فلسطينيون في سجون
صدام
الطبعة الأولى
2004
مقدمة
/ الديكتاتور وقضية
فلسطين ...
بقلم الدكتور أحمد أبو
مطر
الشهادة الاولى / محمد جميل
السويركي / مخيم عين الحلوة .. لبنان
الشهادة
الثانية / ضيف الله حسين
حمدان أبو رياش
... مادبا
الشهادة
الثالثـة /
عدنان محمد عبد القادر
جبارين
الشهادة الرابعة
/ عبد الاله سليم
الحجاوي
الشهادة
الخامسة /
عماد محمد عبدالله
الشهادة السادسة
/ أحمد إبراهيم عايد
الشهادة السابعة
/ محمد الإدريسي
شهادة على الشهادات
/ خولة إبراهيم
قراءة في كتاب " فلسطينيون في
سجون صدام " للدكتور أحمد أبو مطر
مقدمـة
الديكتاتور وقضية
فلسطين
بقلم الدكتور أحمد
أبو مطر
Ahmad64@hotmail.com
كانت قضية فلسطين
دوماً ورقة مزايدة لدى كافة الأنظمة العربية، وبإسم هذه القضية قامت
كافة الانقلابات العسكرية غير الشرعية في العديد من الأقطار العربية،
فهي الكلمة الأولى في البيانات والخطابات عند الاستيلاء على دور
الإذاعة والتلفزيون من قبل أي ضابط برتبة ملازم أو عقيد، فهو إنقلب
على من سبقه للسلطة عبر إنقلاب أيضاً، لأنه لم يقم بواجبه نحو القضية
الفلسطينية.. وهكذا كانت هذه القضية وما زالت طوال الستين عاماً
الماضية الورقة الرئيسية في أيدي الحكام، يلعبون بها لتبرير هزائمهم
وجرائمهم.
وضمن مسيرة هؤلاء
الحكام، إنفرد الديكتاتور المجرم صدام حسين، منذ تفرده بالسلطة عام
1977، باستعمال هذه القضية غطاءاً لسياساته العدوانية الخارجية،
وجرائمه الداخلية التي راح ضحيتها ما لا يقل عن مليونين من
العراقيين، بكافة إنتماءاتهم: عرباً وأكراداً، مسلمين ومسيحيين.
في عام 1977،
ولاحقاً لما عُرف بميثاق العمل الوحدوي مع النظام البعثي السوري، قام
بإعدام عشرات من قياداته ورجاله، بتهمة التآمر لحساب البعث السوري،
وهذا التآمر -حسب إدعاءاته- يعيق العمل الوحدوي الهادف إلى تحرير
فلسطين.. وفي عام 1979، بدأ حربه ضد الجارة المسلمة إيران، بحجة
الدفاع عن البوابة الشرقية للوطن العربي، هذه البوابة التي تشكل
حصناً لتحرير فلسطين.. وفي عام 1990، قام بعمل إجرامي لا أخلاقي، لا
مثيل له في كافة مراحل التاريخ العربي، عندما احتل دولة الكويت، وعاث
حرسه الجمهوري فيها فساداً وقتلاً وتخريباً، مدّعياً تارةً أنها جزء
من العراق، ورابطاً أحياناً بين إحتلاله للكويت وإحتلال إسرائيل
لفلسطين.. وعقب قيام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة
الأمريكية، بدحره من الكويت مهزوماً، وتحرير الكويت، قام بلعبة
أسماها (جيش القدس) الذي كان في حد ذاته جيشاً تلفزيونياً
للاستعراضات، والضحك على جماهير جاهلة مسلوبة الإرادة، وعندما إكتمل
تدريب هذا الجيش وزعه على المحافظات العراقية، لقمع الانتفاضة
والمعارضين.. وأثناء إحتلال الكويت، قام بإطلاق عدة صواريخ خالية من
أية قدرات تدميرية، برمجها لتسقط في صحراء النقب، ولم تُحدث أية
أضرار أو خسائر، وكل ذلك ضمن سياق الضحك على الجماهير، والإدعاء بأن
كل ما يقوم به، إنما من أجل فلسطين، وعمد في كل خطبه في السنوات
العشر الأخيرة، إلى تكرار جملة (عاشت فلسطين حرة عربية.. من النهر
إلى البحر).. وهو نفس خطاب غالبية الأنظمة العربية المتاجرة بهذه
القضية.. وهذا ما يُفسر هوس بعض القيادات العربية (الجاهلة) بهذا
الديكتاتور المجرم، الذي إرتكب بحق الشعب العراقي، ما لا يقبلون هم
أن ترتكبه أنظمتهم بحق شعوبهم.. وهذا ما يفسر غضب الشعب العراقي من
هذه القيادات العربية، ومن قطاعات واسعة من شعوب عربية، لأنها تريد
الحرية والديمقراطبة لنفسها، وتصفق لحاكم طاغية ارتكب أعنف وأقذر
الجرائم بحق الشعب العراقي..
ورغم هذا التضليل،
فإن الشعب الفلسطيني نفسه، لم يسلم من جرائم هذا الطاغية، ففي هذا
الكتاب التوثيقي، نقدم شهادات لعدة مواطنين فلسطينيين، أدخلتهم أجهزة
الطاغية وبعلمه، سجون النظام وزنزاناته، دون أية أخطاء أو جرائم
ارتكبوها، وفقط ليقول للجميع، أنه لا يخاف أحداً، حتى الفلسطينيين
الذين يتاجر بقضيتهم.. هؤلاء الأشخاص، يروون تجاربهم الأليمة،
بأسمائهم وصورهم، بذكر كافة التفاصيل من أسماء سجانيهم إلى أماكن
أقبية سجنهم، مع ذكر تواريخها وكافة وقائعها.. والهدف من تسجيل هذه
الشهادات ونشرها، هو كشف جانب مجهول من جرائم هذا الطاغية، ولتوضيح
حجم الإنجاز الذي تحقق بإسقاطه ونظامه في التاسع من أبريل/نيسان
2003، ثم إعتقاله في الثالث عشر من ديسمبر/كانون أول 2003 .
وأود التأكيد على
أن كافة هذه الشهادات، موجودة بصوت أصحابها، كما وردت في هذا الكتاب،
ومتاح الحصول عليها لكل من يطلبها.. إن هذا الكتاب يكشف حجم جرائم
هذا الديكتاتور بحق بعض أبناء الشعب الفلسطيني، التي هي شبيهة
بجرائمه الجماعية بحق الشعب العراقي..
علّ المضللين
يفيقون من سباتهم، ومتعة رشاوي الديكتاتور لبعضهم.. ليروا هذا المجرم
على حقيقته.
