انقلاب
8 شباط 1963 الفاشي
حامد الحمداني
الجزء
الثاني
لاشك
في أن الدور الأول في الإعداد للانقلاب كان
لشركات النفط ،بعد أن أقدم عبد الكريم قاسم
على إصدار قانون رقم 80 لسنة 961 ،بعد صراع مرير
مع تلك الشركات ،والتهديدات التي وجهتها إلى
حكومة الثورة ،ذلك لأن النفط بالنسبة للدول
الإمبريالية أمر لا يفوقه أهمية أي أمر آخر
،ولذلك نجد أن جَلّ اهتمام هذه الدول ،وعلى
رأسها الولايات المتحدة ،هو الاستحواذ على
منابع النفط ،وإحكام سيطرتهم عليها .
ولما
جاءت ثورة الرابع عشر من تموز ،واتخذت لها
خطاً مستقلاً ،بعيداً عن الهيمنة
الإمبريالية ،هالهم الأمر ،وصمموا منذُ
اللحظات الأولى على إجهاض الثورة ،والقضاء
عليها ،وبالفعل نزلت القوات البريطانية في
الأردن ،والأمريكية في لبنان ،وحشدت تركيا
قواتها العسكرية على الحدود العراقية من أجل
العدوان على العراق .
إلا
أن موقف الاتحاد السوفيتي المساند للحكومة
الثورية الجديدة آنذاك،وتحذيره
للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق
،وحشد قواته على الحدود التركية ،وتحذيرها من
أي محاولة للتدخل والعدوان ،كل تلك الإجراءات
أسقطت في يدهم ،وجعلتهم يفكرون ألف مرة ،قبل
الإقدام على أي خطوة متهورة .
وهكذا
جاءت الريح كما لا تشتهي السفن ،كما يقول
المثل ،غير أن الإمبرياليين لم يتركوا مسألة
إسقاط الثورة أبداً ،بل بادروا إلى تغير
خططهم بما يتلاءم والظروف الجديدة ،محاولين
إنهاء الثورة من الداخل ،مجندين حزب البعث
،وطائفة من القوى القومية ،لتنفيذ أهدافهم
الشريرة كما اعترف [علي صالح السعدي ] أمين سر
حزب البعث قائلاً [
لقد جئنا إلى الحكم بقطار أمريكي ] .
كما
ذكر الملك حسين ، ملك الأردن،في مقابلة
أجراها معه [ محمد حسنين هيكل ] رئيس تحرير
صحيفة الأهرام في فندق [ كريون]في باريس حيث
قال الملك :
{تقول
لي أن الاستخبارات الأمريكية كانت وراء
الأحداث التي جرت في الأردن عام 957 ، أسمح لي
أن أقول لك أن ما جرى في العراق في 8 شباط 963 قد
حضي بدعم الاستخبارات الأمريكية ، ولا يعرف
بعض الذين يحكمون بغداد اليوم هذا الأمر
،ولكنني اعرف الحقيقة .لقد عقدت عدة اجتماعات
بين حزب البعث والاستخبارات الأمريكية ، وعقد
أهم تلك الاجتماعات في الكويت وأزيدك علماً أن محطة
إذاعة سرية كانت قد نصبتها الاستخبارات
الأمريكية في الكويت ،وكانت تبث إلى العراق
وتزود يوم 8 شباط رجال الانقلاب بأسماء
الشيوعيين وعناوينهم للتمكن من اعتقالهم
وإعدامهم .
كما
أن أحد أعضاء قيادة حزب البعث عام 963 ،طلب عدم
ذكر أسمه ،قد ذكر لمؤلف كتاب العراق ،الكاتب [
حنا بطاطو ] أن السفارة اليوغسلافية في بيروت
حذرت بعض القادة البعثيين من أن بعض البعثيين
العراقيين يقيمون اتصالات خفية مع ممثلين
للسلطة الأمريكية .وهذا ما فيه الكفاية عن
الدور الذي لعبته الإمبريالية في الإعداد
للانقلاب .
لقد
حكم الانقلابيون البعثيون مدة تسعة أشهر ،كان
إنجازهم الوحيد خلالها هو
شن الحرب الهوجاء على الشيوعيين
والديمقراطيين ، وكانت تلك الأشهر بحق أشهر
الدماء ،والمشانق ،والسجون والتعذيب ،وكل
الأعمال الدنيئة التي يندى لها جبين
الإنسانية ،حتى وصل الأمر بعبد السلام عارف
شريكهم في الانقلاب ،ورئيس جمهوريتهم ،بعد
انقلاب شباط ،أن أصدر كتاباً ضخماً عن
جرائمهم وأفعالهم المشينة سماه [ المحرفون] .
الانقلابيون
:
ضم
فريق الانقلابيين حزب البعث بقيادة كل من :
علي صالح السعدي ،وأحمد حسن البكر ، وطالب
شبيب ،وحازم جواد ،ومسارع الراوي ،وحمدي عبد
المجيد ،والضباط البعثيين ،عبد الستار عبد
اللطيف ،والمقدم المتقاعد عبد الكريم مصطفى
نصرت ،وصالح مهدي عماش ،وحردان عبد الغفار
التكريتي ،ومنذر الونداوي ،بالإضافة إلى
القوى القومية التي ضمت كل من : عبد السلام
عارف ،وطاهر يحيى ،وعارف عبد الرزاق ،وعبد
الهادي الراوي ،ورشيد مصلح ،وعبد الغني
الراوي وعدد آخر من صغار الضباط .
ثانيا:
تنفيذ الانقلاب في 8 شباط 1963 :
أختار
الانقلابيون الساعة التاسعة من صباح يوم
الجمعة الموافق للثامن من شباط 963 ،وكانت لهم
حساباتهم في هذا الاختيار ،فيوم الجمعة يوم
عطلة ،ولا يتواجد في المعسكرات سوى الضباط
الخفر،وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط
المتآمرين في ذلك اليوم ،ليسهل عليهم عملية
تنفيذ الانقلاب ،كما أن قيام الانقلاب في
الساعة التاسعة صباحاً أمر غير متوقع ، حيث
جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في
الساعات الأولى من الفجر ،ورغم وصول إشارة
إلى وزارة الدفاع قبل ساعة ونصف من وقوع
الانقلاب ،إلا أن آمر الانضباط العسكري
،الزعيم الركن عبد الكريم الجدة لم يأخذ ذلك
على مأخذ الجد ،وأعتقد أن ذلك نوع من الخيال .
يقول
أحد الضباط الوطنيين المتواجدين في وزارة
الدفاع ،وكان ضابط الخفر ذلك اليوم : { دق جرس
الهاتف في الساعة السابعة والنصف من صباح ذلك
اليوم ،الثامن من شباط ،وأسرعت لرفع سماعة
الهاتف ،وإذا بشخص مجهول يحدثني قائلاً:
إنني
أحد الذين استيقظ ضميرهم ،ووجدت لزاماً على
نفسي أن أبلغكم بأن انقلاباً عسكرياً سيقع ضد
عبد الكريم قاسم في الساعة التاسعة من صباح
هذا اليوم ،ينطلق من قاعدة الحبانية الجوية
،وكتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب ،ثم
أغلق الهاتف ،ثم يضيف الضابط الخفر قائلا
،أسرعت بالاتصال بالزعيم عبد الكريم الجدة
،آمر الانضباط العسكري ،أبلغته بالأمر ،فما
كان منه إلا أن أجابني قائلاً :
{
هل أنت سكران يا هذا ؟ كيف يقع انقلاب عسكري في
يوم 14 رمضان ،والزعيم صائم !! والناس صيام !!،وفي
مثل هذا الوقت الذي تتحدث عنه ضحى،فلم يسبق أن
وقع انقلاب عسكري في وضح النهار ثم أغلق
الزعيم الجدة سماعة الهاتف }.
كان
ذلك الموقف من عبد الكريم الجدة ،يمثل سوء
التقدير للوضع السياسي في البلاد ، فقد كان
الجو السياسي مكفهراً ،ونشاط المتآمرين يجري
على قدم وساق ،وإضراب الطلاب على أشده ،كما أن
الحزب الشيوعي كان قد أصدر بياناً في 3 كانون
الثاني 963 ،وزع
بصورة علنية وعلى نطاق واسع ،حذر فيه من خطورة
الوضع ومما جاء فيه :
{
وهناك معلومات متوفرة تشير إلى الكتائب
المدرعة في معسكرات بغداد ،ولواء المشاة
التاسع عشر الآلي قد أصبحت مراكز لنشاط عدد
كبير من الضباط الرجعيين ،والمغامرين الذين
يأملون تحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق
لانقضاض مفاجئ على استقلال البلاد ،ولقد
حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض
،وللموعد الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة
الأزمة السياسية الراهنة وعدد الزيارات التي
يقوم بها كبار الجواسيس الأمريكيين لبلدنا
،ووجه الحزب نداءه لعبد الكريم قاسم لأجراء
تطهير واسع ،وفعال في صفوف الجيش } .
إلا
أن عبد الكريم قاسم لم
يأخذ بذلك التحذير مأخذ الجد ،معتقداً
أن ذلك لا يعدو أن يكون تهويلاً يستهدف
أهدافاً حزبية ضيقة .
كان
الأولى بعبد الكريم الجدة ،الاتصال بعبد
الكريم قاسم فوراً واستنفار كل الأجهزة
،والقوات العسكرية،وسائر الضباط الذين لا
يشك بولائهم للثورة ،وخاصة قائد القوة الجوية
،ولكن شيئاً من هذا لم يحدث .
وُزعت
الأدوار على الضباط الانقلابيين ،ومنظمات
حزب البعث ،وأفراد الحرس القومي ،الذي أُعد
مسبقاً ودُرب وجُهز بالسلاح !! ،وجعلوا ساعة
الصفر اغتيال قائد القوة الجوية ،الشهيد [جلال
الأوقاتي ] .
كان
البعثيون قد رصدوا حركته ،حيث أعتاد صباح كل
يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه
وترصدوا له ذلك اليوم وهو خارج وبصحبته
ولده ،حيث أطلقوا عليه النار ،وأردوه قتيلاً
في الحال وجرى الاتصال بالزمرة
الانقلابية،وتم إبلاغهم باغتيال الأوقاتي
،وعند ذلك تحرك المتآمرون ،حيث قاموا بقطع
البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب ،وتركيب
تحويل في مرسلات الإذاعة ،وبدأ البث فيها من
هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة .
وفي
نفس الوقت قام منذر الونداوي بطائرته من
قاعدة الحبانية ،وحردان التكريتي من القاعدة
الجوية في كركوك بقصف مدرج مطار الرشيد
العسكري ،وتم حرثه بالقنابل ،لشل أي تحرك
للطيارين الموالين للسلطة ،وبعد أن تم لهم
ذلك ،بادروا إلى قصف وزارة الدفاع .
