العولمة الإسلامية والتغيير الأمريكي

د. أسعد الخفاجي

يهب على منطقة الشرق الأوسط، منذ بدابة العام 2003، إعصار سياسي شديد منبعث من غرفة عمليات العولمة في البنتاغون.  تصدعت بفعله صروح السلطة المطلقة للحكام العرب، المتجبرين على شعوبهم "المطيعة"، المتخاذلين أمام العم سام المتعنت، وتحولت إلى هياكل ورقية، يهينها جنود المارينز، كل يوم، ويعبث بها أطفال الشارع العربي!  والملفت للإنتباه حقاً، أن تلك الشعوب  التائهة المغلوبة على أمرها، أضحت تتفرج، فاغرة الأفواه، على حال الحكام، وهم يلملمون بقاياهم المهانة، كالعفش المنثور في ماخورالبغايا الذي داهمته شرطة الآداب، ويدسون ريشهم تحت أجنحتهم المتهرئة، خشية أن يدمرها الإعصار كلياً فيفقدون كراسيهم التي يجلسون عليها منذ عقود!  أصبحت نسور الأمس غربان اليوم، والأسود على شعوبهم نعاجاً على الزائر الغريب. بات

في الحقيقة أن هذه الحكاية كانت بدأت أصلاً، بسقوط القطب الدولي الشرقي أي الإتحاد السوفياتي الذي كان يهيمن على النصف الشرقي من العالم.  ولم يكن إعتلاء الولايات المتحدة عرش العولمة متفردة بمعزل عن ذلك الحدث.  ففي غضون ذلك الإنعطاف التأريخي، إكتسبت العولمة دفعاً كونياً هائلاً، مكّنها من الإنفراد بالهيمنة على العالم وتصميمه على شكل ساحة حيوية لنشاطها السياسي والإقتصادي والعسكري.  غير أن ذلك الدفع لم يشكل، في الواقع،  سوى نصف الشرط الفعلي لإزدهار العولمة وهيمنتها المطلقة على شؤون المعمورة.  فالنصف المتمم لذلك الشرط كان، بلا فخر، من صنع الجزء السياسي السلفي من الإسلام الذي يتميز بالتخلف والرجعية الإجتماعية  . 

في تلك الأثناء كانت شعوبنا العربية، شأنها شأن كافة الشعوب الإسلامية، ترزح تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية وتعاني من إنتشار الفساد الإداري وإنتهاك حقوق الإنسان.  ومن المعروف أن توزيع الثروات الوطنية وتبوأ المناصب العليا في بلدان المنطقة العربية إقتصر على الشرائح المتعاونة والساندة للأنظمة.  ولا تتجاوز نسبة هؤلاء خمسة بالمئة من مجموع الشعب.  بينما تحصل الأغلبية الباقية من تلك المجتمعات على الفتات من الموارد وتُستبعد كلياً من عملية صنع القرارات السياسية والإجتماعية والإقتصادية رغم وفرة الثروات والموارد. الطبيعية.  وهكذا، إتجهت تلك الأنظمة نحو أجندات تبتعد كلياً عن إيجاد الحلول الواقعية لمجاعة شعوبها وتخلفها وبؤسها وإضطهادها.  وكرست جهودها في التة باهضة الثمن،  ولإعداد وتحديث القوات القمعية المسلحة.  وإدعت أنها تقتني السلاح لمواجهة الخطر الشيوعي والصهيونية والإستعمار!  وفي الواقع لم يُستخدم ذلك السلاح يوماً ضد هؤلاء الأعداء، بينما بالغت في إستخدامه ضد شعوبها!  وبعد خمسين عاماً من ذلك الإستعداد العسكري المتميز، وحالة الإنذار القصوى التي تعيشها بلدان المنطقة، ما تزال دولة إسرائيل قائمة ومزدهرة، ومن سخريات القدر أن حدود إسرائيل الجغرافية في توسع مستمر على حساب الأراضي العربية!  لقد إنتهى "الخطر الشيوعي" بسقوط الإتحاد السوفياتي  دون أن يحاول إيذاء أي من الأنظمة العربية، على الضد من ذلك، نعلم أن السوفيات ساهموا في تعزيز الأنظمة الدكتاتورية العربية دون تحفظ! وتعزز "الخطر الصهيوني" أكثر فأكثر، وإزدهرت "الصليبية والإستعمار" في الوطن العربي والعالم بشكل لم يسبق له مثيل، وشيدت الولايات المتحدةوبحسب المنطق التأريخي للأحداث، تتغير الأحوال على الدوام.  ولا تدوم السلطة لأحد! وعقب إنشطار المعسكر الإشتراكي، ظهرت كتلة دولية جديدة في الساحة الاوربية متألفة من شظايا ذلك الإنشطار ومتحالفة مع الولايات المتحدة.  ونجد اليوم في تلك البلدان عشرات القواعد العسكرية الأمريكية.  كل ذلك ساعد على أن تنفرد الولايات المتحدة بقيادة منظومة العولمة.  وفي منطقتنا العربية، وبعد أن كانت سفن الأسطول السادس الأمريكي تتحسر على برميل وقود واحد للإستمرار في نشاطاتها العسكرية الروتينية في الخليج، وبفضل النظام العراقي بعد سقوط حكومة الزعيم قاسم، أضحت الأساطيل الأمريكية محط ترحاب في جميع الموانئ العربية، وصارت الأنظمة تتبرك بمقدم تلك السفن الحربية في موانئها.  وإن