الشهادة الأولـى
محمد جميل السويركي
- مخيم عين الحلوة - جنوب لبنان
مواليد 27 أيار -
مايو 1960
في الأول من
آب/أغسطس، عام 1980، كان عمري تقريباً عشرين عاماً، وكان قد مضى عام
على حصولي على شهادة الدراسة الثانوية (التوجيهي)، ولعدم وجود
الإمكانيات المادية، لم أتمكن من الإلتحاق بأي من الجامعات اللبنانية
أو الجامعات العربية في الأقطار العربية المجاورة. عملت في أعمال
يدوية في الجنوب اللبناني، أحصل منها على مردود مالي لا يستحق الذكر،
لكنه في ظل أوضاع عائلتي المتردية، كان يسهم في سد بعض حاجات
الأسرة.. وفي يونيو/حزيران من عام 1982 تزوجت من إبنة عمي (سامية)،
التي كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، وحاصلة مثلي على شهادة
الثانوية العامة (التوجيهي)، وتعمل في محل (خياطة) لملابس النساء..
في إحدى زياراتي
لبعض الأصدقاء في بيروت، تعرفت على مواطن لبناني من عائلة (بشور)،
عرفت أنه من قيادة حزب البعث اللبناني، الجناح الموالي لحزب البعث
العراقي. شكوت له أحوالي وظروفي، ورغبتي في مواصلة دراستي الجامعية،
فوعدني بمحاولة إيجاد مقعد جامعي لي في إحدى الجامعات العراقية، من
ضمن الكراسي الجامعية المخصصة لحزب البعث اللبناني، وهي حوالي ثلاثين
مقعداً سنوياً، موزعة على عدة كليات منها كلية الآداب، التي أرغب في
دراسة التاريخ فيها.
إتصل بي هذا
المواطن اللبناني، فذهبت للقائه في بيروت في العشرين من يوليو 1983،
ففاجأني بخبر مفرح، مفاده أنه تمكن من تسجيلي في قسم التاريخ بجامعة
بغداد، ضمن المقاعد المخصصة لحزبه، حزب البعث اللبناني، وأنه ينبغي
أن أسافر في موعد أقصاه بداية أغسطس/آب 1983، كي ألتحق بالجامعة فور
إفتتاحها، وأنه أستطيع أن آخذ معي زوجتي، إذ سنحصل على غرفة في
المدينة الجامعية، وهو سيتصل مع مسؤول حزب البعث هناك لتدبير عمل
لزوجتي في إحدى مرافق الجامعة، وبعد ذلك نستطيع إستئجار شقة عائلية،
ونترك المدينة الجامعية.
وصلت مع زوجتي
بغداد في الموعد المحدد، وقابلنا مسؤول حزب البعث في كلية الأداب
بجامعة بغداد، الذي قدم نفسه على أنه الرفيق مجيد السعدون، وأرسلنا
على الفور مع سائق عراقي إلى المدينة الجامعية، حيث حصلنا على غرفة
فيها، وطلب مني أن تعود زوجتي وحدها غداً لمقابلته من أجل تدبير عمل
لها.. عادت زوجتي من اللقاء غير مرتاحة لسلوكه معها، والكلام الذي
سمعته منه، فهو يُصرّ على أن تأتي دوماً للقائه وحدها، وفي الغالب في
نهاية الدوام، حيث لا أحد في مكتبه، ورغم ذلك كنا مضطرين، لأن تستمر
في الذهاب للقائه كلما طلب منها ذلك، فالعمل الموعودة به زوجتي أكثر
من ضروري لنا..
إنتهى الفصل
الدراسي الأول من العام الجامعي 1983، ونحن ما زلنا في المدينة
الجامعية، وزوجتي لم تحصل على العمل الذي يعدها به، وفي كل لقاء يقسم
بأن حصولها على العمل بات قريباً.. بين الفصلين الدراسيين، توجد
إجازة جامعية حوالي إسبوعين.. إتصل بي المسؤول الحزبي نفسه، وقال:
أريد أن أدعوكما، أنت وزوجتك، لقضاء الإجازة معي ومع أسرتي في مصيف
صلاح الدين بشمال العراق.. وفعلاً أرسل لنا احدى سياراته، أوصلتنا
إلى المصيف، وكان هو شخصياً في إنتظارنا.. أوصلني مع زوجتي إلى شقة
كبيرة، وتبدو فيها مظاهر الرفاهية، وقال: إستريحوا، وفي المساء،
سنحضر أنا وزوجتي للتعارف، ثم نخرج للعشاء معاً.. جاء إلى الشقة حيث
نقيم، حوالي الساعة الثامنة مساءاً وحده وقال: إن زوجته ستلحق به بعد
ساعة، لإنشغالها بموعد حزبي مفاجئ.. ولكنه يريد مني خدمة ضرورية
وسريعة، فقد نسي ملفات ضرورية في مكتبه في بغداد، ولا يأمن غيري على
الذهاب لإحضارها مع سائقه، لم أستطع الرفض، ووافقت زوجتي على الفكرة،
فهذه الخدمة سوف تشجعه على إيجاد عمل لها، وكلها دقائق وتحضر زوجته،
ويبقون معاً إلى حين ذهابي وعودتي من بغداد..
كانت الرحلة من
الشمال إلى بغداد، ذهاباّ وعودة، تحتاج إلى ما لا يقل عن عشر ساعات،
ولما وصلت ليلاً، كان مكتبه مقفولاً، فانتظرت إلى الصباح، حيث أعطاني
سكرتيره فعلاً بعض الملفات في حقيبة يد صغيرة مقفلة، وعدت إلى مصيف
صلاح الدين، بعد حوالي عشرين ساعة، أي بعد أن أمضت زوجتي -حسب
اعتقادي- ليلة كاملة معه ومع زوجته.. أعطيته الملفات، وغادر إلى
شقته، وكانت المفاجأة، أن زوجتي أخبرتني، أنه طوال الليل وهي وحدها
معه، ولم تحضر زوجته، وأنه حاول بكل الوسائل ممارسة الجنس معها،
مستعملاً الترغيب والتهديد، ولم تفصح لي إن كان قد وصل إلى ما يريده
معها أم لا.. ولم ألح عليها في هذا الأمر، لحراجة موقفها وموقفي..
أخبرنا في اليوم الثاني، أنه يعتذر لأن زوجته انشغلت بأعمال حزبية،
وسافرت إلى جنوب العراق.. لذلك سنعود معه إلى بغداد..