وفي
تلك الأثناء سمع عبد الكريم قاسم أصوات
الانفجارات باتجاه معسكر الرشيد ،فبادر على
الفور بالذهاب إلى وزارة الدفاع ،وتحصن فيها
،وكان ذلك الإجراء في غاية الخطورة ،إذ كان
الأجدى به أن يتوجه بقواته المتواجدة في
وزارة الدفاع إلى معسكري الرشيد ،والوشاش
،القريبين من مركز بغداد ،والسيطرة عليهما
،ومن ثم الانطلاق نحو الأهداف التي تمركز
فيها الانقلابيون ،بالاستناد إلي جماهير
الشعب الغفيرة التي هبت حال سماعها بنبأ
الانقلاب تطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين
.
لكن
عبد الكريم قاسم حصر نفسه في وزارة الدفاع
،على الرغم من تحذير الزعيم الركن [ طه الشيخ
أحمد] مدير الحركات العسكرية ،الذي أشار عليه
إلى ضرورة استباق المتآمرين ومهاجمتهم قبل
توسع الحركة وسيطرتهم على معسكري الوشاش
والرشيد ،القريبين جداً من بغداد ، لكن عبد
الكريم قاسم لم يأخذ بنصيحته مما سهل على
الانقلابيين تطويق الوزارة ،وقصفها
بالطائرات والمدفعية قصفاً مركزاً ،حتى
انهارت مقاومة قواته .
ربما
أعتقد عبد الكريم قاسم أن وجوده في وزارة
الدفاع المحصنة يمكّنه من الاتصال بالوحدات
العسكرية الموالية له !! ،ولكن خاب ظنه ،بعد كل
الذي فعله بإبعاد كل العناصر الوطنية الصادقة
والمخلصة ،واستبدلهم بعناصر انتهازية
،لا مبدأ لها ،ولا تدين بالولاء الحقيقي له
،وللثورة ،فقد سارع معظمهم إلى إرسال برقيات
التأييد للانقلابيين ،وانكفأ البعض الأخر في
بيته ،وكأن الأمر لا يعنيه ، سواء بقي عبد
الكريم قاسم ،أم نجح الانقلابيون .
لقد
أنتحر عبد الكريم قاسم ،ونحر معه الشعب
العراقي وكل آماله ،وأحلامه التي ضحى من
أجلها عقوداً عديدة مقدماً التضحيات الجسام .
توجه
[عبد السلام عارف] إلى [معسكر أبي غريب ] ،حيث
وصل مقر كتيبة الدبابات الرابعة وانضم إليه [
أحمد حسن البكر ] ،واستقلا كلاهما إحدى
الدبابات ،وتوجها إلى دار الإذاعة ،
وبصحبتهما دبابة أخرى ،وساعدهم حرس دار
الإذاعة ،المشاركين في الانقلاب على السيطرة
عليها ثم التحق بهم كل من حازم جواد ،وطالب
شبيب ،وهناء العمري ،خطيبة علي صالح السعدي
،أمين سر حزب البعث ،أما خالد مكي الهاشمي فق
أندفع بدباباته متوجهاً إلى بغداد ،رافعاً
صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب التي
ملأت شوارع بغداد لتدافع عن الثورة وقيادتها .
وفي
نفس الوقت ،وصل العقيد [ عبد الغني الراوي ]
إلى مقر لواء المشاة الآلي الثامن في
الحبانية ، وتمكن بمساعدة أعوانه من
الانقلابيين من السيطرة على اللواء المذكور
،وتحرك به نحو بغداد ،كما نزل المئات من أفراد
الحرس القومي على طول الطريق بين الحبانية
وأبو غريب ،حاملين أسلحتهم، وقد وضعوا إشارات
خضراء على أذرعهم ،وتقدمت قوات الانقلابيين
بقيادة المقدم المتقاعد [ عبد الكريم مصطفى
نصرت ] ،وأحاطت بوزارة الدفاع ،كما تقدمت قوة
أخرى من الطرف الثاني لنهر دجلة ، مقابل وزارة
الدفاع ، متخذة لها مواقع مقابل وزارة الدفاع
،وبدأت قصفها للوزارة بالمدفعية الثقيلة .
كانت
جموع غفيرة من أبناء الشعب قد ملأت الساحة
أمام وزارة الدفاع ،والشوارع المؤدية لها
وهي تهتف للثورة وقائدها عبد الكريم قاسم
،وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين .
لقد
حدثني أحد رفاقي الذي كان متواجداً في تلك
الساعة مع الجماهير المحيطة بالوزارة
،والمستعدة للتضحية والفداء دفاعاً عن
الثورة فقال :
تجمعنا
حول وزارة الدفاع حال سماعنا بوقوع الانقلاب
،وكانت أعدادنا لا تحصى ،فلقد امتلأت الشوارع
والطرقات بآلاف المواطنين الذين جاءوا إلى
الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد
الكريم قاسم ،ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن
الثورة منادين { باسم العامل والفلاح ، يا
كريم أعطينا سلاح } ،كان الجو رهيباً والجموع
ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين
،وكان عبد الكريم يرد عليهم { إنهم مجرد عصابة
مأجورة لا قيمة لها ،وسوف نقضي عليهم في الحال
} .
وهكذا
أخطأ عبد الكريم مرة أخرى في حساباته ،ولم
يستمع إلى صوت الشعب ،وتحذيره ،ولم يقدر
خطورة الوضع ،وكان لا يزال على ثقة بأولئك
الذين أعتمد عليهم ،وبوأهم أعلى المناصب
السياسية والعسكرية والإدارية ،سوف يؤدون
واجبهم لحماية الثورة ،وسحق المتآمرين ،ولكن
تلك الزمر الانتهازية الخائنة أسفرت عن وجهها
الحقيقي ،فقسم منها أشترك اشتراكاً فعلياً مع
المتآمرين ، والقسم الآخر آثر الجلوس على
التل دون حراك ،فلا تهمهم الثورة ،ولا الشعب
،ولا عبد الكريم قاسم .
ثم
يضيف رفيقي قائلاً : في تلك الأثناء وصلت أربع
دبابات ،تحمل في مقدمتها صور عبد الكريم قاسم
،استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى
للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة حيث وزارة الدفاع ،وكانت الجماهير
قد أحاطت بالجسور ،وقطعتها ،واعتقدت أن هذه
الدبابات جاءت لتعزز موقف عبد الكريم قاسم .
وعندما
وصلت تلك الدبابات إلى وزارة الدفاع ،استدارت
ظهرها نحو الوزارة ،وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا]
المنصوبة عليها تطلق رصاصها الكثيف على
الجماهير المحتشدة ،وتخترق أجسادهم بالمئات .
لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة
المقابلة لوزارة الدفاع ،خلال عشرة دقائق لا
غير ،وكانت مجزرة رهيبة لا
يمكن تصورها ،ولا يمكن أن يدور في خلد أي
إنسان أن يجرأ المتآمرون على اقترافها .
ولم
تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت ،بل جاءت
الطائرات لتكمل المجزرة ،موجهة رشاشاتها حتى
نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد
الحياة .
ثم
بدأ بعد ذلك القصف المركز على وزارة الدفاع
بالطائرات ،ومدافع الدبابات التي أحاطت
بالوزارة من جانبي الكرخ ،والرصافة وبدأت
القذائف تنهال عليها ،والقوات المتواجدة
داخلها ترد على القصف بما تملك من أسلحة وعتاد
،إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً
،دون أن يأتي أي إسناد من أي من القطعات
العسكرية التي كان عبد الكريم يعتمد عليها
،لأنه كان في وادٍ، وأولئك الخونة في وادٍ آخر
،وادي الخونة والخيانة .
وفيما
كانت عملية القصف تتواصل ،تقدمت قوات أخرى
نحو معسكر الرشيد ،ومقر الفرقة الخامسة
،واللواء التاسع عشر ،وحيث هناك المعتقل رقم
واحد ،الذي كان عبد الكريم يحتجز فيه عدد من
الضباط البعثيين ،والقوميين ،حيث تم إطلاق
سراحهم ليشاركوا في الانقلاب ،وتمكنت قوات
الانقلابيين من السيطرة على المعسكر ،ومقر
الفرقة ،ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط
الوطنيين المعتقلين هناك ،حيث نفذ
الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم
،ومُورس التعذيب الشنيع بالبعض الأخر .
ثالثا:الحزب
الشيوعي يتصدى للانقلابيين ويصدر بياناً
يدعو إلى مقاومتهم :
منذُ
اللحظات الأولى لوقوع الانقلاب سارع الحزب
الشيوعي إلى إصدار بيان وُزع على جماهير
الشعب صباح ذلك اليوم دعا فيه القوات
العسكرية الوطنية ،وجماهير الشعب إلى التصدي
للانقلابيين بكل الوسائل والسبل ،ومما جاء في
البيان :
{إلى
السلاح ! اسحقوا المؤامرة الرجعية
الإمبريالية } .
أيها
المواطنون ،يا جماهير شعبنا العظيم المناضل
،أيها العمال ،والفلاحون والمثقفون ،وكل
الوطنيين والديمقراطيين الآخرين :
لقد
دق جرس الخطر ،استقلالنا الوطني يتعرض للخطر
العظيم ،إنجازات الثورة تحدق بها المخاطر
.
لقد
قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين
والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على
السلطة استعداداً لإعادة بلدنا إلى قبضة
الإمبريالية والرجعية ،بعد أن سيطروا على
محطة البث الإذاعي في أبو غريب ،وانكبوا على
إنجاز غرضهم الخسيس ،فإنهم يحاولون الآن
تنفيذ مجزرة بحق أبناء جيشنا الشجاع .
يا
جماهير شعبنا المناضل الفخور ! إلى الشوارع
،اقضوا بحزم وقسوة على المتآمرين والخونة،
طهروا بلدنا منهم ،إلى السلاح دفاعاً عن
استقلال شعبنا ومكتسباته ،شكلوا لجان دفاع في
كل ثكنة عسكرية ،وكل مؤسسة ،وكل حي وقرية
،وسيُلحق الشعب ،بقيادة قواه الديمقراطية
،الخزي والهزيمة بهذه المؤامرة الجبانةكما
فعل بمؤامرات الكيلاني ،والشواف وآخرين.إننا
نطالب بالسلاح } .
