الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

من أين تأتي الطعنة الغادرة ؟! احتفاء بالقتلة أم احتفاء بموت الضمير الأخلاقي ؟!

بقلم : حاتم عبد الهادي

أكاديمي عراقي مقيم في لندن

 

     إلى متى يظل عرب الجوار يزينون جثثنا بالموت و يحتفون بالقتلة ؟ و متى يتوقف هدير نهر الدماء الثالث في بلاد ما بين النارين ؛ نار الحرب الطائفية التي يحمل لوائها الآن بعض من العرب السنة و قد زينت لهم الباطل أحقاد فرسان الجوار ممن يتشهون سفك الدم العراقي بتلذذ مريض ، و نار الحرب العنصرية بدعوى أن هؤلاء وحدهم ، دون شركائهم ( الآخر ) –ين في المواطنة ، شعب الله المختار من العرب الأقحاح الذين اصطفاهم رب العزة  و فضلهم على العالمين أجمعين . ألا ساء ما تظنه عقول مريضة إلى هذا الحد ! 

     ففي السلط تحتفل عائلة القاتل الأردني الهالك في سعير الحقد على العراق ، و تتلقى التهاني و التبريكات ممن يتلثمون بالإسلام لا لشيء إلا لأنه قد تمكن من سفك الدم الطاهر لأكثر من 300 عراقي بين شهيد أو جريح في مدينة الحلة ، ظنا منه و منهم أن الضحايا شيعة فقط . و لا يعرف هؤلاء الذين إلتاثت قلوبهم و فسدت عقولهم أن الحلة مثل باقي مدن العراق الأخرى تتعايش فيها كل أطياف الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه .

     و أنى لإرهابي كرائد منصور البنا أن يستهدف الشيعي دون غيره وسط حشد من المدرسين و الموظفين من كل نوع ؟ و لماذا يصبح أي تجمع شيعي هدفا محتملا للقتلة تبيحه لهم فتاوى أئمة الظلال ممن ضاقت بحقدهم السموات و الأرضين ؟ و كيف فات هؤلاء الأخسرين أن الشيعة ورثة و أحفاد أبي الأنبياء ، إبراهيم الخليل (ع) الذي ولد في الناصرية العراقية لا في السلط أو القامشلي  أو الرياض و غيرها . و هو بالذات من بذل العرب و المسلمون معا جهدهم لكي يتشرفوا بالانتساب إليه لا العكس كما يهلوس العروبيون و ينبحون ليل نهار .

     ثم أي إسلام هذا الذي يستحل دماء المسلمين بسبب تنوعهم المذهبي ، و يمجد القتلة الذين يمنعون رحمة الاختلاف التي أشاد بها نبيهم الذي يظهرون إتباعه ؟ أفلا ينظرون إلى التنوع المذهبي في الطائفة الواحدة . فالسنة مثلا فيهم الشافعي و الحنبلي و المالكي و الحنفي الخ.و كذا غيرهم . أم أن بدع الحقد السلفي التكفيري الذي يقف ، الآن ،  إلى جانبها العروبيون  يخفي ما هو أعمق من ذلك و أخطر ؟

     إذ ما ان انهار نظام صدام ، شيخ أشياخ القتلة في  الشرق الأوسط ، حتى تكشف هول الصدمة عن مجتمعات كراهية أنشبت مخالبها و أنيابها في خواصرنا ، و راحت تلغ في دماءنا ، لمنع ولادة عراق جديد لا يريد أن يكون مجرد بقرة حلوب لكل من هب و دب من رعاع الأرض على حساب العراقيين  فما انطفأ مصباح في بلاد الرافدين إلا و أضاء  في بلد من بلدان الجوار أو غيرها  و ما هذا بخاف على أحد . 

     و بالإضافة إلى هؤلاء المتضررين من سقوط الطاغية ، هنالك من يخشون على امتيازاتهم الراهنة من أن تعصف بها رياح التغيير الديموقراطي التي يتوقع هبوبها من العراق الجديد . و يشكل كل من هؤلاء و أولئك ( المتضررين و المتخوفين معا ) الطبقة التقليدية سياسيا و عسكريا و اقتصاديا ، تلك التي حكمت بلدان الشرق الأوسط منذ عقود . و يعرف الجميع كيف رعت هذه الطبقة المتنفذة التيارات الدينية المتشددة إلى الحد الذي كانت تعتقد انه لن يشكل خطرا عليها ، واستخدمتها ككلاب حراسة للوقوف أمام المد اليساري طوال الحرب الباردة . و بالطبع أنا لا أقصد بهذه الطبقة النفعية المتنفذة الحكومات الرسمية في هذا البلد أو ذاك بقدر ما هي طبقة تقليدية حاكمة بصرف النظر عن وجود تلك الحكومات الرسمية  أو تبدلها .

