" حديث الدرس الأول في الدمقراطية "
سليم الحكيم
قبل 45 سنة؛ بُعْيدَ 14 تموز 1958 ؛ كان الشارع يفور من السياسة، والأجواء في غليان و نشاط محموم، و سار الوقت - كما رأى " أنشتاين" الزمن في نظريته - بُعدا رابعا يُضاف الى الأبعاد الثلاثة المعروفة في الحياة؛ ففي كل لحظة كانت تنقضي على العراق الجديد ، كان يتغيرمعها وجه الحياة كما في القصص الخرافية ، وعلى قول صديق لنا: حتى هلال العيد بدا جديدا ؛ وكأن صَفاّرا ً من سوق الصفافير قد أزال الصدأ عنه و كساه بمادة إستثنائية اللمعان.. كانت ظواهر جديدة تَنبعُ كل يوم في الكثير من النواحي .
وبما أننا كنا قد بدأنا سنة دراسية جديدة، فحتى أُستاذ اللغة العربية كان جديداً؛ وفي إسمِه جِرْصٌ خاص يوحي لك بالحيوية و الإستثناء المحبب، والأهم من كل شيئ كان يتكلم فيما يُشوّقك في الإستماع اليه من اللغة العربية ،وبإسلوب يُشعرُك بالودّ والصداقة ، فتحترمه و تحبه؛ فالمحبةُ كانت تَشوّقُنا و تفتح أمامنا رحاب الحرية ؛ والإحترامُ يعلمنا الإلتزام تجاه ذاتنا و الذوات الأخرى ، فتقْصُرَ المسافةُ بَينَنا و بينه؛ وكان الحال أكثر تأ ثيرا علي ،لأني كنت من بين الذين يمزجون المحبة بالإحترام لمن يُعلّمني .
و على العموم كان أستاذنا ليس كالآخرين، الذين سبقوه في حياتنا الدراسية القَبْلية؛ عندما تحول البعضُ من المدرسين حتى الى عيون للسلطة علينا أثناء إنتفاضة 1956 وبعدها؛ عندما أُعدْ تُ وآخرون الى المدرسة في السنة الدراسية التي تلت الإنتفاضة؛ بعد إلغاء الفصلُ المؤبّد من الدراسة؛ الذي عُوقبْنا به لإشتراكنا في مظاهراتها ونفاذ حكم المحكمة العرفية آنذاك على البعض من زملائي و عَليَّ.
كانت دروسُ مُدرِّسِنا الجديد مُحاضرات تثقيفية؛ وليست تعابير جامدة، كالتي كانت تنطلََقُ قبل 14 تموز من فم ٍ واسع و لسان ٍ يَطولُ ويَعْرَضُْ لينال أُذنَيْ كُل ِ طالبْ .
ويبدو أن التدريس التقليدي أيضا أصبح جزأ ً من الماضي، ولم يَعُد له مكان بَعْدُ مع التغير الذي حصل؛ و كل شيئ كان يوحي بأننا على أعتاب غَدٍ أفضل .. لا مكان للتدريس الببغاوي، وانقضى زمن المُغرِّد الأوحد في السرب وجوقة المستمعين الذين هُم ْ نحن، و هل كُنّا نستطيع غير ذلك ،فالصف كان مملكته و نحن كنا الرعية؛ إن رغبة مِنّا أو غصبا؛وعلينا سما عه يَرطِن بالكلمات؛ حديدية النبرة، كالتي نسمعها منذ زمن ليس بعيد في الهاتف الآلي؛ وقد يحسدنا الآن حاسد لأننا سمعنا أشخاصا كهذه الأجهزة قبل إبتكارها.
أما أستاذنا في العهد التَمّوزي الجديد، فكان لدرسه نكهة أُخرى ؛ كان يَفتتح أو نَفتتح الدرّسَ بموضوع للنقاش ليتحول الصف في لحظات الى منتدى للأفكار والآراء؛ وكأني به كان يريد أن يُعلمنا أدب النقاش وتبادل الأفكار؛فيعطيك أيضا الإحساس بأن اللغة العربية، كائن حي و إنسان آخر يعيش في داخلك؛ مما رسخ في نفسي، قولٌ لأبي كان يشجعني به- عندما كنت أدْرُس في مرحلة الإبتدائية لغةً أخرى إضافة للعربية والإنجليزية-: " إن كلَ لِسان ٍ- أي لغة- هو إنسان" فتخيلت نفسي ثلاثة أُناس ٍ فيا للسعادة!!
في تلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق السياسي والإجتماعي كانت الحماسة- في طرح مختلف الأراء في مختلف القضايا- في أوْجِها، في البيت والشارع والمقهى و في كل تجمع من العراقيين؛ وحتى في أثناء فرص الإستراحة بين حصص الدروس في الساحة المدرسية، و الأراء التي لم يَنتهِ النقاش فيها؛ تأخذ طريقها الى الصف في حصة الدرس العربي؛ فأستاذنا كان قاضينا الذي نحتكم اليه لحسم الخلاف؛ ولم تكن لطبيعة موضوع الخلاف أية أهمية. وكانت المواضيع التي نختلف عليها،لا حصر لها ؛وما زاد في الإشكال إن مصادر الثقافة لم تكن بعْدُ، متوفرة أو في متناول الجميع.
لهذا قمنا نحن المنتظمين في" لجان الدفاع عن الجمهورية" بتأسيس المكتبات المحلية في بيوتنا و زودناها بما نملك من الكتب السياسية والأدبية؛ والبعض منا إستخرج الكتب التي كانت مخبأة في العهد الملكي و أعارها؛و الإستعارة مجانية لكل من يريد القراءة.
ولكن كل تلك الجهود لم تشكل بديلا فعالا لأستاذنا؛ فهو كان مرجعنا الناطق ، تقلبْ فيه الصفحات ولا يُقلبْ صفحاتك كما يفعل بعض مناطقة اليوم.
كانت الشعارات المرفوعة بين الناس حينذاك هي محور النقاشات الأكثر سخونة، مثل الوحدة ، الدكتاتورية ،ماذا تعني حرية الرأي والكلمة، وتحرر المرأة و الدمقراطية ،و لماذا مواصلة النضال و العمل السياسي! بعد أن إنتهت أغراضها و زالت مسبباتها؛ أليست الثورة هي آلية ذاتية الفعل! لتحقيق الأهداف.
لقد كان البعض مأخوذا بمفاهيم مترسبة من عهود ألف ليلة و ليلة ،عن الكهف السحري- المملوء بكل ما يحقق التمنيات الفردية و الإجتماعية- الذاتي الإنفتاح بمجرد قول الكلمة السحرية" إفتح يا سِمْسِمْ".
إني الآن لا أتردد في أن قصص ألف ليلة وليلة هي فعلاعراقية صرفة!!فبرغم مئات السنين يتصرف الناس اليوم، بنفس الأسلوب والمزاج؛ و يريدون بكلمة سحرية إعادة البناء الإجتماعي و الإقتصادي والسياسي و تفاصيل البنية التحتية كلها في يوم وليلة؛ فقد غاب عن تفكيرهم، بأن ما يُفقَدْ في الماضي،لا يمكن إستراجعه في الحاضر بنفس زمن خسرانه ؛ فالزمن بُعدٌ رابع في الحياة يتغير ككل الأشياء في السرعة والطول.
وقدلايريدون الإقتناع بأن ما يعانيه مجتمعنا اليوم هو أقدم بكثير؛ بل حتى يرجع الى أول يوم بعد 14 تموز 1958؛ عندما بدأت قوى الردة نشاطاتها التخريبية مبكرا،و ذلك بحَشْر العراق في زاوية شعاراتها السياسية التي لا حصرلها- تارة قوموية، وأخرى رجعية سوداء ووو....الخ- تحت رايات ما أنزل الله بها من سلطان.