ودعا
البيان رفاق وجماهير الحزب إلى الاستيلاء على
الأسلحة من مراكز الشرطة وتوزيعها على
الجماهير ،إلا أن ذلك لم يكن في مستوى الأحداث
،فلم يكن الحزب قد كدس السلاح ،كما فعل
الانقلابيون خلال ثلاث سنوات ،ولاشك أن قيادة
الحزب تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في
عدم أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع
الانقلابيين من تنفيذ جريمتهم ،ولا سيما وأن
الحزب كان على علم بما يجري في الخفاء ،وأنه
كان قد أصدر بياناً قبل أيام يحذر فيه من وقوع
مؤامرة ضد الثورة ، فما هي الإجراءات التي
اتخذتها قيادة الحزب لتعبئة رفاقه وجماهيره
،وخاصة في صفوف الجيش ؟ في الوقت الذي كان
الحزب لا يزال يتمتع بنفوذ لا بأس به داخل
صفوف الجيش على الرغم من تصفية عبد الكريم
قاسم لمعظم القيادات الشيوعية فيه .
ورغم
كل ذلك فقد أندفع رفاقه وجماهير الشعب التي
كانت تقدر بالألوف للذود عن حياض الثورة بكل
أمانة وإخلاص ،ووقفوا بجانب عبد الكريم قاسم
،بل أستطيع أن أقول أن الشيوعيين كانوا القوة
السياسية الوحيدة التي وقفت بجانبه ،رغم كل
ما أصابهم منه من حيف خلال السنوات الثلاثة
الأخيرة من عمر الثورة . لقد أندفع معظم
الضباط ،وضباط الصف ،والمسرحين من الخدمة
العسكرية إلى الالتحاق بالمقاومة وحماية
الثورة ،بناء على دعوة الحزب ،وقدموا
التضحيات الجسام ، وسالت دماؤهم على ساحات
المعارك مع الانقلابين .
كان
كل ما يعوز جماهير الشعب هو السلاح الذي كانوا
يفتقدونه ،ورغم كل النداءات التي وجهوها إلى
عبد الكريم قاسم للحصول على السلاح لمقاومة
الانقلابيين ،في أول ساعات الانقلاب إلا أن
نداءاتهم ذهبت أدراج الرياح .
ربما
كان قاسم يتوقع من أولئك الذين أعتمد عليهم في
القوات المسلحة أن يقمعوا الانقلاب ، ولكنهم
كانوا في وادٍ آخر ،وربما خاف قاسم من إعطاء
السلاح للحزب الشيوعي على مستقبله السياسي
إذا ما تم قمع الانقلاب على أيدي الشيوعيين
،وفي كلتا الحالتين كان قاسم مخطئاً ،ودفع
حياته ،ومستقبل الشعب ثمناً لتلك الأخطاء
التي أرتكبها طيلة فترة حكمه .
في
الوقت الذي كان فيه القصف المركز يجري على
وزارة الدفاع ، والقوات الانقلابية تحيط بها
، حاول عبد الكريم قاسم تسجيل خطاب يوجهه إلى
الشعب ،والقوات المسلحة يدعوهم لمقاومة
الانقلابيين ،وقد تم تسجيل ذلك الخطاب على
شريط [ كاسيت ] ،تحت أصوات الانفجارات والقصف
،وأرسله إلى دار الإذاعة مع الرائد [ سعيد
الدوري ] ،الذي تبين فيما بعد أنه من
المشاركين في الانقلاب ،حيث سلمه
للانقلابيين ،كما أن دار الإذاعة كانت قد
احتلت من قبل الانقلابيين ،ولذلك لم يتسنَ
إذاعة الخطاب ،الذي احتفظ بنسخة منه مسجلة
على شريط كاسيت بصوت عبد الكريم قاسم ،وفيما
يلي نصه :
[إن
أذناب الاستعمار ،وبعض الخونة والغادرين
والمفسدين ،الذين يحركهم الاستعمار لتحطيم
جمهوريتنا ...[كلمات غير مفهومة بسبب القصف ]،الذين
يحاربوننا بحركات طائشة للنيل من جمهوريتنا ،
وتحطيم كيانها .
إن
الجمهورية العراقية الخالدة ،وليدة ثورة 14
تموز الخالدة لا تقهر ...[كلمات غير مفهومة
بسبب القصف ]، وإنها تسحق الاستعمار ،وتسحق كل
عميل وخائن . إنما نحن نعمل في سبيل الشعب ،وفي
سبيل الفقراء بصورة خاصة ،وتقوية كيان البلاد
، فنحن لا نقهر ،وإن الله معنا أبناء الجيش
المظفر والوحدات ،والقطعات ،والكتائب
والأفراد ،أيها الجنود الغيارى ،مزقوا
الخونة ، اقتلوهم ، اسحقوهم ،إنهم متآمرون
على جمهوريتنا ليحطموا مكاسب ثورتنا ،هذه
الثورة التي حطمت الاستعمار ،وانطلقت في طريق
الحرية والنصر ،وإنما النصر من عند الله
،والله معنا ...[كلمات غير مفهومة بسبب القصف ]،كونوا
أشداء ،اسحقوا الخونة والغادرين [دوي شديد ]
أبناء الشعب في كل مكان [ دوي شديد ] إنهم خونة [
قصف ] إنهم أذناب الاستعمار ،والله ينصرنا على
الاستعمار وعلى أذنابه وأعوانه .
ثم
يتوقف التسجيل بسبب دوي القصف ،ويعاود الزعيم
مرة أخرى :
السلام
عليكم أبناء الشعب ،أيها الضباط ،أيها الجنود
،أيها الضباط الصف الأشاوس ،أيها العمال
الغيارى ،إن الاستعمار يحاول أن يسخر نفراً
من أذنابه للقضاء على جمهوريتنا ،لكنه
بتصميمنا وتصميم الشعب المظفر ،فأننا نحن
جنود وشعب 14 تموز الخالد الذي وجه الضربات
الخاطفة إلى العهد المباد رغم ... [كلمات غير
مفهومة بسبب القصف ]،رغم الاستعمار ،وحرر
أمتنا ،واسترد كرامتها ،فان هذا اليوم المجيد
... [كلمات غير مفهومة بسبب القصف ]،لسحق الخونة
والغادرين ...[ كلمات غير مفهومة ] بسبب القصف.
أبناء
الشعب ،أبناء الجيش المظفر ،إن النصر أمامنا
،وإننا صممنا على سحق الاستعمار وأعوانه فلا
.[ كلمات غير مفهومة ]،الخونة والغادرين ،فأن
الله معكم ، وسوف [كلمات غير مفهومة]
،الظالمون والغادرون والسفاكون ،أذناب
الاستعمار ،سوف [كلمات غير مفهومة ]،عندما
توجه إليهم الضربات الخاطفة ،وقد باشرنا
بتوجيهها إليهم ...[كلمات غير مفهومه ]،إنني
الزعيم عبد الكريم قاسم.....وإننا أقوى ،وأمضى
وأشد عزماًوكفاحاً في سبيل الفقراء،والنصر
للشعب العراقي المظفر ،والنصر لكم أيها
الغيارى ].
عبد
الكريم قاسم
8 شباط 1963
هذا
هو نص الخطاب الذي لم يستطع عبد الكريم قاسم
إذاعته ،فقد فات الأوان ،واستولى
الانقلابيين على دار الإذاعة ،ووقع الشريط
الذي يحوي الخطاب بين أيديهم ،وربما كان
بالإمكان لو لم تقع دار الإذاعة بأيدي
الانقلابيين ،وتم إذاعة البيان ،أن تتحرك بعض
القطعات العسكرية الموالية له ، وتتصدى
للانقلابيين .
كان
الانقلابيون يدركون مدى تعلق الشعب العراقي
وجيشه بثورة 14 تموز وقيادتها ،رغم كل الأخطاء
التي أرتكبها عبد الكريم قاسم يحق القوى
الوطنية المخلصة حقاً وفعلاً ،فالكل يركب
سفينة الثورة ،التي إذا غرقت ،غرق الجميع
،ولذلك نجد الانقلابيين يعلنون في أول ساعات
الانقلاب عن مقتل عبد الكريم قاسم ،لكي
يمنعوا أي تحرك عسكري لإسناده ،مثل ما فعلوا
عندما تقدمت دباباتهم وهي تحمل صور عبد
الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب كي تتمكن من
الوصول إلى وزارة الدفاع .
ورغم
كل ذلك فقد اندفعت جماهير الشعب تقارع
الانقلابيين بكل ما أوتيت من عزم وقوة رغم
أنها كانت عزلاء إلا من بعض السلاح
الخفيف،وخاضت المعارك معهم بالبنادق والعصي
والحجارة فيما قابلتهم الدبابات والمصفحات
منزلة بهم خسائر فادحة في الأرواح بلغت عدة
آلاف من أبناء الشعب .أما[الحرس القومي]
الذي شكله الانقلابيون ،فقد أندفع أفراده
إلى الشوارع ،وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا
على الأسلحة ،وبدءوا يهاجمون جماهير الشعب
بكل عنف وقوة موجهين نيران أسلحتهم نحو كل من
يصادفونه في طريقهم .
واستمرت مقاومة
الشعب في بعض مناطق بغداد ،وخاصة في مدينة
الثورة ،والشاكرية ،والكاظمية ، وباب الشيخ
،وحي الأكراد والحرية والشعلة لعدة أيام ،ولم
يستطع الانقلابيون قمع المقاومة إلا بعد أن
جلبوا الدروع لتنفث نار القنابل الحارقة فوق
رؤوسهم ،واصدر الانقلابيون بيانهم المشؤوم
رقم 13 الذي يدعو إلى إبادة الشيوعيين الذين
تصدوا للانقلاب منذُ اللحظات الأولى ،وشنوا
على الحزب الشيوعي حرب إبادة لا هوادة فيها
،حيث اعتقلوا عشرات الألوف من الوطنيين ،
بينهم 1350 ضابطاً عسكرياً من مختلف الرتب
،وجرى تعذيب المعتقلين بأساليب بشعة لا
يصدقها أحد ، واستشهد جراء ذلك المئات من
المناضلين تحت التعذيب الشنيع ،وكان من ضحايا
التعذيب كل من [ سلام عادل ] السكرتير العام
للحزب الشيوعي ،حيث قطع الانقلابيون أصابع
يديه ورجليه وفقئوا عيناه في محاولة لانتزاع
الاعترافات منه عن تنظيمات الحزب ،كما استشهد
أيضاً من أعضاء اللجنة المركزية كل من : جمال
الحيدري ،ومحمد صالح العبلي ،ونافع يونس
،وحمزة سلمان ،وعبد الجبار وهبي [أبو سعيد ]وعزيز
الشيخ ،ومتي الشيخ ،و محمد حسين ابو العيس
،وجورج تلو ،و عبد الرحيم شريف ،وطالب عبد
الجبار ،بالإضافة إلى المئات
من الكوادر الحزبية ورفاق الحزب ، قضوا
جميعاً تحت التعذيب رافضين تقديم الاعترافات
عن تنظيمات حزبهم .