     و كان الحلف الشيطاني ، بين هذه الطبقة النفعية الانتهازية و كلاب حراستها المتلفعة بلثام الإسلام ، يقوم في الأساس على كراهية ( الآخر )  و نبذه و إقصائه ( و هو الشيوعي أو الثوري أو الملحد آنذاك ) ليتطور ، من ثم ، إلى  رغبة في الفتك بكل معارض ، و مختلف عنهم ، و ( آخر ) ممن يحسبون انه قد يشكل خطرا يتهددهم . فتكرست قيم التسلط و القمع و الاستبداد على كل من مستويي الحاكم و المحكوم معا بفعل هذين الطرفين . و ما بينهما راحت تسعى أجيال من المثقفين الانتهازيين لمسح أحذية الحكام و تمسيد لحى كلاب حراستهم . فسكتت الأقلام و الحناجر بعدما ماتت الضمائر  عن التنديد بمشاعر الكراهية المرضية لدى شعوب الشرق الأوسط التي تدفعها وطأة البؤس الذي ترزح تحته إلى تحميل ( الآخر ) - ين أيا كانوا مسؤولية ما هم عليه .

     و لعل هذا وحده يفسر ما لمسته شخصيا من ابتهاج بعض العرب و المسلمين ، على نحو منفر ، في كل من سوريا و الأردن و السعودية و غيرها ، عندما انتحرت بحقدها ثلة من أسوأ ما أنتجه التعصب الإسلامي و العروبي ، مخلفة آلاف الضحايا الأبرياء في (( غزوة منهاتن )) سيئة الصيت في 11-أيلول ( سبتمبر ) . حيث تبادل المواطنون العاديون التهاني و التبريكات على نطاق واسع و ملحوظ . و كانت مشاعر الارتياح و السرور بادية على وجوه الناس و بتشف لا يعتاش إلا على آلام ( الآخر ) ين من الضحايا الأبرياء . حتى انك كنت لتسمع  الناس و هم لا يخجلون من رفع عقائرهم بالدعاء لشيخ مجموعة الذئاب البشرية ، ((المجاهد)) أسامة مثلما يبتهلون إليه .

     و الجهاد الإسلامي لدى هؤلاء ما هو إلا رداء فضفاضا يمكن أن يتسع حسب الظروف للأحقاد و الجرائم من كل نوع ، كقتل المدنيين الأبرياء و الاصطفاف مع الطغاة و العبث بحياة الآمنين و نهب ممتلكاتهم إلى ابتزاز عواطف البائسين و ضعفاء العقول ممن وقعوا في دائرة سحر الإعجاب بقتلة إسلاميين من أمثال أسامة بن لادن و الزرقاوي و أضرابهما . لذا فان الجهاد ، كما هو معتاد ، عند هذا النوع من العرب و المسلمين مجرد باب من أبواب تصريف مشاعر الحقد و الكراهية ضد "الآخر" .

     و لعل العراق الآن يشكل بالنسبة لشعوب الجوار نموذجا مثاليا لتجسيد مخاوفهم من "الآخر" المختلف  بسبب ظهور الشيعة على الساحة السياسية و هيمنتهم على التنوع الديموغرافي المعقد ، و لوجود أمريكا المقلق و خططها المعلنة لتصدير الديموقراطية انطلاقا من النموذج المرتقب الذي تنوي التأسيس له في بلاد ما بين النهرين . و ربما استدعى خوفهم المتوقع من كل ما يمثل هذا "الآخر" المعاصر ذكرى مخاوف تاريخية قديمة يبدو ان جراحها لم تندمل بعد . و إلا بماذا نفسر استعادة القتلة لمسميات من قبيل جيش "الشام" ، وهو فصيل من فصائل القتل و الذبح في العراق الآن .

     إذ يمكن أن تحيلنا إشارة كهذه إلى الصراع الأزلي بين قيم الثقافة الزراعية المتحضرة لدى العراقيين مع قيم الثقافة البدوية المتدنية لدى الشاميين بفعل حلفهم التاريخي مع أعراب الجزيرة العربية . و كان هذا الصراع قد غذته العداوات التاريخية الغابرة التي خلفتها الصدامات بين دولة المناذرة العراقية و الغساسنة الشامية ، ثم النزاع المرير بين الكنيسة الشرقية في طيسفون العراقية و الكنيسة الغربية ، وصولا إلى الاقتتال الدموي بين العباسيين و الأمويين و انتهاء بإثارة مشاعر العنف الطائفي و المذهبي بينهما والتي يغذيها في المقام الأول الخوف المرضي من "الآخر" و عدم الرغبة في تقبله . 