بدأ الفصل الدراسي
الجامعي الثاني، وما زلت مع زوجتي في غرفتنا بالمدينة الجامعية، وبعد
إسبوع من بدء الدراسة، استدعاني مسؤول الأمن في الكلية، ليخبرني أنني
مطلوب للتحقيق، لأن هناك معلومات وصلته، تفيد بأنني مدسوس من قبل حزب
البعث السوري للتجسس على حزب البعث العراقي.. حاولت نفي هذه التهمة،
فصفعني على وجهي، وأمر حارسان بتقييد يديّ، وأخذي إلى العقيد (جاسم
المعاني) في جناح رقم (12) بسجن أبي غريب، وأعطى الحارسان ملفاً
ضخماً مليئاً بالأوراق. وصلت إلى السجن، فبادرني العقيد جاسم
المعاني، كما إسمه مكتوب على مكتبه، بأن صفعني على وجهي، وركلني
بقدمه، فوقعت على الأرض، فصرخ: قم.. يا فلسطيني.. يا جاسوس.. كلكم
جواسيس.. والله لأعذبك عذاب البين يا كلب..
قمت من على الأرض،
أصرخ من الألم، فبادرني بالضرب بعصى غليظة في يده قائلاً: فلسطيني
جاسوس.. أكيد أبوك باع أرضه لليهود كمان يا إبن الكلب.. بناءاً على
أوامره أخذني حارس مكتوف اليدين، إلى زنزانة قذرة، ودفعني ليصطدم
وجهي في جدارها، وأقفل عليّ الباب، وعاد إلى حيث العقيد..
أمضيت في هذا الوضع
المهين، حوالي أربعة شهور متواصلة.. نقص وزني بشكل ملحوظ، وأصبح
يلازمني ألم حاد في المعدة، كنت أصرخ منه عالياً، دون عرضي على طبيب
أو توفير أي نوع من الدواء.. ومن حين إلى آخر، يطلبني العقيد (جاسم
المعاني)، ويقول لي صراحة: (لا بد أن تعترف أنك جاسوس، أرسلك
البعثيون السوريون للتجسس على البعث العراقي)، وأعود للتأكيد بأنني
في حياتي لم أغادر مخيم عين الحلوة، إلا إلى بغداد للدراسة، وأسألوا
الحزبي البعثي اللبناني الذي أمّن لي الكرسي الجامعي.. يرفض توضيحاتي
هذه، ويبصق عليّ قائلاً: تذكر أين زوجتك الآن.. عندئذ سوف تعترف يا
ابن الكلب يا جاسوس مرّ عليّ في هذا الوضع، ثمانية شهور، لا أعرف
شيئاً عن أسرتي في مخيم عين الحلوة، أو عن زوجتي (سامية) في المدينة
الجامعية ببغداد.. مرة طلبت من العقيد مسؤول السجن، أن أرسل رسالة
لأسرتي وزوجتي، فانهال عليّ بالضرب قائلاً: وين فاكر حالك يا ابن
القحبة.. في لندن أم في باريس.. باكر إن شاء الله تطلب مقابلة الصليب
الأحمر.. وبطحني أرضاً، وداسني على معدتي بقدميه، بقسوة لا مثيل لها،
قائلاً: تذكر زوجتك.. الآن ربما هي ممددة هكذا، ولكن في وضع آخر..
اعترف يا فلسطيني يا جاسوس..
مرّ أكثر من عام
كامل عليّ في هذا الوضع.. وفي يوم الخامس من أيلول/سبتمبر من عام
1984، وكان يوم (اثنين)، أخرجني السجّان إلى مكتب العقيد، فبادرني
إلى القول: ما اشتقت لزوجتك.. ستخرج الآن لمقابلة الرفيق مجيد
السعدون، وربما ترى زوجتك في مكتبه.. وضعوا على عينيّ عصابة من
القماش، ورموني في سيارة، سارت حوالي ثلاثين دقيقة، دون أن أعرف أين
تسير أو أين وصلنا.. أنزلوني منها، وعندما رفعوا الغطاء عن عيني،
وجدت نفسي داخل غرفة واسعة، فيها مكتب وكنبات، دون أن أعرف أين هذه
الغرفة، وفي أي مبنى.. ومن غرفة مجاورة، كانت تصدر أصوات مختلفة،
ميّزت من بينها صوت الرفيق مجيد السعدون، يقول لمن حوله: (زوجته..
وشبعت منه.. أريد أرميها زي الكلبة والجاسوس لازم يعترف.. ويوقع بخط
يده أنه كان يتجسس للسوريين، لأن مسؤول بعثي لبناني يسأل عنه وعن
زوجته..).. بقيت وحدي في الغرفة حوالي ساعة ونصف.. والأصوات من
الغرفة المجاورة، أسمعها حيناً وتهدأ حيناً آخر.. وفجأة، فُتح الباب،
وإذا زوجتي (سامية)، تدخل عليّ شبه عارية، لا يستر جسدها سوى ملابسها
الداخلية.. أقفلوا علينا الباب، وانخرطنا معاً في بكاء عميق.. كدت
أجن لهذا المنظر الذي رأيت زوجتي به.. فقالت لي: هذا المنظر أهون
بكثير، مما كان يفعله معي السعدون وحراسه وسائقوه، طوال العام
الماضي.. لا أستطيع الكلام الآن.. لا بد أن تعترف أنك جاسوس
للسوريين، وإلا فستبقى في السجن طوال عمرك، وأنا سأظل أتنقل بين غرف
نومهم وأسرتهم.. وأنخرطت في البكاء مجدداً، لتخبرني أنه طوال العام
الماضي، كان المسؤول الحزبي، ينقلها من شقة إلى شقة، ويجبرها على شرب
الكحول، ثم يغتصبها، وبعد أن يخرج يتركها في أيدي الحراس، ليغتصبوها
على التوالي.. وفي مرة، صحت من تأثير الكحول، لتجد نفسها تحت أحد
الحراس، فقالت له باكية: مو عيب.. بعثي زيك ويغتصب فلسطينية.. فصرخ
فيها: يا قحبة.. جوزك جاسوس.. وما نغتصبك.. إسرائيل اغتصبت فلسطين..
وإحنا نغتصبك... شو فيها !
