السبيل
لتجنب الصراعات الحزبية والطائفية
حامد
الحمداني
مازالت
الأخبار والتقارير تتوارد عن التنافس
المحموم بين القوى السياسة الفاعلة في مجلس
الحكم من أجل الحصول على أكبر قطعة من الكعكة
العراقية في المرحلة الانتقالية القادمة
عندما تسلم قوات الاحتلال حكم البلاد
للعراقيين ، وتسعى كل فئة من الفئات المتنفذة
في المجلس للهيمنة على الحكم في المرحلة
القادمة .
فقد
تواردت التقارير عن صراع بات مكشوفاً على
مستوى الصحافة وبشكل خاص الصحافة الأمريكية
بين السيد أحمد الجلبي ـ زعيم المؤتمر الوطني
العراقي ـ والسيد أياد علاوي ـ زعيم حركة
الوفاق المنشقة عن حزب البعث الصدامي من أجل
استلام القيادة في البلاد في المرحلة
الانتقالية مستغلين العلاقات التي تربطهم
بالعديد من القيادات الأمريكية المحافظة
ووزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات
المركزية الأمريكية لنيل الحظوة المرجوة
التي تؤهلهما لتولي قيادة البلاد .
وقد
تجلى هذا الصراع داخلياً في سعي الدكتور أحمد
الجلبي إلى اجتثاث البعثيين من مراتب حزبية
متقدمة من أجهزة الدولة ، وبشكل خاص من
الدوائر الحساسة والمؤثرة ، في حين يقف السيد
أياد علاوي على الضد من هذا الموقف مدعياً أن
هذا التصرف لا يخدم المصالحة الوطنية !!ويظلم
الكثير من البعثيين !!، كما أن السيد علاوي
وحزبه يسعيان بشكل محموم إلى استقطاب
البعثيين وضمهم إلى حزبه بدعوى كونهم لم
يقوموا بأعمال إجرامية ،من دون أن يثبت ذلك ،
فلم يجرِ لغاية اليوم أي محاكمة للعناصر
البعثية حول الجرائم التي اقترفها النظام
الصدامي المقبور وحزبه الفاشي والتي تتطلب
ليس أشهراً بل سنوات فما جرى من جرائم بحق
الشعب العراقي خلال تلك الحقبة السوداء من
حكم البعث لا يمكن حصرها ، ومن الغباء إن لم
أقل من الخيانة تجاهل حقيقية أن الجهاز
الحزبي البعثي كان يمثل السيف بيد الجلاد
صدام حسين ، وكان جهازه التجسسي على
المواطنين ، وتقديم التقارير التي أودت بحياة
مئات الألوف من المواطنين العراقيين الشرفاء
نتيجة تلك الوشايات التي تضمنتها تقاريرهم
البائسة والمجرمة .
إن
السعي للدفاع عن هؤلاء القتلة والجواسيس
وتبرئة ساحتهم من الجرائم التي ارتكبت بحق
أبناء شعبنا الذين ضمتهم المقابر الجماعية
وسجون النظام البشعة ومثارمه التي ليس لها
مثيل في العالم أجمع ، والسعي لضمهم إلى حزبه
من أجل توسيع قاعدته الحزبية عمل مرفوض ويشكل
أعظم خطر على مستقبل الديمقراطية في العراق .
ومن
جانب آخر تسعى بعض القوى السياسية الإسلامية
حثيثاً من أجل الهيمنة على الشارع العراقي
لفرض أجندتها الإسلامية من خلال الاستعجال
بفرض الانتخابات التي لم تهيأ لها الظروف
الأمنية ، ولم يهيأ لها شعبنا الذي خرج لتوه
من قمقم الدكتاتورية والفاشية ، ولم يتمتع
بثمار الديمقراطية التي حرم منها خلال عقود
طويلة لكي يتفتح ذهنه على التطورات
الديمقراطية الجارية في العالم أجمع ويمارس
حقوقه الديمقراطية التي أقرها له المجتمع
الدولي من خلال الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة .
لقد
أعاد النظام الصدامي شعبنا القهقرة لعقود
طويلة جراء حروبه الإجرامية والحصار الظالم
الذي فرضته
الولايات المتحدة وحلفائها على شعبنا دون
النظام الصدامي مما أوصله إلى حالة من البؤس
والفاقة والجوع والذل والمرض حتى جعله في آخر
سلم الشعوب الفقيرة في العالم أجمع ، وأوصله
إلى حالة من اليأس والقنوط من الخروج من تلك
المحنة والتخلص من ظلم النظام الصدامي سوى أن
يتوجهوا إلى الله الواحد القدير على إنقاذهم
، وجرى تحول خطير في هيئة وأحوال المجتمع
العراقي لم يشهد مثله حتى في الثلاثينات من
القرن الماضي .
وتسعى
تلك الأحزاب المسيسة للدين إلى الاستعجال في
إجراء الانتخابات لاستقطاب هذا التوجه
الديني لدى الشعب العراقي من أجل فرض أجندتهم
الإسلامية عن طريق الهيمنة على المجلس
التشريعي الانتقالي والسلطة العليا للبلاد .
ويخطئ
من يظن أن موقفنا من السلطة القائمة على أساس
ديني هو موقف معادي للدين ، بل على العكس من
ذلك إن هذا الموقف هو الذي يعزز الدين في قلوب
الناس ويرفع من شأنه ، وإن أي استغلال للدين
لتحقيق أغراض سياسية يشكل أكبر إساءة للدين
ويضعف الوازع الديني في نفوس الناس.
ولنا
من البراهين الدامغة ما يؤكد هذا الرأي في ما
جرى في أفغانستان وإيران والجزائر ومصر
وأندونيسيا وغير من دول العالم الإسلامي .
إن
ما يحتاجه العراق اليوم وفي المرحلة
الانتقالية القادمة هو قيام نظام حكم مستقل
عن هيمنة الأحزاب الدينية وغير الدينية يقوده
رئيس مؤقت مستقل مشهود له بالوطنية الصادقة
وحكومة تنكوقراط من العناصر الوطنية
المستقلة النظيفة لمدة لا تزيد عن عام
أوعامين على أبعد تقدير،
تأخذ على عاتقها أحلال الأمن والنظام العام
في البلاد ، وإرساء أسس الديمقراطية ،و تهيئة
الظروف المناسبة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة
، وتحت إشراف الأمم المتحدة والمنظمات
الإنسانية ، وسن دستور علماني
يضمن الحقوق المشروعة لأبناء شعبنا من أجل
إقامة نظام ديمقراطي يصون الحريات العامة
ويضمن الحرية والعدالة والعيش الكريم لسائر
أطياف المجتمع العراقي ، ويضمن حرية التنظيم
الحزبي والنقابي ،وضمان حرية الصحافة وحرية
الرأي والعقيدة وغيرها من الحريات العامة
الأخرى .
ولا
شك أن قيام حكومة انتقالية مستقلة ، كما نتمنى
، ستكون بحاجة ماسة لدعم القوى السياسية
الحريصة على مستقبل العراق كافة ، وهي مدعوة
إلى بذل كل الجهود الممكنة من أجل صيانة
الوحدة الوطنية وتقديم مصلحة الشعب والوطن
على المصالح الحزبية وسوف لن يرحم التاريخ من
يسعى إلى بعثرة الجهود وشق الوحدة الوطنية
،وليكن شعار كل الحريصين على قضية شعبنا [العراق أولاً]
.