وبمرور الزمن، صار من النادر أن تجد شبراً واحداً، في منطقتنا، يخلو من الهيمنة الأمريكية بهذا الشكل أو ذاك.  لكنه، وفي الوقت ذاته، لم يعد هناك شبر واحد في تلك المنطقة يخلو من منصة أو جدارية أقيمت بأمر الحاكم لتعليق شعار ناري يدين الصليبية والصهيونية، ونمط الحياة  على الطريقة الأمريكية "الفاسدة".  وتعودت وسائل الإعلام العربية يوماً بعد يوم على هذه الإزدواجية الفريدة من نوعها.  عاش الدولار والبضاعة الجميلة كالملابس والماكياج والسيارات! وتسقط أمريكا!  عاش التطبيع والعلاقات التجارية ومفاوضات كامب ديفيد! وتسقط الصهيونية! تعودنا على هذا القدر (الهايبريدي)  الذي نطبخ فيه شعاراتنا القومية هذا اليوم.ثم جاءت هجمات سبتمبر الإرهابية التي نفذها أتباع العولمة الإسلامية بقصد إيذاء أسيادهم بالأمس، قادة العولمة الأمريكية.  وإنتهى شهر العسل بين العولمتين اللتين تحالفتا لعقود سابقة على مكافحة الشيوعية وتحجيم المد الإشتراكي.  وإتسمت مرحلة الإنفصال ثم الطلاق بين الإسلاميين السلفيين وبين البنتاغون بالعنف والدموية.  وتحولت هوية البلدان العربية إلى خلطة (هايبريدية) عجيبة، شملت كل الأطراف، إبتداء من الحاكم المستبد، مروراً بالأحزاب السياسية والبرلمان، وإنتهاء بالصحافة والإعلام.  ولأول مرة بالتأريخ يلتحم الجزار بالضحية!  وإتحد الحكام بالجماهير في رفع الشعارات النارية التي تدين التغيير القادم من الخارج.  حتى وحكوم.  رغم أن تلك العلاقة قائمة على الإستغلال والقمع بإتجاه واحد! إنها حقاً لحالة فريدة يسجلها التأريخ!  الشعب بيمينه ويساره وقومييه وإسلامييه يركض خلف القائد المتشبث بالسلطة والمناوئ لأي تغيير!!  الجميع يشتمون الغرب وأمريكا وإسرائيل ويعدونها مصدر الخطر على التقاليد السياسية والإجتماعية الموروثة جيل بعد جيل!  يتسابقون بشتم الحداثة والعصرنة والعولمة، تلك الخطار التي جاءت  لتدنيس أراضيهم المقدسة وخلق حالة من الفوضى في التركيبة العربية الأزلية القائمة منذ عصر الخليفة الثالث.  في الوقت ذاته فإنهم يرحبون بإقامة القواعد العسكرية الأمريكية على تلك الأرض، لحماية عروشهم من الفلتان الأمني الداخلي والأخطار الخارجية والتوسع الصهيوني