بقيت مع زوجتي
وحدنا حوالي ساعة ونصف.. ثم دخل علينا المسؤول الحزبي ذاته، ومعه
ثلاثة حراس.. هجم واحد منهم على زوجتي، ومزق ملابسها الداخلية، فوقفت
عارية أمامنا، تحاول ستر جسدها بيديها، دون فائدة.. دفعها المسؤول
الحزبي بيديه، فوقعت على الأرض ممددة على ظهرها. حاولت الوقوف،
فركلها بقدميه، وقال لي: آه.. تعترف.. ولا أخلي الشباب يغتصبوها
أمامك.. لم أتحمل هذا المنظر، فقلت له أعترف.. حاضر.. سيدي.. والله
أنا جاسوس للسوريين، وأساساً أرسلوني للتجسس عليكم، على البعث
العراقي.. ضحك عالياً، وقال لأحد الحراس: زين.. هات ملابس الحرمة من
الغرفة المجاورة.. وأعطاني ورقة مكتوب فيها:
“أنا المواطن
الفلسطيني محمد جميل السويركي، من مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان،
ومن مواليد 27/5/1960، أعترف صراحة وأنا بكامل قواي العقلية وبدون
أية ضغوطات نفسية أو جسدية، بأنني قدمت إلى بغداد في آب/أغسطس 1983،
مرسلاً من قيادة البعث السوري في لبنان، لأدرس في جامعة بغداد مع
زوجتي، وذلك كغطاء للتجسس على الرفاق في البعث العراقي، وتحديداً
مراكز القيادة وتحركات الرئيس القائد صدام حسين حفظه الله، وقد
زودتهم قبل اعتقالي بالعديد من التقارير، التي كنت أرسلها مع سائق
إحدى الشاحنات التي تعمل على الطريق بين بغداد ودمشق، وقد كان قدوم
زوجتي معي بشكل مخطط، كي أستغلها للوصول إلى القيادات التي أرغب في
جمع معلومات عنها.. وأشهد أنني لقيت وزوجتي معاملة حسنة في كافة
مراكز السجن التي كنّا فيها.. وكان الرفاق البعثيون العراقيون،
يأسفون لوجود فلسطيني جاسوس مثلي ومثل زوجتي..”.
قرأت هذه الورقة،
وزوجتي ما زالت عارية أمامي، وكلما ترددت، بادرني العقيد المسؤول
الحزبي بالقول: آه.. تريد يغتصبوها أمامك.. خذ هذه الورقة، وأجلس على
المكتب، وأكتب ما في هذه الورقة، على ورقة أخرى بخطك.. بهدوء وبخط
واضح.. فعلت ذلك خلال دقائق.. وعندما إنتهيت منها.. قرأها.. وقال:
خوش.. والله.. ولد مطيع.. ما تستاهل نغتصب زوجتك أمامك.. قدّم لي
جهاز تسجيل وقال: الآن.. سأفتح جهاز التسجيل، وعليك أن تقرأ هذه
الورقة كاملة، كي أسجل إعترافاتك بصوتك يا جاسوس.. يا جوز (.....)،
وأطلق شتيمة بذيئة..
سجّلت بصوتي ما هو
مكتوب على الورقة، أخذ جهاز التسجيل والورقة، وقال للحراس: خذوا
هالمرة على المزرعة إللي كانت فيها.. ورجّعوا الجاسوس للسجن، في
انتظار المحاكمة، وإن شاء الله سيكون حكمك إعدام يا ابن الكلب.. وما
حينفع مراجعة بعثي لبناني، يسأل عنك وعن زوجتك.. هو أكيد يسأل عن
زوجتك فقط.. أكيد إشتاق لها..
عدت إلى السجن،
وقبل أن يأخذوني إلى الزنزانة، طلب العقيد جاسم المعاني من الحراس أن
ينتظروا معي في مكتبه، لحين عودته من جولته على أركان السجن..
عاد بعد حوالي نصف
ساعة، وطلب من الحراس الخروج من المكتب، وسألني عمّا حدث معي في
مكاتب المسؤول الحزبي، فسردت له كل التفاصيل، فقال لي: وقعت الورقة،
وسجلت ما فيها بصوتك.. والله.. كل القوى ما طّلْعك حيّ من بغداد..
بكيت بحرقة أمامه، وأقسمت بالله أنني بريء ولا علاقة لي بالبعث
السوري.. ضحك قائلاً: عيني.. كلنا عارفين إنك بريء.. المشكلة إشلون
المسؤول الحزبي يستفرد بزوجتك.. ويستعملها كما يشاء لشهواته.. كان
لازم تلفيق هاي التهمة.. بس الآن ما في شي ينفعك.. زوجتك تحت رحمته..
وأنت إعترفت بأنك جاسوس.. بخطك وبصوتك.. خذوه للزنزانة.. جاء الحراس،
ورموني في نفس الزنزانة، دون أن أعرف أين أخذوا زوجتي..
لا قانون يحكم
المعاملة للسجناء، فنحن رهن مزاج الحراس ومسؤول السجن.. الحراس
ينفّسون عُقدهم بضربنا وشتمنا بدون رحمة.. وبعضهم يسألك عن عنوان
وهواتف لأقاربك، إن تدفع له كذا.. يعدك بالمساعدة.. وفي اللحظات
القليلة التي نلتقى فيها بسجناء عراقيين، يحدثونا عن نفس سوء
المعاملة.. ونفس الابتزاز..
في نهاية
يوليو/تموز 1985، مرّ عليّ في السجن، وهذه الأوضاع المزرية، حوالي
سنتين.. وفي آخر يوم من هذا الشهر، أخرجوني من الزنزانة إلى مكتب
مسؤول السجن، ليخبرني.. أن هناك عفواً عاماً من الرئيس صدام حسين،
سوف يشملني أنا وزوجتي.. وعليّ أن أكتب، الرسالة التالية بخطي للسيد
الرئيس:
“السيد الرئيس
القائد صدام حسين حفظه الله أنا الجاسوس الفلسطيني محمد السويركي،
وزوجتي الجاسوسة سامية السويركي، نشكرك جزيل الشكر على العفو العام
عنّا، وهذه مكرمة لا ننساها لك”.. وقعت على الورقة، وأخبروني أنهم
سوف يأخذونها لزوجتي في مزرعة المسؤول الحزبي، لتوقيعها، ثم ننتظر
الافراج عنّا..
في الخامس والعشرين
من آب/أغسطس من عام 1985، اقتادوني من السجن إلى حافلة كانت تقف أمام
مدخل السجن، وفيها حوالي عشرين رجلاً وإمرأة، ومن بينهم زوجتي.. سارت
بنا الحافلة، وبعد ساعات، ألقونا على الحدود السورية.. بعد إجراءات
قاسية، وعدة ليالٍ في السجون السورية، عدت مع زوجتي إلى مخيم عين
الحلوة.. كانت حالة زوجتي قد وصلت حد الإدمان على الكحول من جراء ما
تعرضت له في بغداد.. وأنا ساءت حالتي الصحية والعقلية.. وما زلت حتى
عام 2004، أتساءل: هل يحدث مثل ذلك في أي من سجون العالم.. إنها سجون
المجرم صدام حسين فقط التي تشهد ذلك، ومع الفلسطينيين خاصة..
