حقائق مشوهة من تاريخ العراق الحديث
/11
ناجي نهر
ومنها : - الأجابة عن الأسئلة المكررة : من هو صانع ثورة 14/تموز/58/م
الحقيقي ؟؟
وما هو دور الجيش فيها ؟؟
الحلقة رقم - 11 –
تناولت الحلقة السابقة - الواقع السياسي وأبرز أنشطة وفعاليات القوى
السياسية التي سبقت تفجير ثورة 14/تموز/58/م ، وستتناول هذه الحلقة
صورعن الواقع الذاتي والموضوعي بعد نجاحها : - أ - الواقع الذاتي : -
إنقلبت صورة الواقع الجميلة رأسآ على قبح ، شأنها شأن جميع الثورات على
مر التاريخ فالثورة بعد نجاحها تبدأ بأكل مفجريها حتى تصل الى أسد
الغاب المتفرعن الذي بالتالي يحولها الى مشروع تجاري للأرتزاق !!،
فالشئ المحير الذي أثار ألأستغراب بعد نجاح ثورة تموز/58/م هو سرعة
تفكك وحدة الشعب وتنصل قواه السياسية عن إلتزاماتها في ميثاق الجبهة
الوطنية وقيامها بأفعال لا تمت بصلة لأخلاق المناضلين ولا لقواعد
وأساليب النضال المعروفة ، حتى وصلت تلك الممارست حد الخيانة وارتكاب
الجرائم والتصفيات الجسدية ، وقد حذر الحزب الشيوعي - مبكرآ - من مغبة
الأنجرارالى ما لا يحمد عقباه ، و تضمنت مذكرته المرسلة الى عبد الكريم
قاسم فى اليوم الثاني من نجاح الثورة ما يلي : (( لا شك ان برقيتنا قد
وصلتكم أمس . مرة إخرى نحييكم ونرجو لكم الخير والنجاح فى المهمة
النبيلة التي أخذتموها على عاتقكم ، ولا يسعنا الآن سوى أن نبين بعض
ملاحظاتنا العاجلة التي نعتقد بأهميتها فى اللحظة الراهنة .
1 - إن الحركة قد سجلت نصرآ سريعآ حاسمآ . ومن البديهي إن كسب النصر
أسهل من المحافظة عليه وتعزيزه . ولنا ثقة بأن الجرأة والحزم اللذين
رافقا النصر ولعبا دورآ أساسيآ فى تحقيقه ستتوقف عليهما فى المستقبل
أيضآ المحافظة على هذا النصر وتعزيزه .
إن الذى يدعونا الى تأكيد هذه الحقيقة هو إننا خبرنا كثيرآ من الساسة
وإننا نمر الآن بمعركتنا وفى ذاكرتنا تجارب مريرة من تاريخ كفاح شعبنا
ومن تاريخ شعوب إخرى فهنالك من يسوقنا دائمآ الى ما يخدر يقظتنا وعزمنا
بأسم المحافظة على الهدوء والسكينة وبأسم قطع الطريق على - الفوضى -
وهم يشعرون أو لا يشعرون ، يريدون أولا يريدون ، يسوقون حركتنا الى
مزالق يستغلها الخصم لينفذ منها الى صفوفنا محاولآ تشتيتها والى
مواقعنا محاولآ إرغامنا على التخلي عنها .
لنتذكر جيدآ أمثلة قريبة الى ذاكرتنا ، لنتذكر ماذا كانت نتائج مثل هذه
الدعوة التي صدرت خلال وزارة محمد الصدر عام/948/م والتي أدت الى هجوم
إنتقامي على حركتنا الوطنية بمجموعها وذهب ضحيته حتى إولئك الذين كانوا
يدعون الى الهدوء والسكينة ، أو لنتذكر حكومة مصدق التي هي الأخرى
حاولت أن لا تستفز الخصم وبخلت بثقتها على الشعب وامتنعت عن تسليحه
ودعته الى الهدؤ والسكينة ، فكانت النتيجة أنها سقطت تحت ضربة حفنة من
السراق والأوباش ، أو لنتذكر مثالآ هو أقرب إلينا من هذا ، لنتذكر
حكومة النابلسي التى هى الأخرى كما هو معلوم حاولت أن لا تستفز الخصم
وبخلت هي الأخرى بثقتها على الشعب وامتنعت عن تسليحه وكانت النتيجة
المعروفة ، حفنة من البدو تسقط حكومة وطنية تتمتع بتأييد الغالبية
الساحقة من الشعب .