خامسا:
موقف قطعات الجيش من الانقلاب :
بعد
كل الإجراءات التي أتخذها عبد الكريم قاسم
منذُ عام 1959 وحتى وقوع انقلاب 8 شباط ،
والمتمثلة في إبعاد أغلب العناصر الوطنية
المخلصة ،والكفوءة من المراكز العسكرية
،واستبدالها بعناصر انتهازية ،وأخرى حاقدة
وموتورة ،تتربص بالثورة وقيادتها ،لم يكن
متوقعاً أن تحدث المعجزة
ويجري التصدي للانقلابيين ،وكل ما حدث أن
عدداً من بقايا العناصر الشيوعية في الجيش
،من صغار الضباط ،وضباط الصف ،والجنود ،حاولت
مقاومة الانقلابيين بما استطاعوا ولكن دون
جدوى ،فلم يكن هناك أدنى توازن للقوى ،بعد أن
سيطرت قوى الرجعية على الجيش
.
ففي
بعقوبة تصدى عدد من الضباط ،وضباط الصف
والجنود للانقلاب ،إلا انهم فشلوا في ذلك
وجرى إعدام فوري لما يزيد على 30 ضابطاً
وجندياً .
وفي
معسكر التاجي القريب من بغداد ،حيث توجد هناك
محطات الرادار ،حاولت مجموعة أخرى السيطرة
على المعسكر ،غير أن الانقلابيين تمكنوا من
التغلب على المقاومة بعد قتال عنيف، غير
متكافئ.وجرى الإعدام الفوري لعدد من الضباط
الصغار ،وضباط الصف والجنود .
كما
حدثت مقاومة من جانب عدد من الضباط وضباط الصف
،والجنود ،في منطقة فايدة ،شمال الموصل،
لكنها لم تستطع الصمود ،حيث تم للانقلابيين
قمعها ،وجرى إعدام فوري لعشرات من الضباط
والجنود .
أما
قادة الفرق ،وكبار القادة العسكريين فلم
يحركوا ساكناً ،بل أن قسماً منهم كان له ضلعاً
في الانقلاب ،وبشكل خاص محسن الرفيعي ،مدير
الاستخبارات العسكرية ،الذي كان يغطي ،ويخفي
كل تحركات الانقلابيين ،دون أن يتخذ أي إجراء
ضدهم ،ولم ينقل لعبد الكريم قاسم حقيقة ما
يجري .
ففي
4 شباط ،قبل وقوع الانقلاب بأربعة أيام ،اصدر
عبد الكريم قاسم قرارا بإحالة مجموعة من
الضباط المعروفين بعدائهم للثورة على
التقاعد ،ولكن أولئك الضباط استمروا بلبس
ملابسهم العسكرية ،ولم يغادروا بغداد ،ولم
تحرك أجهزة الاستخبارات العسكرية ،ولا
الأمنية ساكناً وهذا خير دليل على تواطؤ مدير
الأمن العام ،ومدير الاستخبارات العسكرية مع
الانقلابيين .
أما
احمد صالح العبدي رئيس أركان الجيش والحاكم
العسكري العام فإن خيانته قد انكشفت تماماً
عندما أصدر أمراً يوم 5 شباط ،أي قبل وقوع
الانقلاب بثلاثة أيام ،يقضي بسحب العتاد من
كتيبة الدبابات التي كان يقودها العقيد الركن
[ خالد كاظم ] ،وهو الوحيد الذي بقي في مركزه
القيادي من الضباط الوطنيين ،وأودع العتاد في
مستودع العينة ،وبقيت دباباته دون عتاد لكي
لا يتصدى للانقلابيين .ولم يمس الانقلابيين
العبدي بسوء.
كما
أن عبد الكريم قاسم قام قبل الانقلاب بتعيين
عبد الغني الراوي ،المعروف بعدائه للثورة ،
وتوجهاتها ،آمراً للواء المشاة الآلي الثاني
،وكانت تلك الخطوة ذات أبعاد خطيرة ،فقد كان
الراوي أحد أعمدة ذلك الانقلاب ،وقام اللواء
المذكور بدور حاسم فيه .
سادساً
: استسلام عبد الكريم قاسم للانقلابيين :
أخذت
المقاومة داخل وزارة الدفاع تضعف شيئاً
فشيئاً ،وتوالت القذائف التي تطلقها
الطائرات ، والدبابات المحيطة بالوزارة التي
تحولت إلى كتلة من نار،واستشهد عدد كبير جداً
من الضباط والجنود دفاعاً عن ثورة 14تموز
وقيادة عبد الكريم قاسم ،وكان من بينهم
الشهيد الزعيم [وصفي طاهر ]،المرافق الأقدم
لقاسم ،والزعيم [عبد الكريم الجدة ]،أمر
الانضباط العسكري،واضطر عبد الكريم قاسم إلى
مغادرة مبنى الوزارة إلى قاعة الشعب ،القريبة
من مبنى الوزارة ،تحت جنح الظلام ، وكان
بصحبته كل من الزعيم [فاضل عباس المهداوي ]،رئيس
المحكمة العسكرية العليا الخاصة ، والزعيم
الركن [طه الشيخ أحمد ]،مدير الحركات العسكرية
،[وقاسم الجنابي ] السكرتير الصحفي لعبد
الكريم،والملازم [كنعان حداد] مرافق قاسم .
ومن
هناك قام عبد الكريم قاسم بالاتصال هاتفياً
بدار الإذاعة ،وتحدث مع عبد السلام عارف ،
طالباً منه بأسم الأخوة والعلاقة التي ربطتهم
معاً قبل الثورة ،مذكراً إياه بالعفو الذي
أصدره بحقه ورعايته
له ،بالسماح له بمغادرة العراق . غير أن عبد
السلام عارف أجابه بكل صلافة
بكلمات نابية لا تدل على خلق ،مما أثار
غضب الزعيم طه الشيخ أحمد الذي أمسك بالهاتف
من يد عبد الكريم قاسم ورد على عبد السلام
عارف باللهجة العامية شاتماً إياه :
ورد
عليه عبد السلام عارف قائلاً :[ أنجب ( أي اسكت )
،اترك الهاتف ،شيوعي قذر ] !!!.
واتصل
عبد الكريم قاسم مرة أخرى بعبد السلام عارف
،طالباً منه السماح له بمغادرة العراق ،أو
إجراء محاكمة عادلة له ،لكن عبد السلام عارف
طلب منه الاستسلام .
وفي
صباح اليوم التالي ،9 شباط ،خرج [ يونس الطائي ]
صاحب صحيفة الثورة ،المعروف بعدائه للشيوعية
،والذي كان قد سخره عبد الكريم قاسم لمهاجمة
الحزب الشيوعي على صفحات جريدته [ الثورة ]
،خرج للقاء الانقلابيين ،وكان في انتظاره أحد
ضباط الانقلاب ،واصطحبه إلى دار الإذاعة ،حيث
قام بدور الوسيط !! بين عبد الكريم قاسم
،والانقلابيين ،لقاء وعدٍ بالحفاظ على حياته
،وتسفيره إلى تركيا ،وهكذا انتهت الوساطة
بخروج عبد الكريم قاسم ،ومعه المهداوي ،وطه
الشيخ أحمد ،وكنعان حداد ،وكان بانتظارهم
ناقلتين مصفحتين عند باب قاعة الشعب ،وكان
الوقت يشير إلى الساعة الثانية عشرة والنصف
ظهراً ،حيث نقل عبد الكريم قاسم وطه الشيخ
أحمد على متن إحدى المصفحات ،ونقل المهداوي
،وكنعان حداد على متن المصفحة الثانية ،وعند
وصول المصفحتين إلى دار الإذاعة ، أنهال عدد
من الانقلابيين على الشهيد المهداوي ضرباً
مبرحاً حتى غطت الدماء جسمه ،وأدخل الجميع
إلى دار الإذاعة ،وكان عبد الكريم بكامل بزته
العسكرية ولم يمسه أحد بسوء عند دخوله مبنى
الإذاعة .
سابعاً
: مهزلة محاكمة عبد الكريم قاسم ،وإعدامه مع
رفاقه :
إن
كل ما قيل عن إجراء محاكمة لعبد الكريم قاسم
كانت محض هراء ،فلقد كان الانقلابيون قد
قرروا مسبقاً حكم الموت بحقه ،وبحق رفاقه
،وما كان لعبد الكريم قاسم أن يسلم نفسه
لأولئك المجرمين ،ولكنه خُدعَ ،أو ربما
خَدَعَ نفسه بوساطة ذلك الخائن ،والدجال [يونس
الطائي ]، الذي كان يتملقه طيلة أيام حكمه
،وتبين فيما بعد أنه كان على علاقة حميمة
بالانقلابيين ،وتصور عبد الكريم قاسم أن يدعه
الانقلابيون يخرج بسلام ،أو أن يوفروا له
محاكمة عادلة ،وعلنية كما فعل هو عندما حاكم
عبد السلام عارف ،والمتآمرين الآخرين على
الثورة .
وحال
دخول عبد الكريم قاسم دار الإذاعة ،أنبري له
عبد السلام عارف ،وعلي صالح السعدي
بالشتائم المخجلة ، فقد توجه السعدي إليه
قائلاً :
[
لقد كانت عندنا حركة قبل أسبوعين ،وأريد أن
اعرف مَنْ أفشى لك بهذه الحركة ،وهل هو موجود
بيننا ؟ وكانت تلك الحادثة قد أدت إلى
اعتقال السعدي .
وقد
أجابه عبد الكريم قاسم [ غير موجود هنا بشرفي ]
لكن السعدي رد عليه بانفعال قائلاً :[ومن أين
لك بالشرف ]، وهنا رد عليه عبد الكريم قاسم
قائلاً :
[إن
لي شرفاً أعتز به ].
وهنا
دخل معه في النقاش عبد السلام عارف حول مَنْ
وضع البيان الأول للثورة ، وكان كل همه أن
ينتزع من عبد الكريم قاسم اعترافاً بأنه ـ أي
عبد السلام ـ هو الذي وضع البيان الأول للثورة
، إلا أن عبد الكريم قاسم أصر على أنه هو الذي
وضع البيان بنفسه ،وكانت تلك الأحاديث هي كل
ما جرى في دار الإذاعة ،وقد طلب عبد الكريم
قاسم أن يوفروا له محاكمة عادلة ونزيهة
وعلنية ، تنقل عبر الإذاعة والتلفزيون ليطلع
عليها الشعب ،إلا أن طلبه أهمل ،فقد كان
الانقلابيون على عجلة من أمرهم للتخلص منه
لكي يضعوا حداً للمقاومة ،ويمنعوا أي قطعات
من الجيش من التحرك
ضدهم .