الشهادة الثانية
ضيف الله حسين
حمدان أبو رياش
مواليد 26/8/1962
في مادبا
لقد ذهبت إلى
العراق لأول مرة في منتصف تشرين الأول من عام 1982، بهدف التقديم
للدراسة الجامعية ولم أُوفق، وليتني توقفت عند هذه النتيجة.. لكن حظي
كان يريد الوصول بي إلى اتجاه آخر، فقد عدت إلى الأردن ولكنني مع
وصول القبول في العام التالي، حملت نفسي مرة أخرى (على الهجرة إلى
الشمال) جامعة صلاح الدين في اربيل - كردستان العراق، وأكملت دراستي
في علم الاجتماع ولكنهم اعتقلوني في الأول من تموز 1987 وأنا في
طريقي إلى الأردن، كي أحضر والدتي لحفل التخرج الجامعي ! هذا الحفل
الذي لم أحضره بالطبع.. ولم أتخرج لحد الآن !
وبدأت الحكاية بأن
أستوقفوني في المطار بعبارات مختصرة “نريدك لخمس دقائق فقط”، لتنتهي
الخمس دقائق في عام 1998 ! وأثارا إستغرابي أكثر أن حقائبي وأوراقي
الرسمية كانت معهم.. ماذا يريدون.. ما معنى إعادتي إلى الخلف
والطائرة على وشك الاقلاع ؟ هل يعني هذا أنهم سيحرموني حفل التخرج
وحضور والدتي في الخامس عشر من تموز ؟ هذه هي الأسئلة التي كانت تدور
في ذهني القاصر حتى هذه اللحظة عن إدراك أبعاد أخرى أو مؤامرات كانت
تحاك لي في الخفاء.
وعلى الفور سيتبادر
إلى ذهن أي إنسان يسمعني سؤال: “ألم تكن قد مررت بمضايقات سابقة طوال
تلك السنوات ؟".
ولكي أجيب فأنا
مضطر للعودة إلى سنوات عمري الجميل، كأي طالب على وجه الأرض يحمل معه
حفنة من الآمال وتخطيطات بريئة لرسم لوحة المستقبل، وربما مخططات
“غير بريئة” لحياة منطلقة يعيشها فتىً غادر المدرسة للتو، وودع الأهل
وكسر الطوق من حوله، وأنا لم أكن بطبيعتي شقياً ولا مشاغباً ولكن
بدوي نشأ في بيت من الشعر، لا يعرف دروب السياسة ولا هو يفقه
معانيها، وكل ما يعرفه هو أن الأشياء تأتي بالتعلم والتدريب، ومن شأن
حياة جامعية مترامية الأطراف، متعددة الأهداف أن تمنحه القدرة على
الاكتساب، ولا يمكنني نسيان ذكر ما كنت عليه من الحدة وعدم الليونة،
أو ما يمكن تسميته بفقدان اللياقة الاجتماعية، ويا للصدمة، فإن أول
ما يواجه الطالب هو مسؤولو الاتحادات الطلابية الذين يعرضون خدماتهم
ومساعداتهم على القادم الجديد الذي يتلمس أول الطريق.
وبدأت أدرك أن هذه
المقدمات ستقود إلى نتائج على الصعيد الآخر، فما هي إلا جسور يمدونها
كي أصل النقطة المحددة من قبلهم، ولم أقبل صعود أي جسر من جسورهم،
وكان لي صديق قد نصحني من قبل بالسكن لدى عائلة كردية لأنني بالأساس
استبعدت السكن الداخلي، وقد يستغرب البعض لجوئي للسكن في الوسط
الكردي، من منطلق الحكم على الأكراد بعداوتهم للعرب، ولكن الحقيقة هي
غير ذلك، فلقد لمست في الأكراد طيب المعشر وحسن الضيافة، ولأنني
شخصياً أخجل من الإقامة الدائمة لدى عائلة فقد طلبت مساعدتهم في
تأمين شقة أسكنها بمشاركة طلاب آخرين، انتهى موضوع السكن.. لتبدأ
اللقاءات في مقر الاتحاد العام لطلبة الأردن وليس من حديث يخوضون فيه
معي، سوى الانتماء للحزب العظيم، وكانت حجتي التي أسوقها للرد عليهم
ببساطة: أنا فلسطيني يحمل معاناته أينما حلّ وارتحل وليس هناك من
دواع للأطر الأيديولوجية.. ولكن هذا لا يسمن ولا يغني من جوع في
عرفهم، فيزداد الضغط وتشتد وتيرة الانتقادات وتحتد النبرات، ولكن معي
وفي كل مرة تتكسر النصال على النصال. حاولت من جانبي ابقاء علاقاتي
بالطلاب في إطار من المحدودية والتحفظ، ومرت السنة الأولى قاسية،
وبدا للطرف الضاغط أنني أسد الطريق فلاحت في الأفق علائم الحقد
والكراهية، والحقيقة التي بدأت أنجذب إليها هي معاناة الاكراد ورغبتي
في تعميق صداقاتي بالطلاب الأكراد، فقد وجدت قواسم مشتركة بينهم
وبيني، كمثل القواسم المشتركة لمعاناتهم ومعاناة الفلسطيني، ولربما
كانت هذه هي بداية المنعطف، أو بداية ما يمكن تسميته “الخطأ الشخصي”،
إذ أنني لم أسر في درب “بعثي حتى التخرج”، وأول تعرض قامت به الأجهزة
الأمنية ضدي حدث في نهاية العام الدراسي الأول حيث اعترضتنا سيارة
(أنا وزميل لي من مادبا) ونزل ركابها ليختطفونا إلى دائرة أمنية:
عصبوا عيوننا وانهالوا علينا بالضرب وتوجيه الإهانات قالوا: “أنت في
بداية دراستك ومن السنة الأولى تظهر عداءك للبعث وتنسى خيره عليك”،
واقتصر ردي عليهم “لا تمنّوا عليّ، فأنا أصرف من مالي الخاص الذي
يصلني من أهلي”.
واطلقوا سراحنا..
عدت لأنفذ نصيحة قدمها لي بعض الزملاء بالتخلي عن راتب المنحة
وتحويله كمساعدة لجبهة التحرير العربية، خلاصاً من منتهم، ومع ذلك لم
تتوقف المضايقات في السنة التالية، أما ما شكّل المضايقات فهو التحرش
برموز الثورة الفلسطينية، وتخوين س و ص من الشخصيات الفلسطينية،
كعملية إستفزاز لخلق مشادات ومشاحنات، وأقسم بالله العلي العظيم،
أنني وإلى حد ذلك التاريخ لم أكن مدركاً بأن إتحاد طلبة الأردن يتبع
حزب البعث، لكن أبشع صورة للمضايقات تكمن في التأثير على المستوى
الدراسي، إذ وجدت نفسي أرسب لثلاث مرات في مواد كانت علاماتي فيها لا
تقل عن خمسة وتسعين في المائة، وعندها اشار لي صديق بأن هذا يمثل
الرد لعزوفي عن المشاركة في النشاطات الطلابية الحزبية، وكانت نصيحته
(أن أهادن الوضع)، وبدأت السير فعلاً في هذا الاتجاه إتقاءاً لشرهم
وحرصاً على مسيرتي الدراسية، ظناً مني بأن الأمر سيتوقف عند هذا
الحد، وبالتالي أنجو بنفسي وأحصل على شهادتي الجامعية.. ويا ويلي إذ
لم يخطر ببالي يوماً أنني لن أحصل عليها !
