حقائق مشوهة من تاريخ العراق الحديث
/12
ناجي نهر
ومنها :- الأجابة عن الأسئلة المكررة : من هو صانع ثورة تموز/58/م
الحقيقي ؟؟ وما هو دور الجيش العراقي فيها ؟؟ الحلقة رقم - 2 1 -
تناولت الحلقة السابقة صور عن الواقع الذاتي والموضوعي بعد تفجيير ثورة
14/ تموز/58/م ، وستتناول هذة الحلقة أسباب فشل تلك الثورة ، بأيجاز :
-
وبطبيعة الحال ، حينما تبدأعوامل النجاح بالتآكل وتنشط بالضد منها
عوامل الفشل ، يتحسس المخلصون بقرب كارثة السقوط الرهيبة ، وحينما لا
ينفع مع النظام صراخهم وتضحياتهم وتحذيراتهم ومشاريعهم الموضوعية فى
إنقاذ الوطن وناسه من الدماروالخراب !!! ، ستعم الفوضى والتخبط وعدم
الشعور بالمسؤولية الوطنية والأنسانية فى كل مكان ، ويسود الأرباك
والفساد مؤسسات الدولة دون إستثناء ، وتبدأ الدكتاتورية تستقطب الظرف
الشاذ بشذوذ أعلى وإستبداد أعتى بأعتبارها الأسمى علمآ ومعرفة و بحجة
السيطرة على الموقف المتدهور ، فتنقسم القوى السياسية على نفسها وفيما
بينها بدوافع إنتهازية بحتة دون التفكير - بالنتائج - المهلكة للحرث
والنسل ومصائر الناس والبلد ، ناهيك عن خبرة الرأسمالية العالمية –
أمريكا وبريطانيا - وسرعة إستغلالهم لهذا الواقع بغية إنقضاض عملائهم
على الثورة والسيطرة على منابع النفط . فقد كانت اجتماعات حلف بغداد
متواصلة من أجل إيجاد العملاء ، وكان التيار القومي بتلاوينه المختلفة
متهيئآ لتلك العمالة .
فبعد ساعات من نجاح ثورة 14//تموز ، دبت الخلافات بين قادتها العسكر
وبانت حقيقة النوايا الشخصية والفئوية والقومية وانقسمت على إثره القوى
الوطنية وإنفرط عقد جبهة الكفاح الوطني وإنكشفت مطامح القوى القومية
وتفسيراتها وقرآئتها الخاطئة للواقع ، وبدأ التآمر على الثورة يتصاعد
بالساعات والأيام بدفع وتشجيع من أصحاب الأتجاه القومي المزعوم الذي
كان يقوده آنذاك المرحوم - جمال عبد الناصر - ونهجه فى تصدير الثورة
الى الدول الأخرى ، وقد تبنى -عبد السلام عارف - إحتضان هذا المشروع -
الفاشل !! - بأعتباره - قومجي - و الشخض الثاني فى مجلس قيادة الثورة و
يشغل منصبي - نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية وكان معروفآ بنزعته
الطائفية المتزمتة وإزدواجيته وهيجان عواطفه وسذاجته السياسية ورعونة
تصرفاته المتهورة التي دفعته الى التآمر على صديقه وقائد ثورته
بالتعاون مع اعداء الثورة المشخصين ، وهم كل من أحمد حسن البكر ومهدي
عماش ورشيد عالى الكيلاني ، وكررتآمره مرة ثانية ، حينما أتفق مع قيادة
حزب البعث بما سمى بعملية فاضل الشكرة فى محاولة إغتيال عبد الكريم
قاسم . ومرة ثالثة فى مؤامرة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف فى
8/3/959/م التي كان للشيوعيين شرف إفشالها وافشال بعض التحركات المريبة
هنا وهتاك ، فى مناطق مختلفة من العراق ، لكن عبد الكريم قاسم لم يتعظ
ولم يتخذ ما يلزم لحماية الثورة - فعم على نفسه وسبعة من الجيران
الأجواد !!!!! . -
ثانيآ - من العوامل الحاسمة فى سقوط ثورة 14/تموز/58م - عبد الكريم
قاسم - نفسه - لما كان يتمتع به من خصائص ومواصفات وسجايا ومعتقدات
وثقافة سياسية محدودة وسايكولوجية نفسية غير مستقرة ، فعبد الكريم قاسم
- كعسكري - يشار إليه بالبنان ، وكان يختار - محكمآ - لأغلب التمارين
والفرضيات العسكرية ، لكن السياسة بتقلباتها وفنونها وألاعيبها تحتاج
الى قادة من نوع خاص ، كان عبد الكريم قاسم طيب القلب ، نظيفآ وعفيفآ -
قاد الثورة - بالخاكي - وإستشهد بالخاكي - ورحل وهو يطلب خزينة الدولة
بعضآ من رواتبه وحقوقه الشخصية ، وقد إستغلت طيبته من مختلف الشياطين
والعمائم الملونة التي تمكنت فيما بعد من - وأد الثورة - و بألأمكان
ألتعرف على عبد الكريم قاسم وتقييم قدراته ، من خلال خطاباته و تصرفاته
التى لا تثبت على حال ويتخللها مزيج غريب وعجيب من المتناقضات
والمفارقات ، التى تجعل من الصعب على العاملين أوالمتعاملين معه تحديد
ما يريد ، وما يحب ويكره !! فحينما تطرح عليه قضية ما يتجاوب معها فورآ
، لكن التنفيذ يأتي مبتورآ ومبهمآ ومحيرآ !! ولا يمكن تطبيقه أو
الأستفادة منه كما هو مطلوب !!! .