لا أحد من العرب يحب نمط الحياة الغربية القائم على إحترام حقوق الإنسان، وعلى إشاعة الحريات العامة، وتبني الشفافية في التعامل السياسي بين الحاكم والمحكوم. أما الولايات المتحدة فقد أصبحت كرأس البصل المأكول المذموم!  سلاحها من الطراز الأول.  كذلك مصارفها هي الآمن والإستثمار في شركاتها هو الأنسب.  السهر في ملاهي لاس فيجاس هو الأكثر متعة! تبوغ فرجينيا هي الأفضل، سياراتها جميلة، ومنتوجات الميك آب التي تفضلها نساؤنا تأتينا منها!  لكن الويل كل الويل إذا حاولت إمرأة عربية قيادة سيارة أمريكية!  أو سارت مسافة ميلين خارج منزلها دون محرم.  إن العرب لا يهمهم، في الواقع، شأن صدام إذا أمريكا أسقطت نظامه. إذا هي وnbsp; بإنهاء الأساليب البدائية في الحكم كالإستناد إلى نظام العائلة الواحدة وولاية العهد وإعتماد المحسوبيات والقيم القبلية البدائية المشتقة من الفكر المتخلف البالي!  وهذا مالاتريده الأنظمة العربية، ما يهدد مصالحها الخاصة.  وهذا مايردده الخائبون في الأحزاب السياسية العربية، يمينها ويسارها ووسطها!  الواقعون تحت تأثير أفيون حكامهم وأولي الأمر منهم!  إنهم خائفون من التغيير الذي قد يطالهم! لأنهم يعلمون أن العراقيين أصحاب فكر وعقيدة  ويحترمون التعددية والشفافية وإحترام حقوق الإنسان. 

ولكن هل  أحدث الإعصار الذي هب على المنطقة العربية في آذار (مارس) الماضي تغييراً فيها؟  إذا سألنا أحد الخائبين من الأحزاب أو الصحافة العربية، أو أحد المنتفعين من حكم صدام تاجراً كان أم موظفاً مرموقاً، سنياً كان أم شيعياً أم كردياً، لأجاب على الفور: "كلا، لن يتغير شئ نحو الأفضل!".  فهل يتطابق هذا الجواب مع الحقيقة؟ أولم يؤثر ذلك الإعصار حقاً فيما يدور في المنطقة؟  أولم تشهد المنطقة تغيراً في مجريات الأمور بهذا القدر أو ذاك؟ وهاكم نماذج مما حصل على الساحة العربية بعد هبوب العاصفة وإزالة النظام العراقي الدكتاتوري: الفئة الحاكمة في شمال السودان تقاسمت ثروتها لأول مرة منذ عقود مع النصف الجنوبي من البلاد!  الجماهيرية العظمى رضخت لأول مرة منذ عشراوية على غرار ماحصل لعراق صدام عام 1981. أجل لقد أحدث الإعصار تغييرات ملموسة في طبيعة الحكم وطريقة التفكير في المنطقة العربية.  ومن المؤكد أن هناك تغييرات أخرى قادمة، أكثر وأوسع وأشد تأثيراً في الحياة العامة لشعوب المنطقة العربية.  ولا يسعنا إلا توجيه النصيحة المجانية للذين يقيسون أمور السياسة في بلداننا العربية بمقياسين متناقضين، الأول متعاون تماماً مع التوجهات السياسية للولايات المتحدة، والثاني معاد تماماً  لنمط الحياة الديمقراطي الشفاف في ذلك البلد، لا يسعنا إلا أن نقول لهؤلاء:  "إحذروا وإنصاعوا وتبدلوا، فإعصار التغيير قادم إليكم لا محالة!".

 

 

كاتب عراقي مقيم في شيكاغو