هذه أمثلة من المفيد أن نتذكرها الآن ونحن فى نشوة النصر .
2 - قديمآ حيث كانت مصائر بلادنا العربية وسائر بلدان الشرق المستعبد
تقرر فى لندن وباريس وفى وزارة المستعمرات ، كانت عقليات كثير من
الساسة - حتى الوطنيين - منهم تتجه الى تجنب إستفزاز دوائر الأستعمار ،
إذ أنها كانت تعيش على إرضاء تلك الدوائر وتدين بوجودها الى هذه الفئة
أو تلك من فئآت الأستعمار ، وكانت عقليات هؤلاءالساسة تتجه لكبت الشعب
، خوفآ من أن يستفز من بيدهم مصائرهم . ولم تكن الشعوب على ما هى عليه
الآن من وعي لمصالحها ، ومن حرص على الدفاع عنها ، ومن إستعداد للتضحية
فى سبيلها ، أما اليوم فالوضع يختلف من كل وجوهه ، فالأستعمار لم يعد
سيد مصيره ، بل يرغم على كبت إرادته ، وتبوء بالفشل مؤامراته الواحدة
بعد الأخرى وتدك من الأساس مصالحه الأستغلالية هنا وهناك ، وبالبديهة
لم يعد سيد مصائرنا نحن شعوب العرب ، شعوب الشرق لا المستعبد بل الناهض
.
اليوم تنتفي المبررات جميعها التى تحاول تهدئة الأستعمار أو كسب رضاه ،
فكل حركة وطنية قادرة حتمآ على الأنتصار فيما لو سلكت سبيلآ وطنيآ
واضحآ لا لبس فيه ولا غموض ، وبهذا السبيل فقط تستطيع أن تعبئ حولها
جماهير شعبها الواعي المقدام ، وتستطيع بهذا السبيل وحده أن تكسب تأييد
الرأي العام العالمي ومساندة قوى الحرية فيه ، التى هى اليوم كفة راجحة
فى الميزان الدولي ، أما اذا سلكت سبيلآ غامضآ فسيلتف الشعب حولها
بأندفاع أقل ، وبذلك تتعرض هى نفسها الى المخاطر ، وربما الى الخذلان
أمام ضغط الأستعمارالمستشرس الذى يدافع عن آخر اوتاده فى أرضنا .
3 - إننا نعتقد بأن أخذ الملاحظات الواردة بنظر الأعتبار فى سبيل
جمهوريتنا الفتية يقتضي :
أولآ - سياسة وطنية واضحة وحازمة . وهذا يستوجب فى الظرف الراهن إعلان
انسحاب العراق فورآ من ميثاق بغداد ، وإلغاء الأتفاقية الثنائية مع
بريطانيا ، واعلان الأتحاد الفدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة
واليمن ، واعادة النظر فى علاقات العراق الخارجية على أساس مستقل ،
وتبادل التمثيل الدبلوماسي مع الأتحاد السوفياتي والبلدان الأشتراكية
الصديقة و الوفية فى الملمات .
ثانيآ - انتهاج سياسة تعتمد على الثقة بالشعب وعلى يقظته ووعيه وطاقاته
الخلاقة وهذا يقتضي اطلاق سراح السجناء السياسيين وتشجيع قيام اللجان
الشعبية للدفاع عن الجمهورية وتكوين فصائل المقاومة الشعبية وتسليحها
حالآ ، ولنا من تجربة إقليمي الجمهورية العربية المتحدة مصر وسوريا
ولبنان وغيرها خير دليل على أهمية وجود مثل هذه الفرق وتسليحها .
