن هنالك أمسية شعرية للشاعر المبدع / زامل سعيد فتاح  ، حضرنا ألأمسية ، آه ، كم كانت رائعة !! ، لقد قال ( زامل ) ما لم يقوله غيره ، وجدت من بين الحضور ، الشاعر الكبير / عريان السيد خلف ، والكاتب والروائي / محسن الخفاجي!! .

ونحن هناك ، سمعنا أن في اليوم التالي هنالك ، معرضاٌ للفنون التشكيلية لفناني ـ الولاية ـ منهم ـ عبد الحسين جولان ، و فائق حسين  ـ وغيرهـم !!  زرنا المعرض، أندهشنا من روعة اللوحات.......، سلمت أياديكم يا أهل الفن ألأصيل، معقولة ( مدينة الغبار و القهر ) تنجب هؤلاء؟؟؟!!؟.

عدنا ثانية الى شارع عشرين ، فوجدنا مجموعة من الشيوخ يتخذون ركنا من أحدى البنايات ويفترشون ألأرض ومنهمكون بالحديث عن هموم الدنيا، ما أن رأوني ، حتى نهض أحدهم وقال بلهجته الساحرة :

أظنك من كردستان؟؟، فقلت :نعم ، قال ( سلملي على ملامصطفى البرزاني ) ، قلت له أنشاءالله!! .

بعد أن أبتعدنا ، همس بأذني أحدهم وقال أن ( العم حسين ) من ربعكم، حيث أن ولده الوحيد ( بيشمركة ) ضمن قوات الحزب الشيوعي ويقال أنه يلبس الملابس الكردية وتعلم لغتكم أيضاٌ!!!.....، فرحت جداٌ بكلامه!! ، أهل الناصرية أيضاٌ بيشمركة؟؟؟.

في المساء كنا متوجهين الى الكازينو السياحي الصيفي ، تفاجأنا بوجود حفل كبير بمناسبة ألأول من آيار ،وعلمنا فيما بعد أن كبار فناني المدينة سيحيون الحفل ، وأخبرنا صاحب الكازينو بوجود مفاجأة!! ،أبتدأ الحفل فكان في مقدمتهم شيخ الطرب الفنان ألأصيل ( داخل حسن ) ، حيث أطرب الحاضرين بمجموعة من ألأبوذيات والبستات الجميلة ، مسك الختام كانت بأغنية ( يمة يايمة )!! ، أي أم يقصد غير الوطن!!!؟؟ ، بعدها جاء دور ـ حضيري أبو عزيز ـ أطربنا بأغنية

( ياحمٌيد) ، ثم جبار ونيسة !! ، ثم ستار جبار!! ، يالها من ليلة ، تلك ألأصوات العذبة من تلك الحناجر الذهبية تمتزج مع النسيم القادم من على الفرات!!! يا الهي!! ماهذه المدينة الساحرة في كل شىء؟؟.

المفاجأة ،هي وجود مطرب المقامات الكردية ( علي مردان ) وقد غنى أكثر من مقام مـع بستة (فاطمة ذات العيون النعسانة)!! ، كدت أطير من الفرح!!! آه ... ياالناصرية .... كم أنت سعيدة وحزينة في آن واحد!!!.

 

لماذا الناصرية ؟؟؟:

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قد يستغرب القارىء الكريم ويسأل : ما هذا الكردي المتطفل؟؟ ، أين هو من ـ الناصرية ـ وأهلهـا وتأريخها وحاضرها وفراتها؟؟ ، أقول :

أحببت ـ الناصرية ـ وأهلهـا رغم أنني لم أزورها ، ولم أكحل عيني برؤيتهأ ... وآسفاه ، مع ذلك أحببتها بكل جوارحي وذلك لأسباب منطقية ، منهـا :

ــ 1 / كنت صغيراٌ ، سمعت من جهاز المذياع ( الراديو )  ، أسماعيل شبانة يغني ، أغنية ـ للناصرية ـ  ، سألت أحد عمامي وكان يميل ألى ألأفكار الشيوعية ، سألته : ماهي الناصرية ؟؟ ، أجابني : موطن ألأبطال والفن والشعراء!! .

منذ ذلك اليوم كلما تُذكر أسم الناصرية ، أتذكر ماقاله عمي الشيوعي !! .

ـ 2 /  في الخدمة العسكرية ، ولفترة أربعة سنوات ، عايشت ـ أعز ألأصدقاء ـ وهو النائب ضابط ـ ناصر ـ / أبوجمال

من عشيرة ـ آل سهلان ـ   كان أنساناٌ بمعنى ألأنسانية ، طيب القلب ، يميل الى النكات ، يحفظ من الشعر الكثير  ، حدثني عن الناصرية كثيراٌ ، بحيث أصبحت أعرف الكثير عنها وأنا لم أزورهـا!!.

ــ 3 / خلال فترة السجن تعرفت على الكثيرين من أهالى الناصرية ، منهم من الذين لايمكن أن أنساهم الى يوم يبعثون هـو / ألأخ وألأستاذ ـ أحمد عبد الستار ـ والمشهور بيننا بـ ( أحمد ناصريـة ) ، كان قد حكم عليه بعشرون عامـاٌ بسبب أنتمائه الى ( الحزب الشيوعي العمالي )  ، كان مثقفاٌ الى ( حد المبالغـة ) ، تعلمت منه الكثير كان فصيح اللسان ، لم لاء وهو سياسي (شيوعي) وخريج كلية آلآداب / فرع اللغة العربية ، ظل (أحمد ناصرية ) في ذلك المعتقل لسنوات عديدة ، ومع خروجي من السجن ، كنا نتبادل الرسائل ، وقبلها كنت قد قطعت الزيارات الى السجن بسبب منعي من قبل أدارة االسجن ، وقد طلبني مدير السجن / المقبور / العقيد حسن العامري وقال بالحرف الواحد : أذا رأيتك مرة ثانية تأتي الى زيارة السجناء سوف أحجزك !! وعندي أمر بذلك!!.

وأحمد كان حديثاٌ قد دخل ( القفص الذهبي ) لم يمضي على زواجه سوى عدد من ألأشهر حينما القي القبض عليه!! ، كان كالفولاذ أثناء التحقيق ، بالرغم من كل الوسائل ،ألا أنه لم يعترف على أحد!!.

كل هذا وتريدوني أن لا أحب الناصرية؟؟؟.

عهـد علىٌ ، في أول زيارة لي الى الوطن سأزور بلد (ألأبطال والشعراء و الفنانين ) ، سأجلس في مقاهيهم ، وأتمشى في الشارع الذي خططه ـ البلجيكي ـ ، وٍازور ( خياط ) داخل حسن ، وسوق الندافين ، والخضرة والفواكه ، وسأتوجه مع أعزائي ( أبو جمال و أحمد عبد الستار ) الى ـ بهو البلدية ، أو أي نادي آخر   ـ ونسهر حتى الصباح على أنغام وصوت الفنان الكبير / حسين نعمة ، ولامانع من أن نحتسي ( اللي مايسماش) أي ( حليب سباع) حتى القطرة ألأخيرة!!!.

ولا أظن أن ذلك من المستحيلات!!!.