لذلك تشكلت - منذ الأسابيع الأولى لإنتصار" الثورة" في 14 تموز 1958- " لجان الدفاع عن الجمهورية" دون إنتظار أمر رسمي ؛لأن تلك الجمهورية كانت نتاج تضحياتنا و حصاد نضالنا - كجزئ من نضال شعبنا من أجل الحريات الدمقراطية من قبل أن تولدَ الجمهورية - فكيف لا ندافع عنها ونكون حماتها؛ حتى وإن لم نملك سكّينة عمياء، لكننا كنا نملك الوعي و روح التضحية؛ و كنا نعبر عن ذلك بملئ أفواهنا ؛ ليس من باب التباهى؛ ولكن كتعبير عن أن الأهداف لن تأ تِ لوحدها من دون تضحيات؛ وهي ليست ذاتية الصمود.
و حتى لا أَضِيعَ وأُضيّعْكُم معي، في كابوس ِما حصل لنا و للعراق - بالرغم من أنها تستأهل عناء الإطلاع - أعود بكم الى أيام المناقشات الحارة و أحيانا المماحكات والشد والإرخاء؛ والى الكلمات التنويرية التي إستقرت في الذاكرة والتفكير منذ 45 سنة و ما تزال محفورة كما في اللوحات المسمارية الأثرية؛ لكي تشكل الضوابط في القول والسلوك.
كلمات قالها أستاذنا الجليل في زَمَن ٍصَعْب ٍ: " عندما يكون؛ لك رأي و للأخر رأي يخالفك ؛ فليكن النقاش مُتَحَضّراً ؛فقد تتفقان أو تختلفان ؛فإن لم تستطع إقناعه ؛ فَكِّرْ بعدَّةِ أشياءَ؛ فإما أن يكون رأيك غير واقعي، لهذا فهو غير مُقْنِعْ ؛أو أن أُسلوبك في النقاش يعوزه قوة الإقناع؛ وفي الحالين يجب أن تراجع نفسك وتكتشف أين مكمن الخطاء عندك أولا؛ مثل لاعب الشطرنج الذي، عليه أن يلوم نفسه فقط عندما يَخْسَر.
فإن لم يكن هذا أو ذاك؛ فمنافسك غير راغب في إقرار الحقيقة ؛ لتعصب أو دوغمائية عقيدية ؛ هذاعلى فرض أن رأيك مشهود عليه أنه الحقيقة! فإتّرُك ْ الأمر للزمن؛ فقد تتبادلان المواقف؛ أو يترك أحدكم موقفه أو قد يوحدكما رأي ثالث؛ و إياك إياك واستعمال منطق القوة و الهراوة؛ ولا تُقبِح في الكلام؛ لفَرْض رأيك؛ فالأفكار ساحتها النقاش من أجل الأفضل؛ والهراوة تقتل ؛ فإن حَكَمَ الزمانُ؛ و كان رأيُ القتيل ِمنكما هو الصحيح ؛فستُعاش الحياةُ قهرا وندما؛ ويظللها سلوكُ وحوش الغاب.
كان ذلك ؛ الدرسُ الأول في الدمقراطية ؛ ولكن في ذات الوقت الدرسُ الأخير؛ لأن شروط بناء الدمقراطية كانت ناقصة و على تربة لم تكتسب الصلابة الكافية؛ مما سهل على أعدائها إغتيالها و دفن جمهوريتها .
ومرت الأيام في ذلك الحين أسرع مما تصورناها، وتفرقت بنا السبل كل إلى غايته، و سَمِعْتُ ذات مرة أن مجموعة من الأوباش أحرَقتْ بابَ مَسكنِه.
وبعد ذلك لم أعرف ماذا حَلَّ بأستاذ اللغة العربية "محمد شرارة" فليرحمه الله ،حياً أو خالدا.
ستبقى كلماته الطيبة في الدرس الأول في الدمقراطيه؛ حية ًو منبعا يديم الإحساس بعطر و مذاق الحياة عندما تتواصل؛ بعيدة عن التجبر والإكراه و ألآمرين والناهين والمتعصبين في الرأي.
وسنبقى نواصل النضال من أجل أن يتحقق العراق الدمقراطي والغد السعيد ولن تعطلنا عن ذلك كل قوى الشر والظلام أعداء الدمقراطية !!!!
سليم الحكيم
2003-11-11