قام
العقيد عبد الغني الراوي بإبلاغه ورفاقه
بقرار الإعدام للجميع ،وحسبما ذكر إسماعيل
العارف في مذكراته أن عبد الكريم لم يفقد
رباطة جأشه ،وشجاعته ،ولم ينهار أمام
الانقلابيين ،وعند الساعة الواحدة والنصف من
ظهر ذلك اليوم ، شباط 963 ،اقتيد عبد الكريم
قاسم ورفاقه إلى ستديو التلفزيون ،وتقدم عبد
الغني الراوي ،والرئيس منعم حميد ،والرئيس
عبد الحق ،فوجهوا نيران أسلحتهم
الأوتوماتيكية إلى صدورهم فماتوا لساعتهم
،رافضين وضع عصابة على أعينهم ،وكان آخر كلام
لعبد الكريم قاسم هو هتافه بحياة ثورة 14 تموز
،وحياة الشعب العراقي .
سارع
الانقلابيون إلى عرض جثته ،وجثث رفاقه على
شاشة التلفزيون لكي يتأكد الشعب العراقي أن
عبد الكريم قاسم قد مات .
لقد
أراد الانقلابيون التخلص من عبد الكريم قاسم
،وإعلان مقتله لمنع أي تحرك من جانب القطعات
العسكرية ضد الانقلاب ،ولإحباط عزيمة الشعب
على المقاومة .
كما
أسرع الانقلابيون إلى دفنه تحت جنح الظلام
،دون أي معالم تذكر ،في منطقة معامل الطابوق
،خارج مدينة بغداد ،إلا أن عدد من عمال معامل
الطابوق الذين يعملون شعالة طوال الليل
،شعروا بوجود ثلة عسكرية في تلك المنطقة ،فما
كان منهم إلا أن ذهبوا بعد مغادرة الثلة
العسكرية ،إلى المكان ، حيث وجدوا ما يشبه
حفرة القبر ،دخلت الربية في نفوسهم ،من يكون
ذلك الإنسان ؟ ولماذا جاءوا به إلى تلك المكان
؟ صمم العمال على فتح الحفرة ،فكانت المفاجئة
جثة عبد الكريم قاسم . اخرج العمال الجثة على
عجل وحملوها إلى مكان آخر ،حيث حفروا له قبراً
جديداً ،حباً ، واحتراماً لذلك الرجل الذي
قاد ثورة 14 تموز .
غير
أن الزمرة الانقلابية أحست بما جرى ،فقامت
بالتفتيش عن الجثة ،وتوصلت إلى القبر الجديد أخرجت الجثة منه ،ونقلتها تحت جنح
الظلام لترميها في نهر ديالى ،بعد أن تم وضعها
بصندوق صُب فيه الكونكريت لكي لا تطفو الجثة
في النهر ،ويعثر عليها أحداً من جديد .إن ذلك
العمل البائس لا يعبر إلا عن جبن الانقلابيين
،وخوفهم من شبح عبد الكريم قاسم ،حتى وهو ميت .
ولم
يكتفِ الانقلابيون بكل ذلك ،بل انبرت أقلامهم
القذرة ،وقد أعمى الحقد قلوب أصحابها
بنهش عبد الكريم قاسم ،وإلصاق شتى التهم
المزورة به ،والإساءة إلى سلوكه ،وأخلاقه
مستخدمين ابذأ الكلمات التي لا تعبر إلا عن
الإناء الذي تنضح منه ،فعبد الكريم قاسم ،رغم
كل أخطائه ، يبقى شامخاً كقائد وطني ،معادى
للاستعمار ،حارب الفقر بكل ما وسعه ذلك ،وحرر
ملايين الفلاحين من نير وعبودية الإقطاع
،وحرر المرأة ،وساواها بالرجل ،وحطم حلف
بغداد ،وحرر اقتصاد البلاد من هيمنة
الإمبريالية ،وبقي طوال مدة حكمه عفيف النفس
،أميناً على ثروات الشعب ولم يسع أبداً إلى أي
مكاسب مادية له أو لأخوته ،ورضي بحياته
الاعتيادية البسيطة دون تغيير .
وها
هم بعض الذين أساءوا إلى شخصه ،بعد أن هدأت
الزوبعة الهوجاء ،قد بدأت تستيقظ ضمائرهم
،ويعيدوا النظر في أفكارهم وتصوراتهم عن
مرحلة عبد الكريم قاسم وثورة 14 تموز ، بنوع من
التجرد ،لتعيد له اعتباره،وتقيّم تلك
المرحلة من جديد .
الهجوم الرجعي في الموصل ودور السلطة في
إذكائه
حامد الحمداني
لم
تكد تفشل محاولة الشواف الانقلابية ، وتسيطر
قوات الجيش الوطنية وجماهير الشعب
على المدينة ، حتى توارت القوى الرجعية
خوفاً ورعباً ،وخلال أيام قلائل عاد الهدوء
والنظام إلى المدينة ،وشعر أبناء الموصل لأول
مرة بالثورة تدخل مدينتهم ، بصورة حقيقية
فلم يكن قد حدث حتى وقوع محاولة الشواف
الانقلابية ، أي تغير جوهري على أوضاع الموصل
، وبقيت العوائل الرجعية ، المرتبطة مصالحها
بالنظام السابق ، تحكم الموصل من خلال
الأجهزة الإدارية ، وهي وإن كانت قد ركنت إلى
الانكفاء بعد الثورة ، لكنها عاودت نشاطها ضد
الثورة ، مستغلة الجهاز الإداري الذي لم يطرأ
عليه أي تغير ، والذي كانت تحتل فيه جميع
المراكز الحساسة ، وبشكل خاص
جهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه النظام
الملكي . وعلى أثر حدوث التصدع في جبهة
الاتحاد الوطني ، وإبعاد عبد السلام عارف عن
مسؤولياته في قيادة الثورة ، عاودت تلك القوى
نشاطها التآمري ، مرتدية رداء القومية
العربية ،ومتخفية تحت راية الرئيس عبد الناصر
، التي كانت حتى
الأمس القريب ، من أشد أعدائه ، ووضعت نفسها
تحت تصرف [العقيد الشواف ]،الطامح إلى السلطة
، والمتآمر على الثورة وقيادتها .غير أن
انكفاء الرجعية بعد فشل حركة الشواف لم يدم
طويلاً بسبب سياسة عبد الكريم قاسم ، الذي قلب
ظهر المجن لتلك القوى التي حمت الثورة ،
ودافعت عنها ، وقدمت التضحيات الجسام من أجل
صيانتها ، والحفاظ على مكتسباتها .
لقد
بادر عبد الكريم قاسم باعتقال أولئك الذين
تصدوا لانقلاب الشواف ، مضحين بدمائهم من أجل
حماية الثورة ،ودفاعاً عن قيادته هو بالذات
،واحالهم إلى المجالس العرفية ، وحرض الأهالي
على التقدم بالشهادة ضدهم ، عبر مكبرات الصوت
المنصوبة على السيارات العسكرية ، والتي كانت
تطوف شوارع الموصل ، وتم الحكم على معظمهم
بأحكام قاسية وصلت
حتى الإعدام . ومن جهة أخرى ، أقدم عبد الكريم
قاسم على إلغاء المقاومة الشعبية ،حرس الثورة
الأمين،وأجرى تغيرات واسعة في أجهزة الدولة ،
أبعد بموجبها كل العناصر الوطنية الصادقة
،والمخلصة للثورة ،وأعاد جميع الذين أُبعدوا
إثر فشل حركة الشواف الانقلابية ،إلى مراكزهم
السابقة .وهكذا عاودت الرجعية المتمثلة
بعوائل كشمولة ، والعاني ،والمفتي ،والعمري
،وغيرها من العوائل الأخرى ، نشاطها المحموم
، مستغلة مواقف عبد الكريم قاسم من الشيوعيين
،الذين كان لهم الدور الأساسي في إخماد تمرد
الشواف .
بادرت
تلك العوائل إلى تتلمس أفضل السبل للتخلص من
العناصر الشيوعية ،والديمقراطية ،المؤيدة
للثورة ووجدت ضالتها في عمليات الاغتيال
البشعة التي ذهب ضحيتها المئات من أبناء
الموصل البررة ، وأجبرت تلك الحملة الإجرامية
عشرات الألوف من العوائل على الهجرة
الاضطرارية من المدينة إلى بغداد وبقية المدن
الأخرى ، مضحية بأملاكها ، وأعمالها
،ووظائفها من أجل النجاة من تلك الحملة
المجرمة .
لقد
جرى كل ذلك تحت سمع وبصر السلطة ورضاها ،سواء
كان ذلك على مستوى السلطة في الموصل
أم السلطة العليا المتمثلة بعبد الكريم
قاسم نفسه ،حيث لم تتخذ السلطة أي إجراء ، أو
تجري أي تحقيق ضد عصابات القتلة ،ومموليهم
،والمحرضين على تلك الاغتيالات ،بل قيل آنذاك
أن قاسم نفسه قد أعطى لهم الضوء الأخضر لتنفيذ
الاغتيالات ،وإن كل الدلائل تشير إلى موافقة
السلطة العليا ،ومباركتها لتلك الحملة ،فلا
يعقل أن تكون السلطة ،مهما كانت ضعيفة ،عاجزة
والى هذا الحد ، عن إيقاف تلك الحملة الشريرة
واللقاء القبض على منفذيها ومموليها
المعروفين لدى كل أبناء الموصل ،وسوف
أورد فيما بعد قائمة بأسماء أولئك القتلة
، الذين بقوا مطلقي السراح ،يتجولون بأسلحتهم
دون خوف من عقاب ، متربصين بالأبرياء ليسددوا
رصاصاتهم الجبانة إليهم
في وضح النهار .