ثالثآ - إستنزفت ثروة العراق فى مقاتلة الأكراد - المطالبين بحقوقهم -
وحينما زادت مدتها على السنتين ، خلقت حالة من التذمر فى صفوف الشعب
ومنتسبي الجيش على حد سواء، وإنتهت بفشل الثورة وبتدحرج جماجم مفجريها
وصانعيها وحماتها ، وبنزيف دماء زكية لشعب شجاع حالم بغد أفضل ، إستمر
بلا إنقطاع حتى هذه اللحظة .
رابعآ - سياسة - عفى الله عما سلف - السياسة التى تميزت فيها عواطف عبد
الكريم قاسم الجياشة - دونما مبرر - حيث كان يتخذ قرارات فردية غير
ناضجة وبالضد من إرادة الأكثرية وتتقاطع مع حقوقهم ومع القانون
والدستور المؤقت ، خاصة تلك القضايا التى تتصف بحوادث قتل وجرائم مروعة
وتجاوز على الحقوق الأجتماعية والشخصية ، وتتسبب بأضرار مادية ومعنوية
تهدد أمن الدولة وتعرض ثورة الشعب الى أخطارحقيقية ، كانت بالمحصلة
النهائية تصب فى خدمة مخططات البعثيين والقوميين التآمرية وتعزز من
ثقتهم بأنفسهم وبتنظيماتهم ومن ثقة من يساندهم من العربا ن قادة الدول
المدعية زورآ بمبادئ النهج القومي والديني - وعجين اليوم من نفس العجين
!!! -
خامسآ - كان لموقف عبد الكريم قاسم المتردد صبيحة يوم المؤآمرة فى
8/شباط الأسود عام/963/م ألسهم القاتل بصدر المدافعين عن الثورة ،
والمفتاح الذهبي لنجاح المتآمرين ، الذين إعتراهم الخوف والرعب ، من
زخم الجماهير التي نزلت وغطت الشورارع والساحات مدافعة بصدورها وحبها
للثورة وإيمانها بالنصر ، أما عبد الكريم قاسم فقد إستكان فى عرينه
وإمتنع عن تلبية طلب الجماهيرللسلاح ، وإمتنع حتى عن تزويدنا بفصيل من
حمايته كي نتمكن فيه من فتح بوابة معسكر الرشيد التي سيطر عليها
المتآمرون بالدبابات بقيادة عدو الشعب - طاهر يحى الحرامي - الذي كان
يحصد ارواح الجموع المحتشدة أمام بوابة معسكر الرشيد ، وكنا بين تلك
الجموع الغاضبة أربعة ضباط من مختلف الصنوف ، كان عبد الكريم قاسم
يعرفنا بالصوت والصورة ، وبدلآ من تشجيعنا على اقتحا م بوابة المعسكر ،
أصدر لنا أمرآ عسكريآ بألعودة الى بيوتنا وإنتظار المفاجئة فى الساعة
الثانية من بعد الظهر !!!!! ، فتمرد نا على أمره وإنتقلت أنا مع جمهرة
من الجنود وضباط الصف الشجعان الى الزاوية الشرقيية من معسكرالرشيد
عسانا نفلح بخرق فجوة نتمكن من خلالها دخول المعسكر ، بينما ظل بقية
الضباط ينتظرون أمام بوابة المعسكر الرئيسية أوامر عبد الكريم قاسم
ويشرفون على معالجة المواقف المتغيرة فى كل لحظة ، لقد كنا مصممين على
الموت دفاعآ عن الثورة بدلآ من أن نساق الى الذبح كالخرفان . تلك هى
طيبة وغفلة عبد الكريم قاسم التى قتلتنا !!!!! . فقد وثق بأعداء الثورة
وظل بأنتظار وعودهم المخادعة حتى سيطروا ليلآ على أكثرية المراكز
الحساسة وسدت بوجه الجماهير منافذ الوصول الى عرين الأسود المقاتلة فى
وزارة الدفاع ونجدتها ، بينما لا زال صدى أسلحة الشجعان المقاومون فى
شارع الكفاح والكاظمية يشق عنان السماء كالصواعق المزلزلة ، هنا ،
تملكني حزن عميق وانا أكتب هذه السطورالمأساوية المرتعشة ، فيممت روحي
نحو أرواح إولئك الأبطال الذين سقطوا مثخنيين بالجراح وكأني اراهم الآن
يسقطون !! ، لكن سيل الدمع سبقني الي مداواة جراحهم ، وبلسمة حنيني
المضرج بالوجد والخشوع لهم . حقآ إن 8/ شباط ، ليومآ أسود ومأسآته لا
تنسى وناره فى الحشى لا ينطفي أوارها ببضع صفحات موجعة .