ثالثآ - فرض رقابة سريعة وحازمة على مؤسسات شركات النفط والبنوك
والموانئ والمخازن والمؤسسات الأقتصادية الكبرى غايتها حماية ثروتنا
واقتصادنا الوطني وقطع الطريق على المؤمرات المحتملة .
رابعآ - إن تجربة اليوم الأول من قيام الجمهورية تؤكد على ضرورة اتخاذ
تدابير سريعةأيضآ فى نطاق التوجيه والأذاعة بما يضمن تعبيرها تعبيرآ
صحيحآ عن أهداف الحركة ومحتواها الوطنى الديمقراطي .
وتجنب كل ما من شأنه فتح ثغرات فى صفوف الشعب . وقد لاحظنا خلال هذا
اليوم الأول تجاهلآ صارخآ للشعب الكردي وموقفآ متعسفآ من عشرات ومئآت
البرقيات التأييدية بسبب من طابعها الديمقراطي . اننا نعتقد بالأهمية
الكبيرة لتسليم جهاز الدعاية والأذاعة الى أيد وطنية د يمقراطية تحسن
التعبير عن إرادة حركتكم المباركة وتكشف وجهها الناصع للشعب فى العراق
وفى البلدان العربية والعالم أجمع ، الى أيد تستطيع فعلآ أن توجه الى
ما فيه ضمان وحدة شعبنا وتضامنه ورفع اليقضة للوقوف كرجل واحد بوجه
مؤامرات الأستعمار واعوان الأستعمار .
واخيرآ نكرر قولنا فى برقيتنا التأييدية بأن نضع كامل قوى الحزب
وإمكاناته لمساندتكم ، وللدفاع عن جمهوريتنا البطلة .
وتقبلوا تحياتنا القلبية وتمنياتنا لكم بالظفر . اللجنة المركزية للحزب
الشيوعي العراقي - بغداد :15/تموز/1958/م
ولكن برغم الحذيرات الموضوعية ، إزداد تفاقم الصراع بين قادة الثورة
أولآ ، وانعكس بسرعة الأعصار على الشعب وقواه الوطنية ، فسقطت شعارات
جبهة الأتحاد الوطني وحلت بدلآ منها شعارات قومية منادية بعنفوان وتهور
وبلا موضوعية بألوحدة الفورية مع مصر ، تقابلها فى الجهة الأخرى شعارات
موضوعية - شيوعية ومستقلة - تنادي بالأتحاد الفدرالي ، وكان إختلاف
الشعارات ، يشير الى الخلل الجدي فى بنود ميثاق جبهة الأتحاد الوطني
الذي لم يستقرأ مسبقآ ما سيكون عليه الظرف بعد نجاح الثورة ولم تتضمن
بنوده شروط ملزمة للأطراف المتحالفة ، كانت قد طرحت قبل كل شئ على
الشعب ليكون متهيئآ وبالمرصاد لكل عابث فيها ، كاللجؤ الى التحكيم وفرض
عقوبات على ناكص العهد وفضح مآربه ومخططاته امام الشعب وعزله وأبعاده
عن المساس والتأثيير على مسار الثورة ، مثلما كان لقرار الحزب - الوطني
الديمقراطي - وهو ممثل الوسطية بين القوى الوطنية فى تجميد نشاطه
وانهزاميته وانحيازه الى صف الأقطاعيين والمعادين للأصلاح الزراعي
وحقوق العمال ، فكان لذلك التجميد أثره البالغ فى تسعيير الصراع وإضعاف
حكومة الثورة ، وقد ذهبت محولات الحزب الشيوعي العراقي بأعادة الوفاق
والتلاحم الوطني من جديد أدراج الرياح . فهل هذه التجربة جديرة
بالدراسة اليوم ؟؟ .
- يتبع -