إما
أجهزة الأمن ، فقد كانت تكتفي بإلقاء القبض
على جثث الضحايا ،وحتى الذين لم يفارقوا
الحياة ، وأصيبوا
بجراح ،فكانوا يلاقون نفس المصير في المستشفى
،حيث لم ينج أي جريح منهم أُودع المستشفى الذي
كان يديره آنذاك ، الدكتور[ عبد الوهاب حديد ]،وهو
من أبناء عمومة [محمد حديد ] وزير المالية .ولابد
لنا أن نلقي نظرة على أوضاع السلطة في الموصل
في تلك الفترة التي امتدت منذُ ما بعد حركة
الشواف ،وحتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963 ، لنتعرف
على أولئك الذين كان لهم الدور البارز في تلك
الأحداث ؟
من
كان يحكم الموصل ؟
متصرف
الموصل ، العقيد الركن عبد اللطف الدراجي ، من
مواليد 1923 ، ومن الضباط الأحرار الذين شاركوا
في تنفيذ الثورة ، في الرابع عشر من تموز حيث
كان أمر الفوج الأول ، في اللواء العشرين ،
وزميل عبد السلام عارف ،الذي كان آمر الفوج
الثالث في نفس
اللواء .عين الدراجي آمراً للواء العشرين
،بعد نجاح الثورة ،وبسبب علاقته الحميمة بعبد
السلام عارف ،جرى نقله إلى آمريه الكلية
العسكرية إثر إعفاء عبد السلام عارف من
مناصبه كإجراء احترازي من قبل عبد الكريم
قاسم ، ثم جرى بعد ذلك اتهامه بالاشتراك في
المحاولة الانقلابية التي كان من المقرر
تنفيذها في 4 تشرين
الأول 1958 بالاشتراك مع عبد السلام عارف ، وجرى
اعتقاله لفترة وجيزة ، ثم أُحيل على التقاعد ،
وعُين متصرفاً للواء الكوت ،ثم نقل بعد ذلك
إلى متصرفية لواء الموصل فيما بعد. ولاشك أن
الدراجي أخذ يكن العداء لعبد الكريم قاسم
،بعد إعفائه من منصبه العسكري ، وعمل جهده على
إضعاف وعزل عبد
الكريم قاسم عن الشعب ،وذلك عن طريق حملة
اغتيالات الشيوعيين وأصدقائهم ،وتبين فيما
بعد أنه كان من المشاركين في انقلاب 8
شباط 1963 ضد عبد الكريم قاسم ، وقد عينه عبد
السلام عارف ، بعد انقلابه على البعثتين
،وزيراً للداخلية .لعب الدراجي دورا كبيراً
في حملة الاغتيالات المجرمة في الموصل ،شأنه
شان رفيقه إسماعيل عباوي ،ولم يبدر منه أي
إجراء لوقفها ، والقبض على المجرمين ،
وإحالتهم إلى القضاء ، على الرغم من أن أسماء
أولئك المجرمين كانت تتردد على كل لسان .
3
ـ مدير الأمن ، حسين العاني :
حسين
العاني ، كما هو معروف ، من عائلة رجعية
إقطاعية عريقة ،كان لها باع كبير في العهد
الملكي كما كان لها
دور كبير في دعم محاولة الشواف الانقلابية ،
وتم اعتقال العديد من أفراد تلك العائلة ، مما
جعل حقدها على الشيوعيين كبيراً ،ورغبتها في
الانتقام أكبر ،وكان وجود حسين العاني على
رأس جهاز الأمن ، الذي رباه النظام الملكي
وأسياده الإمبرياليين على العداء للشيوعية
خير عون لعصابات الاغتيالات في تنفيذ جرائمها
،والتستر عليها ،وحمايتها .
كان
جهاز الأمن يفتش في الطرقات كل شخص معروف
بميوله اليسارية بحثًا عن السلاح
لحماية أنفسهم من غدر القتلة ، في حين ترك
القتلة المجرمين يحملون أسلحتهم علناً ،دون
خوف ،أو وازع ، ولم يحاول هذا الجهاز القبض
على أي من القتلة ،رغم شيوع أسمائهم
،وتداولها بين الناس جميعاً .
ولابد
أن أُشير هنا لحادث جرى لي شخصياً ،لكي أعطي
الدليل ،وبكل أمانة وصدق ، على دور ذلك الجهاز
في جرائم الاغتيالات .لقد وصلتني رسالة
، موقعة من قبل [شباب الطليعة العربية ،
لمحلتي الدواسة والنبي شيت ]وكانت الرسالة
مليئة بالكلمات البذيئة ، التي أخجل من ذكرها
، وتهديد بالقتل القريب ، حيث جاء في الرسالة
:[ لقد جاء دورك ، وقد حفرنا لك قبراً
وسوف لن يمر وقت طويل ، إلا ونكون قد دفناك
فيه] أخذت الرسالة ، مع عريضة شكوى ، وتوجهت
إلى متصرف اللواء ، ومدير الشرطة
ومديرية الأمن ، وكنت أنتظر أن يجري جهاز
الأمن تحقيقاً مع مرسلي الرسالة ، لكن الجهاز
الأمني ، أرسل بطلبي ، دون أصحاب الرسالة
؟توجهت إلى مديرية الأمن ، ودخلت على ضابط
الأمن ، المدعو [ فاضل] ، الذي بادرني بالسؤال
قائلاً : لماذا أرسل لك هولاء رسالة تهديد
بالقتل ؟ قلت
: لماذا لا تسأل الذين أرسلوا الرسالة ؟
قال : يبدو أنك شيوعي ، أليس كذلك ؟
قلت : وهل تبيحون قتل الشيوعيين في
الشوارع ، كما يجري الآن ؟ قال : إذاً أنت
شيوعي . وفي تلك
اللحظة التفت إليّ ضابط آخر كان جالساً في
غرفته قائلاً : لماذا تركضون وراء الروس
،الذين يفتقدون لقمة الخبز ، وبناتهم عاهرات
؟ ثم بدأت
الاستفزازات تنهال عليّ من قبل الضابطين
،عندها أدركت أن لا فائدة من طلب الحماية من
جهاز يحمي القتلة ،ويدعمهم بكل الوسائل
،وقررت الانسحاب من التحقيق ، وسحب الدعوى
،والعودة إلى البيت ،وأنا مدرك كل الإدراك أن
حياتي في خطر أكيد .
ولم
تمضي سوى أيام حتى جرى تطويق بيتي من قبل تلك
العصابة ،بغية قتلي ،واضطررت إلى المكوث في
البيت بضعة أيام ، حتى سنحت إلى الفرصة ،
بمساعدة أحد الجيران ،الذي تكفل بشراء بطاقة
طائرة ، واستطاع نقلي إلي المطار سراً
،بسيارته ،حيث غادرت الموصل
إلى بغداد .هذا مثال ، أنقله للقارئ ،عن
موقف جهاز الأمن ،والشرطة ،ومتصرف اللواء ،من
تلك الاغتيالات ،بكل أمانة، وصدق .
وهذا
مثال آخر ، جرى لأحد رفاقي وأقرب أصدقائي ،
الشهيد الأستاذ [ فيصل الجبوري] مدير ثانوية
الكفاح بالموصل ، الذي أُطلقت
عليه النار من قبل أحد أفراد عصابة التنفيذ
المدعو [ عايد طه عنتورة ] ،في 10 أيار 1960 ،ولم
يفارق الحياة ،وتم نقله إلى المستشفى ،وكان
يصيح : قتلني عايد طه عنتورة . ولم يُتخذ أي
إجراء ضد الجاني إطلاقاً ،أما فيصل الجبوري
فقد فارق الحياة في المستشفى ،في اليوم
التالي وهذا مثال آخر ،حيث أطلق الرصاص على
الشهيد [ حميد القصاب ] في محله الكائن بمحلة
المكاوي ، وشاهد الشهيد بأم عينه الجاني ،
وأخذ يصيح بأعلى صوته ، وهو يصعد سيارة
الإسعاف برجليه، ودون مساعدة : قتلني [محمد
حسين السراج ] ،وتم نقله إلى المستشفى ،لكنه
فارق الحياة في اليوم التالي ، أما الجاني فلم
يُستدعى للتحقيق ،ولم تُتخذ أية إجراءات
قانونية ضده
وأذكر
أيضاً أحد رفاقي ، الشهيد [ أحمد مال الله] ،
الذي أُطلق عليه الرصاص أيضاً ، وأُصيب بجروح
لكن أهله نقلوه على الفور إلى بغداد ، حيث
عُولج هناك في إحدى المستشفيات ،وتماثل
للشفاء ، لكن يد الغدر لاحقته ،واغتالته في
أحد شوارع بغداد .
أما
الشهيد المدرس [ زهير رشيد الدباغ ] فقد دخل
عليه أحد تلاميذ المدرسة ،المدعو[عادل ذنون
الجواري ] إلى داخل الصف ، وهو يدرس التلاميذ ،
ليطلق عليه وابلاً من الرصاص ، من رشاشة كان
يحملها ، أمام 45 طالباً ، دون أن يمسه أذى ، أو
يجري معه أي تحقيق ، أما زهير ، فقد أستشهد في
الحال .
ليست
هذه سوى أمثلة قليلة من مئات غيرها جرت
للمواطنين الأبرياء ، وذهبت دماؤهم هدراً على
يد تلك العصابات المجرمة ،ولم يفتح فيها
جميعاً أي تحقيق إلى يومنا هذا.
4 ـ أمر موقع الموصل ، العقيد حسن عبود :
العقيد
حسن عبود ،أمر اللواء الخامس ،وأمر موقع
الموصل ،والضابط الذي قاد القوات العسكرية
لقمع تمرد الشواف ،وكانت له مواقف مشهودة في
حبه لوطنه ،ودفاعه عن ثورة 14 تموز،ولكن مع
قرار عبد الكريم قاسم تقليم أظافر الشيوعيين
،وتحجيم حزبهم ،وبالنظر للعلاقة التي تربطه
بالشيوعيين ، فقد أقدم قاسم على تجريده من
كافة صلاحياته الإجرائية ،فيما يخص حماية
الأمن والنظام ،وأناط ذلك كله بجهاز الأمن
السعيدي وشرطته ،التي يقودها إسماعيل عباوي
،وبإشراف متصرف اللواء ،العقيد المتقاعد عبد
اللطيف الدراجي .
كما
أصدر قاسم أمراً بنقل كافة الضباط الذين
أظهروا تعاطفاً مع الشيوعيين ، والذين كان
لهم الدور الحاسم في قمع انقلاب الشواف إلى
وحدات عسكرية غير فعّالة ،وفق منهج ُتم
إعداده في مديرية الاستخبارات العسكرية
،ومديرية الإدارة في وزارة الدفاع وبإشراف
قاسم نفسه.وهكذا أفرغ قاسم قوات الجيش في
الموصل من كل العناصر الوطنية المخلصة ، وجمد
عملياً سلطات العقيد حسن عبود ، في ما يخص حفظ
الأمن والنظام ،ولم يعد له أي دور في ذلك ،ثم
أنتهي حسن عبود إلى الاعتقال ،و التقاعد .
منْ
مول ، ونظم الاغتيالات :
بعد
كل الذي جرى الحديث عنه ، حول أوضاع الموصل ،
وطبيعة السلطة فيها ، ومواقف السلطة العليا ،
أستطيع القول ، أن تلك الاغتيالات لم تجرِ
بمعزل عن السلطة العليا ، وموافقتها ، بل وحتى
مباركتها ، وتقديم كل العون ، والمساندة
للقائمين على تنظيمها ، وتمويلها .