سابعآ - تعطلت مسيرة الثورة وتلكأت فى تحقيق أهداف مرحلتها - مرحلة
التحرر الوطني - للأسباب اعلاه واسبابآ إخرى غيرها سأشيرلها بأيجاز :
فقد كان الهدف الأول للأمريكان وعملائهم من قوى الردة ، عزل عبد الكريم
قاسم
عن اخلص مناصريه واكثرهم إيمانآ بالثورة ومكاسب الشعب ، وحينما إنجزهذا
الهدف ، عادت الى العلن شبكات التجسس الأمريكية لتكمل طبخة الأجهاز على
الثورة بأساليب بسيطة وذكية ، كان العراقيون وقادتهم يفتقرون الى وعيها
وكيفة التعامل معها وردها الى نحورهم مع الضحك على ذقونهم ، فقد كان
الجميع - شعبآ وحكومة -يفتقرون الى الوعي والتجارب فى ادارة مؤسسات
الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وقطاعات الأقتصاد العام والخاص وحل
المسألة الزراعية والعقارية والمالية والنقابات والجمعيات والأتحادات
وغيرها بألأستفادة من تجارب العالم . وكان الوعي الدبلوماسي فقيرآ
وهزيلآ للغاية خرب علاقاتنا الدولية وحرمنا من مساندة الرأي العالمي
لقضيتنا المشروعة ، وكان لقيادة الثورة دورها الواضح فى هذا التخلف
بذريعة - الفترة الأنتقالية - حيث ماطلت السلطة الشعب ومنعته من مزاولة
حرياته الخاصة والعامة واجازة أحزابه ومنظماته السياسية والأنسانية
والمهنية ، وبهذا الخصوص كتبت - إتحاد الشعب - يوم 7/5/959/م
)) تعقب الثورات الشعبية الظافرة فى مختلف البلدان فترة إنتقالية تمتد
بين إنتزاع السلطة من أيدي الطبقات المدحورة وبين إقامة النظام الجديد
، وتتركزمهام فترة الأنتقال عادة على واجبين رئيسيين : أولهما شل نشاط
العدو ولا سيما العدو الداخلي وقمع فعالياته المناوئة للثورة وثانيهما
، قبام وتنشيط وتعزيز المؤسسات الشعبية الديمقراطية لتكون الأساس لنهوض
الموؤسسات الديمقراطية ، ومعنى ذلك ضرورة المبادرة الى إطلاق الحريات
الديمقراطية وحريةالعمل القانوني للأحزاب الديمقراطية بما فيها حزبنا
المجاهد - - - الخ ))
ثامنآ - لقد تخلى العسكر بعد نجاح تفجيير ثورة 14/تموز/58/م وإستلام
مقاليد الحكم ، عن أهداف ثورة تموز التى سطرها بيانها الأول ، كما
تخلوا عن برنامج منظمة الضباط ، وكذلك عن برنامج جبهة الأتحاد الوطني ،
حيث كانت جميع البرامج تنص على - فترة إنتقال لا تزيد عن السنتين ،
وتسليم الحكم الى حكومة مدنية منتخبة ، تشرع دستور دائم ، فحدث العكس
وأصبحت جبهة الأتحاد الوطني - ذيلآ قصيرآ !!! - لمجلس قيادة العسكر -
وكانت المطمطة و - اللأطالة - أحد أسباب ذبح الثورة !!! - كما إستعيض
عن الحريات والضروريات بشعار - فوق الميول والأتجاهات - وحيث لايوجد فى
الدنيا أنبياء يقفون على التل !! - وخلق التوازنات المزعومة الثى تعكزت
عليها السلطة وبررت فيها تلكأها ، لا يمكن إنجازها بتجميد العقول
والشعوذات ، بل بتفعيل العقول والأفكار بموضوعية وأبداع فى التطبيق -
لكن العسكر بدلآ من الأعتماد على الشعب وقواه المخلصة ، أعتمدوا ، على
الجواسيس وأجهزة الأمن والأستخبارات الملكية التي كانت تطارد المناضلين
وكرمتهم !!! . ومع كل ما جرى وسرى ، يبقى عبد الكريم قاسم - نظيفآ –
لأنه لم يتعمد الخطأ والأساءة لأحد وعمل وفق ما يناسب وعيه وتفسيره
للأمور ، أما الشعب وقواه السياسية فسيتحمل كل منهم حصته المناسبة من
الحسنات والسيئآت ، فالتاريخ , لا يترك صغيرة وكبيرة إلا أحصاها ، أما
أعداء الشعوب وعملائهم , فهم - لب الداء وأصل البلاء . -
- يتبع -