واستمرت سنوات
الدراسة التالية دون مشكلات تذكر، سوى المماحكات والتعرضات من قبل
مسؤولي الاتحادات الطلابية الذين كانوا ينعتونني بالقبلية والجهل
والعشائرية وإلى ما غير ذلك، والأخطر في اتهامي بعدم استساغة فكر
البعث، وعدم التحمس له كأيديولوجية، كان الأمر على هذا النحو خطيراً
خلاف ما كنت أظن وأعتقد !
كانت لي حسابات
خاصة مثل العودة إلى الأردن، ولا أريد خلق مشكلات مع السلطات
الأردنية، فأحفظ خط الرجعة لنفسي وأخشى من المساس بأهلي أو حتى فقدان
الأمل في العودة إليهم.
ولما حدثت قصة مقتل
ثلاث طالبات كرديات، بعد تعرضهن للاغتصاب، وقد تم العثور عليهن في
منطقة صيداوة - غرب أربيل -، ضجت الجامعة بالمظاهرات، نما إلى علمي
أن الحديث يدور عن أنني كنت العامل المحرك لهذه المظاهرات في كلية
الآداب، والحقيقة أنني لست على هذه الفاعلية السياسية، ولست بقادر
على تحريك الطلاب إلى هذه الدرجة التي يشيعونها إما عمداً أو جهلاً،
أقول عمداً لأنهم يبيتون لي أمراً لا أعرف كنهة، ولا مداه، أو جهلاً
من باب تضخيم الأمور لمجرد كوني غير موال لهم ولا متعاطف معهم..
وكانت نصيحة الأصدقاء مثلما هي دوماً: المشاركة في المسيرات
التأييدية لإبعاد مثل هذه التهم عني.. وفعلت دون قناعة مني، والشيء
الذي نفذته عن قناعة كان التبرع بالدم عن طريق المستشفى وليس الكلية
لاعتراضي على طريقة الابتزاز التي يتبعونها.
لم تكن لي في سنوات
دراستي تلك من مخالفات -حسب تقديراتهم - سوى امتلاكي لوجهة نظر
مغايرة لأساليب الإكراه التي يمارسونها، ولربما لم أكن مهيأً لأن
أكون بوقاً لتوجهاتهم السياسية، ومع ذلك كله لم يخطر ببالي للحظة بأن
هذا سيقودني إلى الجحيم وغياهب السجون، خاصة سجن “أبو غريب” الرهيب.
ومضت سنوات الدراسة على هذه الشاكلة: الطريق الدراسي سالك، أما
الطريق السياسي فهو سالك بصعوبة حتى هذه اللحظة، ما الذي سيجري
لاحقاً ؟ سؤال لم يلح لي في الأفق لأنني لم أؤسس على هذه المشاحنات
والمناكفات أمراً خطيراً سيصيبني، أو تهلكة تنتظرني، وبشكل عام وجدت
نفسي ميّالاً للمطالعة والاستزادة بالقراءة فهل هذه أيضاً تهمة ؟ سرت
في طريقي لا أعلم إلى أين وكل ظني أنني في المطار سأغادر.. ومن ثم
ترافقني الوالدة “العجوز” كما نسميها، ولكن أوقفتني الدقائق الخمس
(منذ منتصف الأول من تموز وحتى الحادي والعشرين من شباط 1998)، وحتى
حين اقتادوني من المطار بعصابة سوداء على عيني، لم يدر بخلدي أنني في
قبضة أجهزة أمنية، وتهيأ لي أن في الأمر أحقاداً شخصية أو قريباً
منها مما يمكن تسويته خلال فترة قصيرة، أو أنه يمكن أن يماثل ما حدث
لي في مرة سابقة، حين واجهت الطلبة الأردنيين (عفيف الروسان، منير
حدادين، وحسام العمري) فقد اضطررت لضرب الأخير بآلة حادة بعدما
أحكموا قبضتهم علي، وأذكر بعدها أنهم سعوا للمصالحة فرفضت كي يبتعدوا
عن طريقي. ولكن الذي يجري اليوم مختلف، فأنا مساق إلى مكان مبهم ومن
المسافة التي قطعناها يبدو أنه بعيد عن المطار، وبدأ سير الأحداث،
أنزلوني من السيارة واقتادوني إلى غرفة حمراء، أدركت حينها فقط أنني
في (مبنى مخابراتي) ومرت بي سريعاً الصور التي كان العراقيون
ينقلونها لي عن هذه المباني.. توصيفات غريبة عجيبة.. وحكايات دامية،
وها أنا الآن في أتونها !
مرت ثلاثة أيام
طوال ومرهقة، في غرفة المحقق وأنا معصوب العينيين، أسمع: أنت تعرف ما
نريده منك، ونحن لا نريد تعطيلك عن الذهاب إلى أهلك فتعاون معنا
فعندنا كل شيء ! وفي مواجهة إنكاري قال: إذهب وفكر وعد إليّ بشكل آخر
! وبدأ الاستدعاء كل يوم لتتردد على مسامعي إهانات وطلبات بالاعتراف
وسيل من التهم، ما هي علاقتك بالاكراد وما نوع الأسلحة التي هربتها
لهم ولمن كنت تعطيها، ولمن وأين وزعت المنشورات ؟ وكم من مرة شتمت
الرئيس ؟ ومع مواصلة إنكار أية علاقة لي بهذه التهم، كان التعذيب
يزيد والأسئلة تزداد والخناق يضيق من حولي، ولما قلت: “إنك تكيل كل
هذه الاتهامات لي لأنني لست بعثياً” قال منتصراً: “آه من هنا نبدأ..
لماذا أنت لست بعثياً ؟ على رأسك ريشة ؟ ونحن نضع فوق رؤوسنا أربعة
الاف طالب فلسطيني، وأنت الوحيد الذي يتصور نفسه مختلفاً، ويطن نفسه
بطلاً، لماذا تنازلت عن المبلغ المخصص لك كمنحة، وأنت تتنفس هواء
العراق وتشرب ماء دجلة والفرات !”.