لقد
كان على رأس تلك العصابة ، يخطط ، ويمول
لعمليات الاغتيالات ،عدد من العوائل الرجعية
والإقطاعية المعروفة ،والتي يمكن
إجمالها فيما يلي :
1 ـ عائلة كشمولة
. 2ـ عائلة الأغوات . 3
ـ عائلة كرموش . 4 ـ عائلة حديد .
5 ـ عائلة العاني . 6
ـ عائلة نوري الأرمني
7 ـ عائلة المفتي . 8
ـ عائلة الإرحيم .
9 ـ عائلة العمري .
كانت
اجتماعات تلك العوائل تجري في منطقة [ حاوي
الكنيسة ] بالقرب من ضواحي الموصل ، حيث تمتلك
عائلة العاني داراً هناك ، بعيداً عن أعين
الناس ، وكانت تُعد هناك قوائم بأسماء
المرشحين للقتل ،وتحدد العناصر المنفذة
للاغتيالات ،كما كانت التبرعات تجبى من
العناصر الرجعية ،الغنية .التي تضررت مصالحها
بقيام ثورة 14 تموز. ولم تفد كل الاحتجاجات
،وكل المقابلات لقاسم ،وكل المقالات التي
نشرتها الصحف ،مطالبة بوقفها ،ومعاقبة
القائمين بها ،والمحرضين عليها ،والمخططين
لها ، لكن كل تلك الأصوات
ذهبت أدراج الرياح ،واستمر مسلسل القتل حتى
وقوع انقلاب الثامن من شباط
عام 1963.
إن
أسماء منفذي الاغتيالات ،ليست بخافية على
أبناء الموصل ،فأصابع الاتهام تشير ،وتؤكد
على شخصية القتلة واحداً واحدا ،فقد بلغ بهم
الأمر حد التفاخر أمام الناس والحديث عن
ضحاياهم دون خوف من عقاب،ولماذا الخوف ما
دامت السلطة هي التي تساندهم،وتمدهم
بالعون،لينفذوا مخططاً واسعاً أعد له سلفاً
يرمي إلي ضرب الحزب الشيوعي،وتجريده من
جماهيره ومؤيده . لقد أزداد عدد المنفذين
يوماَ بعد يوم،وتحول الاغتيال ليشمل ،ليس فقط
الشيوعيين وأصدقائهم ،بل لقد تعداه إلى أناس
ليس لهم علاقة بالسياسة ،وكان دافعهم على هذا
العمل الإجرامي هو التنافس على الأعمال
التجارية ،أو المحلات أو المعامل ،أو الوظائف
،وتصاعدت جرائم الاغتيالات حتى أصبح قتل
الإنسان يساوي [ 50 دينار ]، وهذه أسماء بعض
أولئك القتلة التي كان يتداولها الموصليون
على ألسنتهم كل يوم :
أسماء منفذي الاغتيالات :
1
ـ زغلول كشمولة .
2
ـ شوكت نوري الأرمني .
3
ـ محمد سعيد حسين السراج .
4
ـ طارق عبد كرموش .
5
ـ يعقوب كوشان .
6
ـ صبار الدليمي .
7
ـ نجم فتحي
8
ـ موفق محمود .
9
ـ فهد الشكرة .
10
ـ هادي أبن الطويلة .
11
ـ عادل ذنون الجواري .
12
ـ حازم بري .
13
ـ عارف السماك .
14
ـ أحمد جني .
15
ـ نجم البارودي .
16
ـ طارق قباني .
17
ـ طارق نانيك .
18
ـ محمود ، أبن البطل .
19
ـ قاسم ، أبن العربية
20
ـ عدنان صحراوية
21
ـ طارق شهاب البني .
22
ـ فوزي شهاب البني .
23
ـ جبل العاني .
24
ـ فاضل مسير .
25
ـ موفق ، أبن عم فاضل .
26
ـ مجيد ـ مجهول أسم أبيه .
27
ـ جنة ـ
مجهول اسم أبيه .
28
ـ نيازي ذنون .
هذه
القائمة ، بالطبع ،لا تشمل كل المنفذين
للاغتيالات ،فهناك العديد من الأسماء التي
بقيت طي الكتمان ،لان أصحابها أرادوا ذلك
،لكن الأسماء المذكورة ،كانت معروفة تماماً
لدى أبناء الموصل ، حيث كان أصحابها يتباهون
بجرائمهم بصورة علنية دون خوف من رادع أو عقاب
،ولماذا الخوف مادامت السلطة تحميهم ،
وتدعمهم ؟
لقد
اغتيل المئات من أبناء الموصل البررة ،ولم
يلقى القبض على أي من القتلة ،ولو شاءت السلطة
كشف تلك الجرائم لكانت توصلت إلى جميع الخيوط
التي تقودها إليهم ،وكل المخططين والممولين
لتلك الجرائم .
لقد
ذهبت دماء الضحايا هدراً ، حتى يومنا هذا ،
ولم يُفتح فيها أي تحقيق ، وطواها النسيان ،
لكنها ستبقى تسأل عن مَنْ سفكها ، ومن ساعد ،
وشجع ، وخطط ، ومول تلك الحملة المجرمة بحق
المواطنين الأبرياء .ولابد أن يأتي اليوم
الذي تُكشف فيه الحقيقة ،وخاصة فيما يتعلق
بموقف السلطة العليا في بغداد وجهازها الأمني
،و الإداري في الموصل ، ودور كل واحد منهم في
تلك الاغتيالات . لكن الذي أستطيع قوله بكل
تأكيد ،هو أنه لا يمكن تبرئة السلطة العليا من
مسؤوليتها في تلك الأحداث ، وعلى رأسها عبد
الكريم قاسم بالذات ، فالسلطة مهما تكن ضعيفة
وعاجزة ،وهي ليست كذلك بكل تأكيد قادرة على
إيقاف تلك الجرائم
واعتقال المسؤولين عنها ،وإنزال العقاب
الصارم بهم إن هي شاءت .
وليست
متوفرة عندي ، وأنا أعيش في الغربة ،بعيداً عن
وطني ،قائمة كاملة بأسماء ضحايا الاغتيالات
تلك ،لكنني ما زلت أحتفظ بأسماء العديد من
أولئك الضحايا .
أسماء
بعض الشهداء ، ضحايا جرائم الاغتيالات :
1
ـ كامل قزانجي ـ محامي وسياسي بارز.
2 ـ غنية محمد
لطيف ـ طالبة مدرسة .
3 ـ العقيد عبد
الله الشاوي ـ أمر فوج الهندسة
.
4 ـ فيصل الجبوري ـ
مدير متوسطة الكفاح .
5 ـ زهير رشيد الدباغ
ـ مدرس .
6 ـ شاكر محمود ـ
معلم .
7 ـ قوزي قزازي ـ تاجر .
8 ـ حازم قوزي قزازي ـ تاجر ( قتل مع أبيه ) .
9 ـ نافع برايا و عائلته ـ قتلت العائلة
بواسطة قنبلة موقوتة ، وضعت بسيارتهم
10
ـ ياسين شخيتم ـ
قصاب ، ونصير سلم .
11
ـ عبد الاله ياسين شخيتم ـ طالب إعدادي
( قتل مع أبيه).
12
ـ متي يعقوب ـ صاحب محل تجاري .
13
ـ إبراهيم محمد سلطان ـ تاجر أغنام .
14
ـ حميد فتحي الحاج أحمد ـ قصاب .
15
ـ كمال القصاب ـ قصاب .
16
ـ موسى السلق ـ محاسب بلدية الموصل .
17
ـ سالم محمود ـ معلم .
18
ـ متي يعقوب يوسف ـ موظف .
19
ـ فيصل محمد توفيق ـ مدرس .
20
ـ عبد الله ليون ـ محامي .
21
ـ زكر عبد النور ـ صيدلي .
22
ـ أحمد ميرخان ـ ( نقل إلى المستشفى جريحاً ،
واغتيل هناك في اليوم التالي في المستشفى ) .
23
ـ عثمان جهور ـ كاسب
، كردي .
24
ـ محمد زاخولي ـ كاسب ، كردي .
25
ـ سركيس الأرمني ـ صاحب كراج .
26
ـ يقضان إبراهيم وصفي ـ مهندس .
27
ـ حنا داؤد ـ سائق
سيارة .
28
ـ عصمت عبد الله ـ موظف .
29
ـ هاني متي يعقوب ـ سائق المطرانية .
30
ـ زكي عزيز توتونجي ـ
توتونجي .
31
ـ بدري عزيز توتونجي ـ توتونجي .
32
ـ نجاح ........ ـ طالب
جامعي ، قتله المجرم جبل العاني ، أحد أفراد
العصابة
33
ـ أركان مناع الحنكاوي ـ كاسب .
34
ـ طارق نجم حاوة ـ عامل .
35
ـ طارق محمد ـ طالب إعدادي .
36
ـ طارق إبراهيم الدباغ ـ تاجر مواد صحية .
37
ـ سالم محمد ـ كاسب .
38
ـ حمزة الرحو ـ
قصاب .
40
ـ شريف البقال ـ صاحب محل تجاري .
41
ـ طه الخضارجي ـ بائع فواكه ، وخضراوات .
42
ـ هاشم الحلة ـ طالب .
43
ـ حاتم الحلة ـ طالب .
44
ـ ذنون نجيب العمر ـ تاجر .
45
ـ محمد أبو ذنون ـ قصاب .
46
ـ عبيد الججو ـ تاجر .
47
ـ خليل الججو ـ تاجر .
48
ـ زكي نجم المعمار ـ معلم .
49
ـ أحمد نجم الدين ـ موظف .
50
ـ أحمد البامرني ـ تاجر .
51
ـ أحمد مال الله ـ موظف .
52
ـ سعد الله البامرني ـ موظف .
53
ـ وديع عودة ـ تاجر .
54
ـ طارق يحيى . ق ـ طالب إعدادي .
55
ـ ثامر عثمان ـ ضابط في الجيش .
56
ـ جورج ـ سائق .
57
ـ أحمد حسن ـ موظف في البلدية .
58
ـ باسل عمر الياس ـ طالب .
59
ـ شاكر محمد .
60
ـ فريد السحار .
هذا
بعض ما أتذكره من أسماء أولئك الشهداء ،ضحايا
تلك المجزرة التي عاشتها مدينة الموصل ،خلال
ثلاث سنوات ،وهي بالتأكيد ،لا تمثل سوى جانب
قليل من الضحايا من أبناء الموصل البررة .
