دروع بشرية للعراق الجديد (2 من 2)

أميرة الطحاوي *
amiraaltahawi@hotmail.com
يتعرض العراق الآن لعملية تفريغ حقيقي من أصدقائه المفترضين ، و عندما نقول
عملية فإننا نعني أن الأمر مقصود ، و يتم على مراحل ، و عندما نقول أن هناك
أصدقاء للعراق سيرحلون عنه ، فإننا نعني الأصدقاء المفترضين ، منظمات دولية و
هيئات إنسانية ، كان أول من شد الرحال عن العراق بعد استشهاد " دي ميللو "
الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة هم بقية الموظفين الدوليين بالمنظمة ،
و السبب المعلن آنذاك هو أن وجودهم بالعراق يعرضهم للخطر ، و هو أمر متناقض مع
طبيعة عمل المنظمات الدولية المفترض تواجدها في أماكن النزاع ، تخلت الأمم
المتحدة للأسف الشديد عن دورها الطبيعي في دولة هي بأمس الحاجة للعون الخارجي ،
و رغم تحفظاتنا على أدائها و حقيقة دعمها لمطالب الشعب العراقي للتخلص من الحكم
الديكتاتوري لصدام ، إلا أن وجودها في هذه الفترة بالذات له من الأثر القانوني
و النفسي الكثير ، الصليب الأحمر كان أحد الأصدقاء الذين رحلوا جزئياً عن
العراق ، فقد استهدف بقسوة و صرحت إحدى موظفاته بشجاعة أنهم لن يرحلوا لكنهم
فعلوا، ، و يبدو أن هناك تراجعاً ملحوظاً في وجود و عمل المنظمات الإنسانية
عامةً ، كما طالت الأعمال الإرهابية أيضاً دبلوماسيين يابانيين لأن بلدهما
اعتزمت إرسال قوات خدمية للقيام بأعمال مدنية بالعراق ً ، من أين جاء القتلة
إذا كانت لوحات الترحيب باليابانيين تملأ شوارع السماوة - حيث يفترض أن تنتشر
القوات اليابانية هناك ؟ فالناس هناك يعتقدون أن دولة بقدرات اليابان
التكنولوجية قد توفر لهم بعصاها السحرية بعض الإعمار لبلد عاد قرناً للوراء ؛
فعليك مثلاً للوصول من بيت لآخر مجاور بأي مدينة بالجنوب أن تتقن أولاً الألعاب
البهلوانية خشية أن تسقط في المستنقعات المتكونة من مياه الصرف بالأساس و التي
يضاعف منسوبها هطول الأمطار و لو لساعات ، أراد البعث للعراقيين أن ينشغلوا
بهذه المصاعب المفتعلة عن فساد حكمه ، و النية متواصلة لدى فلوله حتى الآن
لعرقلة اعمار العراق انتقاماً و محاولة لتحسين صورة حكمهم البائد عند المقارنة
،
و التلكؤ الأمريكي و فساد البعض سيدفع المواطنين لسخط قد يستغله البعث و
وكلاؤه الجدد ، الذي لا يعتقد أنه قبر للأبد فالأفكار جيدها و فاسدها بتطبيقها
الصالح أو الطالح لا تموت ، كما أن غلاة البعثيين لازالوا بالعراق ، ستجدهم هنا
متربعين في كل مكان يجب أن يرحلوا عنه ( و آخر نكتة حقيقية أن عُين مسئول بعثي
مديراً لإدارة بإحدى وزارات لخلط في اسمه ، مثلما أُكتشف فجأة أن أحد المحافظين
المعينين قبل ستة أشهر بعثي، لا تتعجب فأنت بالعراق ) .
يفرغ العراق إذن من كل طرف قد يقدم عوناً ، و ينفذ أعداؤه من كل ثغر ، فما هو
البديل ؟ .