وحاولت أن أشرح له
بأنني إنسان بسيط، لا يقتنع بالانتماءات السياسية ولا يحب المزايدات،
وبحسن نية وصفاء سريرة، قلت بأنني تبرعت بالدم ثلاث مرات لصالح
المجهود الحربي، قال: “أنت تعيرنا بالدم الذي تبرعت به وقد اسأت
للبلد بما يفوق الآف الليترات من الدم، وعليك أن تعترف على تنظيمك،
وتقر بكل ما تعرفه عن التحركات السياسية للأكراد”، ولم تكن أجوبتي
تجدي نفعاً لمثل عقلية هذا المحقق الذي أسرع لفتح الملف الساكن أمامه
ليصرخ: “هاك التقارير التي تقول كذا كذا” قلت بأنني لم أطلق النار
على رفيق حزبي، أو أفجر قنبلة في مركز شرطة حتى أكون على هذه الدرجة
من الخطر.. توقفت الأسئلة والأجوبة كمادة حوارية وحلت محلها الضربات
والفلقات والألفاظ النابية.. هذا هو منطق ولغة هؤلاء الذين هم ليسوا
بشراً، ولا حيلة لي سوى الاستمرار في الصراخ والشتم والانكار، وبعد
مضي إسبوعين.. قال لي المحقق: “ستقابل مسؤولاً مهماً وعليك أن تصرح
له بكل شيء !”.
قادتني السيارة
المغلقة إلى مكان آخر، وإذا بي أمام فاضل البراك مدير المخابرات
العامة آنذاك، وابتسمت أول ما وقع نظري عليه، فسألني عن السبب.. قلت
أنا أعرفك من خلال محاضرة في جامعة البصرة، وكنت حينها أظن نفسي أمام
شخص أكاديمي وليس مسؤولاً أمنياً، أجابني بنعم “ولكن هذا ليس
موضوعنا”، وأضاف اسمعني جيداً أنت أمام المخابرات العراقية، ونحن
نعرف بأنك على وشك الذهاب إلى أهلك، ولكننا نشرنا أخباراً بأنك مخطوف
عند الأكراد، مع أخبار أخرى تقول بأنك قد قُتلت في أربيل، فلا مجال
للتفكير، ولا مجال للتردد، بل عليك أن تختار: فإذا صرحت بكل ما لديك
فستذهب إلى أهلك وإلا فلن يكون لك ذلك، ثم انك ما زلت لا تعرف
المخابرات العراقية، ونحن نحترمك لأنك من قطر عربي شقيق، فاذهب وفكر
جيداً.
إنتهى اللقاء
بعودتي إلى المكان الأول وبداية المرحلة السيئة: عمليات التعذيب من
كابلات كهربائية وضرب وتشبيح وأساليب قاسية ووحشية، هذه العمليات
استمرت لثلاثة أشهر ولمرتين في الأسبوع، كان معي شخص سويدي اسمه
(وولف) وفتاة من النجف اسمها (ليلى)، عرفت أن وولف كان يدير شركة
اتصالات اريكسون وقد اتهموه بالتعامل مع ايران وإسرائيل، ولهذا
الشخص دور في حياتي، فزوجته وهي سيدة من (ترينداد) أبلغت أهلي بحالي
حين كتب لها زوجها المعلومات باللغة الفلامنكية على صفحة من صفحات
الانجيل، وزارتني والدتي بعدها، وصار معلوماً أنني في قبضة المخابرات
العراقية، حيث كنت طوال الفترة الماضية مغيّباً حسب الحجج التي
أطلقوها والأخبار التي نشروها.
استمر التعذيب، وهم
يتفننون في أساليبه وبدأت صحتي في التدهور، كانت العمليات التعذيبية
بالكهرباء مؤلمة ووحشية، وتوصلني إلى مرحلة الهستيريا.. ولكن كل شيء
الآن إنتهى، سوى آلام الكتفين جراء التعليق الذي كانوا يمارسونه،
وكلما جاء برد الشتاء القاسي تضاعفت الأوجاع واشتدت علي الآلام.
في نهاية الشهر
التاسع، يستدعيني المحقق ليأمرني بالنظر إليه وفهم ما يقول: اسمع إن
إعدام الفلسطيني لا يكلف الدولة العراقية سوى عشرة دنانير، قيمة
الطوابع الملصقة على المذكرة حين أرفعها إلى قاضي التحقيق ! واستمرت
جلسات التحقيق، وتتردد على مسامعي أوامر تقول: اعترف اعترف، ولما قلت
لقاضي التحقيق بماذا اعترف ؟
قال بأنك شريف،
ولما أجبته أنت القاضي وتخاطبني بهذا الشكل، وجه لي صفعة وقال: وقع.
- على ماذا ؟
- عليك أن توقع على
بياض !
ولأنني كنت في حالة
من اليأس والبؤس، فقد وصلت إلى مرحلة التوقيع على أي شيء ! فقط، لكي
أخرج من المكان، ولقد فكرت بالانتحار مرتين ولم أنجح، وكان حظي سيئاً
حين اكتشفوا محاولتي الانتحار بحبل صنعته من بيجامتي، وهو الأمر الذي
ضاعف من عذابي وتعذيبي (قواد تريد أن تموت قبل أن تصرح بما لديك)،
ووضعوا معي شخصاً آخر في الغرفة، زارتني الوالدة وشرحت لها ما أنا
فيه، ذهبت إلى هيثم أحمد حسن البكر، كي توكله محامياً للدفاع عني
فاعتذر عن قبول التكليف.
بدأت محاكمتي في
محكمة الثورة.. التي تشبه ثكنة عسكرية، ولقد أصابني الرعب فيها أكثر
مما كان عليه الحال في (الحاكمية)، وفي الصالة جلست إلى جانبي سيدة
كردية.. أحضر العسكر المدججون بالأسلحة شباباً صغاراً في عمر 16 - 17
سنة، وكانوا يأخذون كل أربعة سوية، ومن المجموع لم يخرج سوى أربعة،
سألت هذه المرأة باللغة الكردية: أين يذهب الآخرون ؟ فأجابت بأن الذي
لا يخرج إلى هنا يذهب إلى الاعدام فهناك باب آخر. بدأت محاكمتي في
قفص، وسألني القاضي عواد البندر: هل أنت متهم أم برئ ؟ فأجبته أنا
طبعاً برئ.. فزاد القول بأن المحكمة هيأت لي محامياً، فإذا بالمحامي
يقول (إن المجرم الماثل أمامكم) فاعترضت بالقول: اسمحو لي.. فأنا
أدافع عن نفسي وقلت أنا طالب أردني جئت للدراسة في العراق، وربماكان
الخطأ الوحيد الذي ارتكبته هو عدم الانتساب لحزب البعث، وهذا كل ما
هنالك ! فقال لي القاضي: أهذا كل شيء ؟.. أنت متهم بالتآمر على البلد
والتخريب ونحن نستطيع مداواتك ومداواة أمثالك.. واستكمل: حكمت
المحكمة عليك حسب مادة 158أ، وأنا لا أعرف ما هي المادة 158أ، وبدأت
أنظر حولي وأتطلع في وجوه الحراس الذين أخذوني إلى مبنى المحافظة أو
أي مكان لا أعرف ! كان في القاعة حوالي خمسة وثلاثين شخصاً، وأُغلق
الباب بأربعة أقفال، واقترب مني شخص ليسألني ما هي قضيتك ؟ فبادرته
ما هو هذا المكان ؟ فقال لي إنه (قاطع الاعدامات)، وشعرت بنفسي لا
أستطيع الحركة. جمدت في مكاني.. فأضاف الشخص: نعم، نحن هنا كلنا
محكومون بالاعدام ! وننتظر التنفيذ.. واستطرد وأنت ماذا ما جرى معك ؟
قلت له: أنا لا
أعرف، فقط حكموني حسب مادة 158أ، فاندفع الرجل إلى الخلف والدهشة
تعتريه.. وقال على ماذا ؟ ثم أضاف: عادي هذا هو العراق ؟!!