نتائج
الاغتيالات ،والحملة الرجعية في الموصل :
بعد
كل الذي جرى في الموصل على أيدي تلك الزمرة
المجرمة ،نستطيع أن نوجز نتائج حملة
الاغتيالات والحملة الرجعية ،بالأمور
التالية :
1ـ
إلحاق الأذى والأضرار الجسيمة بالعوائل
الوطنية ،وإجبارها على الهجرة من المدينة
،وتفريغها من كل العناصر الوطنية وفي المقدمة
منهم الشيوعيين فقد هجر المدينة بالفعل ،
عشرات ألوف العوائل إلى بغداد ،والمدن الأخرى
،طلباً للأمان تاركين مساكنهم ،ومصالحهم
،ووظائفهم ،ودراسات أبنائهم ،بعد أن أدركوا
أنه ليس في نية السلطة إيقاف حملة الاغتيالات
،واعتقال منفذيها .
2 ـ شل و تدمير
الحركة الاقتصادية في المدينة ،نتيجة
للهجرة الجماعية ،وعمليات القتل الوحشية
التي كانت تجري أمام الناس ،وفي وضح النهار ،
وانهيار الأوضاع المعيشية لأبناء
الموصل،وخاصة العوائل المهاجرة .
3
ـ تجريد عبد الكريم قاسم من كل دعم شعبي
،وعزله عن تلك الجماهير الواسعة ،والتي كانت
تمثل سند الثورة الحقيقي .
لقد
كانت الرجعية ،ومن ورائها الإمبريالية
،وشركات النفط ،ترمي إلى هدف بعيد ،هدف يتمثل
في إسقاط الثورة ،وتصفية قائدها عبد الكريم
قاسم نفسه،وكل منجزاتها ،التي دفع الشعب
العراقي من أجلها التضحيات الجسام ،من دماء
أبنائه .
لقد
كفرت جماهير الشعب بالثورة ،وأخذت تترحم على
نوري السعيد ،والعهد الملكي السابق ،انكفأت
بعيداً عن السياسة ،وتخلت عن تأييد قاسم
وحكومته ،وفقدت كل ثقة بها ،وهذا ما كانت تهدف
إليه الرجعية في الأساس لغرض إسقاط حكومة عبد
الكريم قاسم فيما بعد .ولم يدر في خلد قاسم أن
رأسه كان في مقدمة المطلوبين ،وأن الثورة
،ومنجزاتها ،هدفاً أساسياً لها،وما تلك
الاغتيالات إلا وسيلة لإضعاف قاسم نفسه
،وعزله عن الشعب ،تمهيداً لإنزال الضربة
القاضية به ، وبالثورة ومنجزاتها حيث تم لهم
ما أرادوا ،وخططوا هم وأسيادهم الإمبرياليين
في انقلاب 8 شباط 1963
وتعود
بي الذاكرة ،إلي المقال الذي كتبه الشهيد [
عبد الجبار وهبي ،أبو سعيد ] في صحيفة الحزب
الشيوعي ـ اتحاد الشعب ـ في حقل ،كلمة اليوم ،
بعنوان [ سارق الأكفان ] وكان المقال موجه
بالتأكيد لعبد الكريم قاسم بالذات ،أراد فيه
أن ينبهه إلى ما ألت إليه أوضاع البلاد
،والاستياء الشديد لدى غالبية الشعب العراقي
عامة ،وأهالي الموصل بوجه خاص ،وكان ملخص
المقال أن أحد السرّاق كان يترصد المقابر
،وينبش القبور ،ويأخذ الكفن ليبيعه ،ويترك
الجثة في العراء .
أخذ
الناس يلعنون السارق على فعله ،واستمرت
اللعنات عليه حتى بعد وفاته ،مما حزّّ في نفس
ولده ، الذي فكر في طريقة يجعل بها الناس
يكفون عن لعنة أبيه .
عاد
الولد إلى فعلة أبيه ، لكنه لم يكتفي بنبش
القبور ، وسرقة الأكفان ، وإنما أخذ يمثل
بالجثة ، وينثر أشلائها .
أحدثت
فعلة الولد صدمة كبيرة لدى
جميع الناس ، جعلتهم يترحمون على سارق
الأكفان السابق ، الذي كان يكتفي بسرقة الكفن
،دون تقطيع الجثة ونثر أشلائها ،وهكذا خلّص
الولد أبيه من اللعنات .
أراد
الشهيد أبو سعيد ، أن يقول لعبد الكريم قاسم ،
أن الشعب قد صار يترحم على عهد نوري السعيد
،ويكفر بالثورة ،ويتمنى عدم حدوثها ،نتيجة
لما ألت إليه أوضاع البلاد من تدهور ،ومآسي لم
يسبق له مثيل .
لم
يكن موقف الحزب الشيوعي من الاغتيالات ، في
مستوى الأحداث ، حيث اتخذ منها موقفا سلبياً ،
لا يتناسب وخطورتها ، مكتفياً ببعض المقالات
التي كانت تنشرها صحيفة الحزب ـ اتحاد الشعب ـ وبعض البيانات التي كانت تطالب
السلطة العمل على وقفها !! دون أن تدرك قيادة
الحزب أن للسلطة يداً طويلة فيها ، بهدف تجريد
الحزب من جماهيره وإضعافه ، تمهيداً لإنزال
الضربة القاضية به ، بعد أن أرعبتها مسيرة
الأول من أيار عام 1959 ، التي لم يسبق لها مثيل
، في ضخامتها ، وجموع المتظاهرين جميعاً تهتف
مطالبة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم [ عاش
الزعيم عبد الكريمِ ،حزب الشيوعي بالحكم مطلب
عظيمِ ].
وفي
واقع الأمر ، فإن تلك المسيرة ، وذلك الشعار
،أعطى عكس النتائج التي توخاها الحزب منهما
وجعل عبد الكريم قاسم يرتجف رعباً
،وهلعاً من قوة الحزب ،وجماهيريته ،وتصور أن
الحزب سوف يقفز إلي السلطة ،ويبعده عنها ،
ولعبت البرجوازية الوطنية ، المتمثلة بكتلة
وزير المالية [ محمد حديد ] نائب رئيس الحزب
الوطني الديمقراطي ،دوراً كبيراً في إثارة
شكوك عبد الكريم قاسم بنوايا الشيوعيين ، كما
اشتدت الحملة الإمبريالية الهستيرية ، التي
كانت تصوّر أن الشيوعيين قد أصبحوا قاب قوسين
، أو أدنى لاستلام السلطة في العراق .
ما
كان للحزب الشيوعي أن يلجأ إلى الشارع
،ليستعرض قوته أمام عبد الكريم قاسم ليرعبه
،ليس إلا من أجل
المشاركة في السلطة ،رغم أحقيته بذلك ،في حين
أنه كان بإمكانه استلام السلطة بكل سهولة
ويسر لو هو شاء ،ولم تكن هناك قوة في ذلك الوقت
قادرة على الوقوف بوجهه ،لكن الحزب الشيوعي
استفز عبد الكريم مقاسم ،واستفز البرجوازية
الوطنية ،ثم عاد وبدأ بالتراجع يوماً بعد يوم
، مما أعطى الفرصة لعبد الكريم قاسم
وللبرجوازية المتمثلة بالجناح اليميني للحزب
الوطني الديمقراطي ، للهجوم المعاكس ضد الحزب
، من أجل تقليم أظافره ، وتجريده من جماهيره ،
تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له .
كان
على قيادة الحزب إما أن تقرر استلام السلطة
،وهي القادرة على ذلك بدون أدنى شك ، أو أن
تسلك طريقاً آخر ،هادئ ،لا يستفز عبد الكريم
قاسم ،عن طريق اللقاءات ،والحوار ،والمذكرات
،التي لا تثير أية حساسية ،وأن تسعى للمطالبة
بإجراء انتخاب المجلس التشريعي ،وسن دستور
دائم للبلاد ، وانتقال السلطة بطريقة دستورية
إلى من يضع الشعب ثقته فيه ،أو تشكيل حكومة
إئتلاف وطني ،تضم مختلف الأحزاب الوطنية
،وليكن عبد الكريم قاسم رئيسا للجمهورية ،إذا
أختاره الشعب .
لقد
أتخذ عبد الكريم قاسم موقفه من الحزب الشيوعي
،القاضي بتحجيمه ،وعزله عن جماهيره تمهيداً
لتوجيه الضربات المتتالية له ، والتخلص من
نفوذه .
أما
قيادة الحزب ، فكانت ، بعد كل الذي جرى ويجري
ما تزال عند حسن ظنها بقاسم ،مؤملةً أن يعود
عن الطريق الذي أتخذه ضد الحزب ،وهكذا بدأ
قاسم حملته الشرسة ضد الحزب ،لتجريده من
جماهيريته ،وإبعاده عن قيادة جميع المنظمات
الجماهيرية ،والجمعيات ،والنقابات ،واتحادي
العمال والفلاحين ،وانتهى إلى حجب إجازة
الحزب ،وصنع له بديلا ًمسخاً ،لا جماهيرية له
،لدرجة أنه فشل في إيجاد عدد كافٍ لهيأته
المؤسسة لثلاث مرات
متتالية ،في الوقت الذي جمع الحزب
360 ألف توقيع من رفاقه ، ومؤيديه .
لقد
أصبحت قيادة الحزب في وادٍ، وقاعدته ومناصريه
في وادٍ آخر ،حين وجدت قواعد الحزب أن لا أمل
في موقف السلطة ،واستمرار تمادي العصابات
الإجرامية ،وتنامي عدد حوادث القتل ،يوما بعد
يوم في كافة أنحاء العراق ،بصورة عامة ،وفي
الموصل بوجه خاص ،حتى وصل الرقم اليومي لعدد
القتولات أكثر من خمسة عشر شهيداً .
لقد
ألحت قواعد الحزب ، بعد أن أدركت أن لا أمل في
السلطة ، بالرد على تلك الاغتيالات ، ليس حباً
بالعمل الإرهابي ،ورغبة فيه ،وإنما لوقف
الإرهاب ،وكان بإمكان الحزب لو أراد آنذاك
لأنزل الضربة القاضية بالمجرمين ،ومموليهم
،وكل الواقفين وراءهم . إلا أن الحزب رفض
رفضاً قاطعاً هذا الاتجاه ،متهماً المنادين
به بالفوضويين !! وبمرض الطفولة اليساري
،وغيرها من التهم ، التي ثبت بطلانها فيما بعد
، والتي كلفت الحزب ، وكلفت الشعب ثمناً
باهضاً .
إن
من حق كل إنسان أن يحمي نفسه ،إذا ما وجد أن
السلطة لا تقدم له الحماية ، في أسوأ الأحوال
، إذا لم تكن السلطة شريكاً في الجريمة .