الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

توطئة لمناقشة مواقف السيد السيستاني

 المرجعية: حزب سياسي جديد

عبد المنعم الاعسم

   مرة اخرى، العصمة في العقيدة الدينية لم تكن لتمتد، في الزمان والمكان، الى ميدان السياسة يوما، وإذا ما امتدت، في منعطفات موصوفة بالاضطراب، فان ثمة اعتلال في الوعي قد لا يستمر طويلا، والقياس هنا يصلح في موضع آخر : فان فحولة الشعر وعبقرية الاختراع وشهادات الريادة وموهبة التأمل والاستشراف لا تحصن اصحابها من الوقوع في محاذير الخطأ حين يجتازون عتبة الدين والشعر والمخترعات والتأملات الى السياسة، والوجه الآخر من المعادلة يقول ان حق تصويب مواقف(المقامات) أو الاعتراض عليها، من العامة والمشتغلين في الشأن العام  حق مطلق طالما الامر في حدود تبادل الرأي السياسي في ما هو  اكثر جدوى من الخيارات المطروحة على الطاولة.

 والمشكلة ان غالبية الاحزاب الدينية، تسعى الى تمييع الحدود بين فقه الدين وبين فقه السياسة، بين الخلفيات كثابت في العقيدة وبين القراءات كمتحرك في الاجتهاد، لتدفع الجمهور الذي يقع في دائرتها الى التعامل مع منهجها السياسي بقدسية وحذر، والحق ان الكثير من الاحزاب الشمولية، القومية واليسارية، التي حكمت، أو التي لا تزال تحكم، زاولت وتزاول هذه النزعة.. فسياسة الحزب مقدسة، وهي عندها في مرتبة الولاء للوطن، وقد كان الانهيار المدوي للاحزاب الحاكمة في الدول الاشتراكية وهزيمة نظام صدام حسين وتصدع المنظومات القومية التقليدية ومأزق التجربة الايرانية بمثابة رسالة الى العقل العربي والاسلامي بوجوب البحث في تحرير السياسة من الوصاية، والحقيقة من الاحتكار.   

   والآن، إذ نلتزم مفردات عالم الدين  في مجاله، وصبوات الشاعر الفحل في حديقته، ومنجزات المخترع العبقري في معمله، وبراهين الرائد المشهود له بالفطنة في منبره، وانتباهات قارئ اتجاهات المستقبل في أفلاكه- وقد نقلد هذا أو ذاك، وربما نقاتل تحت راياتهم في حدود الاختصاص- فاننا غير ملزمين بالمضي خلفهم حين يخرجون من إطاراتهم كفضاء مقيد الى السياسة كفضاء طليق، ولا يذهبن الظن الى اننا نحض على حرمان (مقامات) المرحلة من حق الخوض في الشأن العام، أو اننا نبشر بالنظرية الارستقراطية العقيمة القائلة بان السياسة للسياسيين، أو أننا نبخس منجزات سياسية هائلة مسجلة باسم علماء دين، ومنهم السيد السيستاني، وشعراء ومخترعين وفلاسفة، فهي شواهد أكبر من أن تتماهى في غمرة الجدل.

  واحسب ان السيد علي السيستاني يخوض منذ شهور خارج مفردات المرجعية الشيعية بمسافة بعيدة ليبدو انه يتزعم حزبا سياسيا له برنامجه واولوياته وهيئة اركانه وملاكاته، وقد انشغل في تصنيع المواقف المميزة، موضع جدل بين الاطراف العراقية بما فيها التي تنشط في الملعب الشيعي ، ولا يقلل من أهمية هذه الرؤيا القول بان المرجع الاكبر في النجف لا يتطلع الى مركز حكومي عراقي، وقد كان السيد الخميني يقول الشئ نفسه يوم كان في باريس، كما ان مرشد الجمهورية الايرانية  السيد على الخامنئي الذي يمسكن الآن، بدفة القرارات المصرية في بلاده لا يحتل، في الظاهر، مركزا حكوميا، واحسب ان هذا الحزب يعد نفسه لابتلاع سابقيه، الدعوة( الدكتور الجعفري) والمجلس الاعلى(السيد الحكيم) ذات المكانة المرموقة في العملية السياسية الجارية في العراق والاحلال محلهم في صيغة سياسية منهجية تتحد بعجلة مرجعية النجف وتقتفي اثر التجربة الخمينية الاولى وهذا يفسر استعجال حزب منظمة العمل الاسلامي (محمد تقي المدرسي) بالانضمام الى برنامج السيد السيستاني مؤشرا للانخراط في الحزب البديل.

  والقراءة المتأتية لخطوات تأسيس حزب السيد السيستاني، الديني، ترصد ملامح نهج مركب لمجاراة المرحلة، فمن جهة يبشر بنصف برنامجه السياسي  مشددا على  معارضة الوضع القائم بجميع عناوينه( دور الامم المتحدة. الدستور الموقت. مجلس الحكم الانتقالي.الفيدرالية الكردية)   طريقا الى الهدف النهائي المتمثل في إقامة دولة على النمط الايراني، دولة المرشد، ومن جهة اخرى لايقدم بدائل واضحة عن ذلك، ولو عملنا تنقيبا في البرنامج سنجد حلولا غامضة للمشكلات العراقية الكبرى ذات الصلة بالاقتصاد والعلاقات الاقليمية ومستقبل الوجود الامريكي والقضية الكردية وقضايا الديمقراطية والعلاقات بين الطوائف، باستثناء خيار الانتخابات المعجلة التي اجمع العالم والعراقيين على شرط التحضير المناسب لها مما يلزم شهورا قد تصل الى عام.

 الكثيرون يراهنون على حكمة السيد السيستاني في إدارة دفة الحزب وصياغة سياساته بعيدا عن التوتير، وضمن لعبة الديمقراطية المنشودة،  لكن عدد الذين يخشون من دور  للاعبين آخرين من وراء الكواليس يتزيد يوميا..دور لا يتصف بالحرص على تجنيب العراق المزيد من الصراع والعزلة، ولا يضع مسافة بين ما هو ديني محدد وما هو سياسي بلا حدود.

ومضة:

"على الحقيقة أن تنتظر حتى تنجلي الغمة عن ذاكرة الامة"

محمد حسنين هيكل

aalassam@hotmail.com