أوبئة سياسية وأجتماعية

التعصب مقدمة تمهد لنمو الأرهاب

أسعد الخفاجي

تشهد المجتمعات البشرية نشاطات أيديولوجية وقومية ودينية ومذهبية متعددة.  وتعد هذه النشاطات التي تتظافر فيها جهود الأحزاب والمنظمات والجماعات مؤشرات فعلية  لنضج وتقدم البنية التحتية لتلك المجتمعات.   وكما نعلم ، فأن الأيديولوجيات تختار لها منهجاً مرسوماً يسمى المنهج الأيديولوجي (أو الفكري) أو ببساطة: الأيديولوجية.   كذلك ، فأن لكل قوم أو أمة  خطاباً خاصاً يطلق عليه الخطاب القومي أو المنهج القومي أو القومية.   وهكذا نجد المنهج الديني أو ما يعرف بالدينية

على أن الحدة  ، أو المبالغة ، في هذه المناهج ترتفع بها الى  مستوى الأزمات ، حيث تمر في مراحل التطور الهرمي ، بدء بالتعصب ، ثم التطرف ، وأخيراً التصفية الجسدية أو الأرهاب.    فهناك ، مثلاً ، التعصب الأيديولوجي ، وخير مثال على ذلك شيوعية ستالين وماوتسي تونغ.  والتعصب القومي ، كقومية عبدالناصر والقذافي.   والتعصب الديني ، كما هو الحال في خطابات ومناهج الغالبية العظمى من أديان الوقت الحاضر!   والتعصب الطائفي ، كما هو الحال لدى بعض رجال الدين الشيعة والسنة.   و

 

أما التطرف فهو مرحلة سيئة و ضارة من مراحل التعصب الأيديولوجي والقومي والديني والطائفي.  أنه التربة الصالحة لأنبات الأرهاب والفاشية والنازية والمكارثية وغير ذلك من الظواهر الأجتماعية المعادية للتقدم الأنساني.    ومن مظاهر التطرف الأيديولوجي ما حصل في منتصف الخمسينات بعد سقوط النظام الملكي.   لقد شهد الشارع العراقي حينذاك نشاطات وفعاليات سياسية كثيرة أنهكت البنية التحتية المجتمعية ، ونشير الى الصراع الأيديولوجي بين المتعصبين من معسكري القوميين واليساريين كليهما.     فبينما تطرف القوميون في دعوتهم الى الوحدة العربية فأرادوها فورية: "نريد الوحدة

 

وآخر مراحل التطرف هي الأرهاب.   والأرهاب نشاط أجرامي يتحقق بالتصفية الجسدية لذوي الرأي الآخر.   و من الأمثلة على الأرهاب الفكري نشير الى المنهج المكارثي في الخمسينات.   وخير مثال على الأرهاب القومي ما حصل بعد أنقلاب الثامن  من شباط عام 1963 في العراق أذ أبيد الآلاف من اليساريين بتهمة الشعوبية ومعاداة العروبة!   أما الأرهاب الديني فخير من يمثله في الوقت الحاضر الوهابيون بقيادة القاعدة وأسامة بن لادن.   ناهيك عن الأرهاب الطائفي الذي مارسه حزب السلطة الصدامية منذ ستينات القرن الماضي وكان من نتائجه أستشهاد العديد من رجال الدين وتأسيس المقابر

 

أمتعاض العرب من ذكرحقيقتهم

 

يقوم العرب بأفعال كثيرة تعد مشينة بموجب الأعراف والمقاييس الأنسانية الحديثة.    وفيما يتعلق بمعاملتهم للنصف الأرق والأحلى من المجتمع ، المرأة ،  فهم  يقولون ، مثلاً ، "تكرم حرمة" أذا ذكروا أسمها.    ثم يعمدون الى أخفاء كل أجزاء جسدها ،  بما في ذلك الرأس والأطراف ، ويمنعونها من سياقة السيارة و من الأدلاء بصوتها في الأنتخابات ويمنعونها من تبوأ المناصب المهمة ويحرمون عليها الخروج من الدار أو السفر لوحدها و ، و الخ.   هذه الحقيقة يعرفها العرب أنفسهم لأنهم يمارسونها

 

فلم أمبريالي

 

قبل سنوات عرضت دور السينما فلماً  أمريكياً عنوانه "الحصار".    في وقتها أقام الأعلام العربي الدنيا وأقعدها أحتجاجاً على عرض ذلك الفلم "الصهيوني الأمبريالي المعادي للعروبة والأسلام!".    والحق يقال فأنني بعد مشاهدة ذلك الفيلم لم أستطع أخفاء مشاعر الأعجاب والتقدير للمنتج والمخرج ، أضافة الى الممثلين!   وتحديت قدرتي الفنية على أستيعاب أهداف الفلم فشاهدته مرتين وثلاث وخمس!   والى يومنا هذا لم أر في الفلم ما يسئ للعرب أو المسلمين!    فكرة الفلم بأختصا الأذى فينقلبون على المجتمع الذي دربهم على القتل والأعمال الأرهابية.    ويبدأون موجة من أعمال العنف المدمرة في مدينة نيويورك.   يتدخل الجيش الأمريكي ويعلن قانون المارشال ونشاهد ممارسات لا أنسانية للجيش الأمريكي ضد جميع أفراد الجالية العربية في نيويورك ، دون أستثناء!  ويشمل البطش العسكري أبن ضابط كبير في الأف بي آي ممن له دور فاعل في حماية المجتمع الأمريكي من الأرهاب!   وتستمر التداعيات المتتالية في أحداث الفلم وكلها تدين ، بما لا يقبل الشك ، السي آي أي والجيش الأمريكي!   وتتضامن بكل وضوح مع العرب والمسلمين في نيويورك.   ويذكر الفلم المشاهدين الأمريكان بعار تخلي الأدارة الأمريكية تحت رئاسة بوش الأب عن أسناد ثوار الأنتفاضة الشعبية بعد تحرير الكويت! 

الزمان 9 نوفمبر 2003