دولة ديمقراطية ودستور علماني هذا ما يريده الشعب

حامد الحمداني

 

يتصاعد الجدل بين فريقين في أوساط مجلس الحكم ،والأوساط الشعبية حول طبيعة الدستور العراقي المنشود ،فريق ينشد تشريع دستور إسلامي ، يتخذ من الشريعة الإسلامية أساساً في تعيين شكل الحكم القادم في البلاد ، ويهدف في نهاية المطاف إلى إقامة دولة إسلامية ربما تكون على غرار جمهورية إيران الإسلامية ، والفريق الثاني يهدف إلى تشريع دستور علماني قائم على أساس ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات والمساواة بين سائر المواطنين بصرف النظر عن الدين أو القومية أو الطائفة أو الجنس .

وحيث أن الشعب العراقي يضم قوميات واديان وطوائف مختلفة فإن ما يناسب مجتمعنا بكل تأكيد هو قيام نظام حكم ديمقراطي ودستور علماني يحقق الأماني المشروعة لكل أطياف المجتمع ، ويحترم سائر الأديان والقوميات والطوائف ،ويحول دون شعور أية فئة من مكونات شعبنا بالغبن أو التهميش.

 

لقد عانى شعبنا منذ قيام الدولة العراقية عام 1921 صنوفاً من التمييز القومي والطائفي ،وبلغ التمييز شكلاً صارخاً ومدمراً منذ أنقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963 وحتى التاسع من نيسان 2003  ، تاريخ سقوط الديكتاتورية الصدامية وحزبها الفاشي ، وهو اليوم بعد تلك المعانات القاسية والتضحيات الجسام يتطلع إلى تحقيق الديمقراطية الحقيقية التي يضمنها دستور علماني يضع في صلب مواده كافة الحقوق والحريات التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والمساواة بين المواطنين كافة ، ويضمن قيام دولة القانون ، وانتخاب ممثلي الشعب للبرلمان دون أي تلاعب أو تزوير ، وقيام محكمة دستورية عليا ذات استقلالية تامة وصلاحيات حقيقية ودقيقة لكي يكون لها القول الفصل في أي تجاوز على الدستور من أي جهة كانت ، وعلى أي مستوى كان ، ومنع أي تلاعب بالدستور أو تجاوز عليه ،كما حدث في العهد الملكي على يد الحكومات المتعاقبة، وبشكل خاص على يد الحكومات السعيدية التي أفرغت الدستور من جميع الحقوق والحريات التي نص عليها ، حيث كان نوري السعيد يعمد إلى حل البرلمان وإصدار المراسيم المخالفة لنصوص الدستور ، وكانت تلك السياسة التي مارسها السعيد أحد العوامل الحاسمة في سقوط النظام الملكي عام 1958 .

إن شعبنا بما يمتلكه من وعي سياسي ، وبعد كل تلك المعانات القاسية خلال 40 عاماً من حكم البعث الفاشي ، يرفض رفضاً قاطعاً أي نظام قائم على أساس ديني أو طائفي أو قومي ، وإن المعيار للحكومة التي يطمح إليها هي التي تأتي عن طريق الورقة الانتخابية والتي تؤمن بتداول السلطة وتصون حقوق وحريات الجميع ، وهذا هو السبيل الوحيد للحفاظ على وحدة سائر أطياف شعبنا وتحقيق أمانيه في الحياة الحرة الكريمة دون اضطهاد أو تمييز أو تجاوز .

 

أن العزف على نغمات الطائفية أو الدينية أو القومية ، ومحاولة فرض دستور لا ديمقراطي ، ومحاولة تطبيق الشريعة الإسلامية ، مع احترمنا الكامل لها ، لا يمكن أن يلبي طموحات شعبنا ، فالعالم قد تغير وهو دائم التغير والتطور باستمرار ، وتبدلت الظروف واتسعت وتطورت حاجات المجتمع تبعاً للتطور الحاصل في العالم في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وهنا أرجو أن لا يعتقد أحداً أنني أهدف إلى تجاهل مبادئنا الدينية ،وإلى إلغاء عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا وسلوكياتنا ، وإنما أهدف إلى عملية الأخذ والعطاء ، فنأخذ قيماً وعادات وتقاليد جيدة ومفيدة ونعطي للآخرين ما عندنا من عادات وتقاليد وقيم طيبة ونبيلة .

أما الإصرار على بقاء القديم على قدمه دون تغيير فهذا لن يوصل شعبنا نحو غاياته في التقدم والتطور واللحاق بشعوب العالم التي سبقتنا بمراحل طويلة ، وسنبقي على حالة التأخر والتخلف عن ركب الشعوب .

إن مما أثار  دهشتي وقلقي تصريحات [آية الله محمد علي تسخيري] أحد قادة النظام الإيراني يوم أمس ،29 /11والذي اعتبره تدخلاً سافراً في شؤون بلادنا وشعبنا ، حيث دعا إلى تشريع دستور إسلامي في العراق ، وكأنه قد نصّب نفسه قيماً علينا يختار لنا ما يرتأيه من دولة ونظام ، وهو بلا شك يهدف إلى إقامة نظام على غرار النظام الإيراني الذي أثبتت الأيام أن شعب إيران يتطلع إلى اليوم الذي يتخلص منه ومن القيود الجائرة التي قيدوا بها حقوق وحريات المجتمع باسم الدين ، وأقاموا نظاماً ديكتاتورياً صارماً يتدخل في كل خصوصيات الإنسان الصغيرة منها والكبيرة وكأنما شعبهم يعيش في القرون الوسطى وليس في القرن الحادي والعشرين !! .

وربما يدعي النظام الإيراني أن لديه برلمان منتخب من قبل الشعب ، غير أن لجنة تحقيق النظام هي التي تتحكم في اختيار المرشحين فترفض من تشاء وتقبل من تشاء ، ورغم كل ذلك فقد جاءت الانتخابات الأخيرة على غير ما يشتهي النظام فكانت أكثرية النواب المنتخبين تريد وتسعى من أجل إجراء تغيرات شاملة وعميقة في المجتمع الإيراني .

لكن البرلمان الإيراني لا يملك السلطة الحقيقية لإجراء هذا التغيير المنشود حيث أن السلطة الحقيقية بيد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية  السيد علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني الذي يترأس مجلس ما يسمى بمصلحة النظام !!! ، وهما المهيمنين على القوات المسلحة وعلى القضاء وسائر الأجهزة الأمنية ، والويل كل الويل لمن يعترض من أبناء الشعب ، فأي ديمقراطية هذه التي يتحدثون عنها ، والذين يريدون أن يصدروها إلينا ؟

 

إن شعبنا يرفض رفضاً قاطعاً السير في هذا الطريق ، وإن لديه من الخبر والتجارب وما يجده ويلمسه ويراه يجعله أكثر حذراً وأشد حرصاً على إقامة النظام الديمقراطي التعددي الذي يضمن كامل الحقوق والحريات الإنسانية ،وهو يؤمن إيماناً حقيقياً لا شائبة فيه أن هذا السبيل هو الطريق لصيانة الوحدة الوطنية والسير بالعراق نحو الأمام لتحقيق الحياة الرغيدة لشعبنا ويصون سيادة واستقلال عراقنا العزيز .