مستقبل الديمقراطية مرهون بدستور عقلاني

ملاحظات في نشاطات الجالية العراقية بشيكاغو

د. أسعد الخفاجي  

لبى عدد كبير من أفراد الجالية العراقية دعوة الحركة الديمقراطية الآشورية لحضور أمسية سياسية أقيمت مساء الأحد 11 يناير (كانون الثاني) 2004 في قاعة المركز القومي الآشوري في مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة.  وتضمنت الأمسية محاضرة ألقاها الدكتور حكمت حكيم ، الخبير القانوني المعروف ، عضو سكرتارية مجلس الحكم الإنتقالي وعضو اللجنة التحضيرية لأختيار أعضاء المؤتمر الدستوري أو هيئة كتابة الدستور العراقي ، و تحدث خلالها عن طبيعة أعمال ومهام تلك اللجنة المؤلفة من 25 عضواً والتي شكلها مجلس الحكم العراقي بتأريخ 18/8/2003 والملابسات العديدة التي واجهتها ، وهي تضطلع بمهام البحث في أفضل الأساليب والآليات لإختيار الهيئة المكلفة بكتابة دستور الشعب.  ومما يجدر ذكره أن الدافع الأساسي لتشكيل اللجنة التحضيرية هو الفتوى الشهيرة التي أطلقها آية الله العظمى السيد علي

 

تأتي هذه الأمسية التي كانت بعنوان "مستقبل الديمقراطية في العراق مرهون بدستور عقلاني" ضمن سلسلة الندوات واللقاءات التي نظمتها اللجنة في 17 محافظة عراقية إضافة إلى العاصمة بغداد ، وبعض البلدان العربية والأجنبية ، لغرض توعية المواطنين العراقيين في الداخل والخارج وتعريفهم بعملية إعداد وكتابة أول دستور عراقي دائم منذ قيام الجمهورية عام 1958.  وفي بداية الأمسية إعتذر الدكتور حكمت للحضور الذين كانت غالبيتهم ذات خلفية كلدو ـ آشورية لعجزه عن التحدث بلغته القومية ، بسبب الإضطهاد القومي للنظام السابق ، الذي منعه من تعلم لغة آبائه وأجداده ، وإقترح أن تكون لغة المحاضرة والنقاش العربية ، كونها اللغة التي يجيدها معظم المواطنين في العراق.  وشكر الدكتور حكمت الحركة الديمقراطية الآشورية وجمعية الأكاديميين الآشوريين والمركز القومي الآشوري في إيلنوي على إستضا

 

أشار المحاضر إلى الصعوبات والمعوقات التي جابهتها اللجنة أثناء القيام بواجباتها.  ووضح أن هناك أجماعاً عراقياً من قبل كافة الفصائل والقوى السياسية وفي داخل مجلس الحكم الإنتقالي على ضرورة إقامة نظام ديمقراطي.  غير أنه من المؤسف أن هذا الطموح الوطني المشروع يجابه بإشكالين يتهددان سلامة عملية التغيير الديمقراطي: أولهما هو الإشكال القومي ، وثانيهما هو الإشكال الديني.  وفي رأينا أن النظام الديمقراطي يقوم على حجر الزاوية الأساسي ألا وهو الدستور العراقي ، الذي يمثل القانون الأساسي للدولة العراقية.  وعلى ضوء ذلك وضعت اللجنة لها خطة عمل تتمثل في النشاطات المختلفة التي تتضمن عقد ندوات ولقاءات مع رجال الدين والشخصيات المستقلة والمنظوية في القوى والتنظيمات السياسية

 

في نهاية عملها رفعت اللجنة التحضيرية لإعداد الدستور دراسة إلى مجلس الحكم تضمنت أربعة مقترحات أساسية لتحقيق أهدافها ، ومن تلك المقترحات رفض فكرة إجراء الإنتخابات المباشرة في الوقت الحاضر، بسبب هشاشة الوضع الأمني مما قد يتسبب بالأذى للمواطنين المشاركين بالإقتراع وعدم توفر المعلومات الإحصائية الدقيقة عن المواطنين الذي يحق لهم الإقتراع.  وهناك صعوبات إضافية تُضعف مقترح الإنتخاب الآن منها وجود عدد كبير من المواطنين حالياً خارج العراق ، بسبب ظروف العهد السايق ، مما سوف يحرمهم من المشاركة في الإنتخاب ، وأخيراً حالة ضعف الوعي الدستوري الجماهيري في الوقت الحاضر.  والمقترح الثاني وهو بديل واقعي وعملي لفكرة الفتوى ، مشتق من إحدى فقراتها التي تسمح "بأساليب أخرى" ، ونعني به إجراء الإنتخابات الجزئية.  حيث سيُن

 

وافق مجلس الحكم على المقترح الرابع من دراسة اللجنة التحضيرية لإعداد الدستور ، الذي سمي بقانون إدارة الدولة العراقية في المرحلة الإنتقالية أو القانون الأساسي وهو بمثابة دستور مؤقت.   وتكمن سلبية هذا الخيار في البعد النفسي الجماهيري بسبب خضوع الدولة منذ عام 1958 إلى دساتير مؤقتة!  وفي نهاية شهر يونيو (حزيران) سوف يجتمع المجلس التشريعي (الجمعية الوطنية) برئاسة الأكبر سناً الذي ينتخب نائبين له ، ويدير الثلاثة الجلسة التي يُنتخب فيها رئيس الوزراء.  وفي عام 2005 تجرى الإنتخابات العامة المباشرة لإعضاء هيئة صياغة الدستور ، الذي سيكون جاهزاً للمناقشة.  وفي الأول من يوليو (تموز) 2005 سوف يكون الدستور العراقي الدائم جاهزاً ويعلن في الجريدة الرسمية. 

ولعل من أهم ماجرى في خلال هذه الأمسية السياسية الجماهيرية هو الحوار المفتوح والصريح الذي دار بين عضو اللجنة الدستورية وبين الحاضرين من أبناء الجالية ، الذي أعقب المداخلة القيمة ، حيث إتسمت الأسئلة المطروحة خلال ذلك بحدتها وصراحتها.   فعلى سبيل المثال تساءل أحد الحاضرين وهو من خلفية كلدو ـ آشورية عن الضمانة التي تؤمن للكلدو ـ آشوريين والأرمن وغيرهم من المسيحيين الكرامة وإحترام الحقوق القومية والدينية لهم.  حيث رد المحاضر بكل صراحة ونزاهة ووضوح بأنه لا توجد مثل هذه الضمانة جاهزة على الرف!  وإنما هي حصيلة جهود جماعية  ، على جميع الأطراف المعنية بالمستقبل الديمقراطي للعراق أن تبذلها بإخلاص وجدية ليتسنى للشعب العراآشوري التي تضعف حالياً خطابه السياسي ولا تؤدي إلى تعزيز مكانته المجتمعية المطلوبة بأي حال من الأحوال.   وحضر الأمسية العديد من المثقفين والشخصيات البارزة في الجالية العراقية بشيكاغو ومنهم السيد جان نمرد ، السناتور الأمريكي السابق وهو من أصل آشوري.