     و لكن من أين تأتي الطعنة الغادرة ، و من يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن الجرائم التي ترتكب بحق العراق غير نفر ضال من العراقيين الذين ماتت ضمائرهم ؟ فترى إليهم و قد  تلثموا بحزام الغدر الناسف لمن يجندونهم بدعوى الجهاد تارة أو تلثموا بسكاكين قطع رقاب الأبرياء بدعوى المقاومة تارة أخرى . و غفل هؤلاء عن ان العراقيين من العرب السنة كان لا بد لهم عاجلا أم آجلا ان يدركوا خطئهم حالما يتذكرون أنهم عراقيون أولا ، فيعزلونهم و يصطفون مع شركائهم في الوطن مثلما يهيئون أنفسهم لكي يفعلوا الآن .

     إذ ان العرب السنة مكون أساسي لتحقيق التوازن السياسي الضروري لبناء العراق الجديد . و لقد ولت إلى غير رجعة تلك الأيام التي كان فيها هذا التكوين ينفرد بالحكم دون الكرد في الشمال بحجة انهم ليسوا من العرب ، و ينبذ الشيعة في الجنوب طائفيا بسبب من اختلافهم المذهبي ، و عنصريا بذريعة التشكك الدائم بعروبتهم . و ما آليات طرد و نبذ و إقصاء ( الآخر ) ين هذه إلا  وسائل لتحقيق أغراض سياسية كانت تخدم ، في المقام الأخير ، تبرير حكم الأقلية على الأغلبية ، مع كل ما ينجم عن ذلك من مشاكل اجتماعية و سياسية خطيرة لا يمكن تفسيرها إلا بالخوف من ذلك (الآخر) الذي يتهدد دوما من يشعر به بالقلق و الضياع .

      و من ناحية أخرى ، لعلي لا أجانب الصواب إذا ما نظرت إلى دور هذا الخوف من ( الآخر ) في تفسير قلق و عدم ارتياح العراقيين في الداخل من شخصيات و أحزاب المعارضة القادمة من الخارج منذ أول اجتماع لها في الناصرية عقب سقوط نظام صدام مباشرة . فمن منا لا يذكر الشعارات العدائية التي رفعها المتظاهرون الشيعة في الناصرية خارج خيمة الاجتماع و هم يهتفون : ((نعم . نعم . لأحزاب الخنادق . كلا  كلا . لأحزاب الفنادق)) و التي تجسدت أخيرا في ظاهرة المتطرف الشيعي الشاب مقتدى الصدر . و من منا لا يذكر ، في المقابل ، كيف كان المتطرفون من السنة العرب يتهمون الأحزاب العراقية العائدة بالعمالة للأجنبي و بأنها جاءت على ظهر الدبابات الأمريكية ، و كيف تحولت هذه المشاعر العدائية ، من ثم ، إلى رفع السلاح و سكاكين قطع الرقاب و تجنيد الانتحاريين ممن كفروا بنعمة الحياة و انتهاء بحرق و تدمير البنية التحتية لصناعتي النفط و الطاقة الكهربائية و ما إلى ذلك .             

     لكن الرهان الآن إنما هو على بناء أمة عراقية جديدة على أسس المواطنة و العدالة و التداول السلمي للسلطة . لذا فان اصطفاف السنة العرب مع شركائهم (الآخر)ين في الوطن ،  يمكن أن يخدم كثيرا في تبديد بعض المخاوف المشروعة من احتمالات  تطرف عنصري لدى الكرد أو تطرف طائفي لدى الشيعة أو تطرف عنصري طائفي لدى العرب السنة . كما يمكن لهذا الطرف المغيب بإرادته ان يرتقي بمواقفه إلى التحالف المتوقع ، مثلا ، مع القوى الليبرالية المعتدلة لإعطاء فرصة لتهيأة التربة لظهور الغالبية السياسية المرجوة بدلا من الغالبية الطائفية أو العنصرية . و بالنتيجة سيهتدي العراقيون إلى بناء شخصيتهم الوطنية التي يسهمون جميعا في بنائها ، فلا يشعر أحد منهم بالنبذ أو الإقصاء مثلما يشعر البعض الآن .

     و حتى ذلك الحين ، ينبغي أن يكف الضالون من بعض العراقيين عن التلثم بشعار لعبة المقاومة المسلحة - و قد افتضحت نواياها الخبيثة - أو التستر وراء كل من تلقي بهم جيف البطون على العراق من قتلة و مجرمين . و حتى لا تتكرر المأساة و لكي يتوقف ، في النهاية ، نهر الدماء الثالث في بلاد ما بين النهرين ، علينا أن نسأل أنفسنا دائما : هل ما جرى في مدينة السلط الأردنية كان احتفاء بسفك الدم العراقي  ، أم كان احتفالا لتلقي التهاني و التبريكات بموت الضمير الأخلاقي لدى بعض المسلمين من عرب الجوار و غيرهم ؟!