اجتماعياً ، العراق الآن بحاجة ماسة لعودة أبنائه القادرين أكثر من غيرهم على
تدعيم أهلهم بالداخل ، ضد هجمات الإرهاب و التطرف الديني المحموم ، فلا توجد
امرأة واحدة تستطيع السير دون غطاء للرأس في مدينة كالناصرية مثلاً تلك التي
كانوا يسمونها سابقا موسكو الصغرى ، و التي اشتهرت بعدد غير قليل من الأسماء
الثائرة و المتحررة ، و لا نعني بالتحرر سوى ما كان عليه هذا المجتمع منذ عقود
حيث كانت الأخلاق النبيلة حاضرة بينما النسوة يرتدين الأنيق من الملابس ، و لم
يكن شعر المرأة حافزاً للاعتداء عليها ، و لا كان ارتداؤها للزي العصري بمؤشر
على انحلال ،النسوة العراقيات اللاتي عشن لفترة بالخارج سواء احتفظن بحجابهن أم
تأكد لديهن أن الحرية الشخصية أمر مقدس ، و أنه لا علاقة للأخلاق بغطاء الشعر ،
لم لا يعدن و يقفن قبل الرجال ضد هذه الإرهاب الذي بدأه بعض من الجهلة الذين
استغلوا انتفاضة الشعب المجيدة عام 91 ممن كانوا يقفون على نواصي الشوارع
يتوعدن الفتيات السافرات ، مع الوقت صار على المرأة التي لا تريد أن تستمع
لشتائم نابية من شخص غير محترم أن تلتحف بالسواد ، و مع الحصار الاقتصادي و
تبعاته الاجتماعية ثم الحملة الإيمانية لصدام أصبح ينظر لمن لا ترتدي الحجاب
على أنها هي غير المحترمة ! في الناصرية قتلوا بائع خمر و ابنه الطفل ، و عندما
جوبه القتلة بفعلتهم تحججوا بأنهم أرسلوا له تهديداً مسبقاً كما انهم – و يا
للرحمة -قتلوه بعد انتهاء أعياد الفطر المبارك ، ينتمي الجناة لأحد الأحزاب
الممثلة في مجلس الحكم و لم يتحرك أحد ، ينتظر العراق ألا تتركه القوى العراقية
العلمانية فريسة للتطرف الديني الذي لا تتوقف مظاهره على تقييد الحريات الشخصية
،
فالإرهاب و الشعوبية البغيضة ستكتسح إن لم يقف أمامها الآن و قبل أي وقت آخر
قوى تعرف خطر هذا التعصب .
عشرات الجرائد و مراكز الأبحاث ببغداد و غيرها هي ستار لبعثيين و ما شابههم ،
لقد دهشت عندما رأيت نتاج أحد مراكز الرأي العام و هو مركز نشأ في عهد صدام
يفبرك استطلاعاً لرأي النسوة العراقيات في اتفاقية إنهاء الاحتلال الموقعة بين
سلطة الائتلاف المؤقتة و مجلس الحكم الانتقالي ، إذ اعتمد المركز على رأي عشرة
نساء فقط ليقول أن المرأة العراقية لا تثق في الاتفاقية و لا في مستقبل العراق
! ،
أين المهنيون و الأكاديميون ؟ لماذا تترك الساحة خالية لهؤلاء " الحيالة "
؟ أين الفنانون العراقيون ليقفوا بأعمالهم ضد الإرهاب البعثي و التطرف الديني
المحموم و النصب العلني بالعراق ؟
اقتصادياً ، ينتظر العراق رجال الأعمال و حتى أصحاب رؤوس الأموال قلت أو كثرت
من العراقيين الشرفاء أن يسارعوا لاستثمارها في بلادهم ليس لأن هناك خير قريب
بانتظار هذه الأموال ، أو لأن هذا هو واجبهم الوطني بل لوجود عشرات البعثيين
يتجمعون الآن في عاصمة عربية قريبة ، للعودة للعراق بأزياء رجال الأعمال ، و
بدأ بعضهم بالفعل في المضاربة و المقامرة بأموال و مقدرات شعب بكامله .
سياسيا ً ، ينتظر العراق كل سياسي شريف للعمل ، و حتى الحركات التي ترتكن على
البعد العربي للعراق أو ذات الاتجاه الإسلامي المعتدل و وقفت موقفا مناهضا لحزب
الدفن المعروف باسم البعث يجب أن تخرج للنور طالما لا يشوب تاريخها شائبة ، حتى
لا يترك المجال للمتسترين بالوطنية و العروبة و الإسلام لاستيعاب الآلاف
المتعطشين للواء ينضمون تحته .
العراق الجديد إذن و على كافة الصعد بحاجة لدروع بشرية حاشدة من أبنائه و
أصدقائه الحقيقيين لصد هذا الطوفان الغاشم من المخربين و المتأسلمين، فهل من
مجيب ؟



مع تحياتي
أميرة الطحاوي