وصدقاً بدأت أفكر
في أن ألحق نفسي، أن أصلي، وصليت دون أن أكون مقتنعاً بالوضع الذي
أنا فيه.. اعترتني حالة من اليأس لا يمكن وصفها، وبدأت أرقب الناس من
حولي، وكيف أنهم حين ينادون اسماً لشخص بيننا.. يبدأ هذا بالحركة ثم
التثاقل.. ثم يقع ويسحبونه وو... يجرونه إلى مصيره.. تزامنت هذه
الحالة مع تقديمهم لناطعاماً أفضل من الذي كان في مبنى المخابرات..
وظلت الوضعية على هذا النحو المرعب وأعداد الأشخاص تتناقص.. بقي
حوالي أحد عشر شخصاً فقط، لا أعرف التاريخ، ولكن بعد ستة أيام من
وصولي إلى المكان، نادوا عليّ وحلقوا لي شعر رأسي وذقني، وأخذوني إلى
المحكمة نفسها، وأعيدت الديباجة ذاتها ولكن مع إضافة تقول “أنت لكونك
من قطر عربي شقيق، خففناالحكم من درجة (أ) إلى (ب)، مع مصادرة أموالك
المنقولة وغير المنقولة، فأنتقلت إلى السجن المؤبد، وأعادوني إلى
مبنى المخابرات لحوالي شهر، وحينها زارتني والدتي، بدأوا باتباع
أسلوب الحرب النفسية (الازعاج)، وهذا يتمثل في إخراج الموقوفين
معصوبي الأعين في ممرات لساعتين، وهم يتعرضون للضرب من كل جانب
وتنهال عليهم الشتائم والاهانات. تحولت إلى السجن الذي يغص بمختلف
الجنسيات (سوريون وإيرانيون ومصريون وغيرهم) حوالي ثمانمائة أو الف
سجين أغلبهم من المصريين، قواطع مختلفة ولكن السياسيين معزولون. بدأت
والدتي تزورني بين الحين والآخر، ومن الذين انتقلوا معي إلى السجن
إثنين من الفلبين وإثنين من بريطانيا، وأذكر وجود الطيار محمد مظلوم
الدليمي في زنزانة مجاورة، وقد أوصاني بتوصيل رسالة إلى والدته
(ميثا) وقد أوصلتها مع والدتي، أنا لا أعرف شيئاً عنه، كل ما قاله لي
أنه كان مدير قاعدة جوية، وقد قام بثلاثة الاف غارة على إيران، وكان
الذراع الأيمن لعدنان خير الله. كان رحمه الله متديناً وبطلاً في
مواجهتهم، وأوصاني بتوصيل الرسالة إلى والدته. وكنت أعتبرها عبئاً
وحمدت الله على أنني استطعت توصيلها. في السجن حاولت أن أبقى متحفظاً
في علاقاتي، ومع ذلك لم أنجُ من خطر هذه العلاقات، فقد حدث أن تعرفت
على سوريين مبعدين، وأحدهم كان يعمل بالتطريز والاشغال اليدوية
(الخرز)، وفي أثناء زيارة لوالدتي اعطاها بعض هذه المشغولات، ولكنه
ضمنها رسالة باسمي، وموجهة إلى الاردن لطلب المساعدة، وحين اكتشفوها
سحبوني إلى مبنى المخابرات وابقوني لثلاثة أشهر تحت التعذيب، وبعد
ذلك أعادوني إلى السجن، وبدأت المخابرات تعمل في داخل السجن على
تجنيد الأشخاص للعمل معهم، فطلبوا مني العمل معهم، واذكر أنني قلت
لأحد العاملين في السفارة الأردنية (من عشيرة الحويطات) وكان على
معرفة بالأهل، قلت له حين زارني، يا أخي أحضر لي سماً كي أخلص من هذه
الحياة، هؤلاء حكموا علي بالمؤبد والآن يريدونني أن أعمل لصالحهم، ما
الذي يجري وهل الإنسان رخيص إلى هذه الدرجة ؟. بدأت فترات عصيبة في
السجن جراء نقص الغذاء والدواء، وصار أسلوبهم هو المقايضة، كن معنا
فنعطيك الدواء. كنا في هذه الفترة نخشى من الأمراض الصدرية (التدرن)
وغيره، وكانت المضايقات تزداد وشدة الحياة تلفنا والمرض والجوع من
حولنا، ولم يكن أمامي سوى الإنزواء والعنف، لا توجد أدوات حادة فكنت
الجأ إلى قبضتي وأواجه استفزازاتهم بالضرب، مرة قمت بفك حديد السرير
لإستعماله في الضرب، وسحبوني إلى مبنى المخابرات وبالغوا في الضرب
والتشنيع، بعدها بقيت مع إثنين فلبينيين، و(بول سميث) الانجليزي
و(يان ريختر) و(ولف السويدي)، وعلاقتي مع الأخير كانت هي الأقوى ومرة
طرزت والدتي ثوباً فلسطينياً لابنته الصغيرة فكتوريا، وأذكر أن وولف
خرج من السجن بمقايضة جرت مع طه محيى الدين معروف الذي كان يزو
المانيا ثم السويد في ترتيب صفقات تكنولوجية، وكنت قد تراهنت مع وولف
على أنه سيطلق سراحه، وكان رهاننا بمائة دولار، ومن ناحية أخرى وفيما
يخصني لم تجر محاولات لمساعدتي، لا أحد يسأل عن أحد، والزيارات التي
كانت تتم من أطراف رسمية، كانت لا تتجاوز نطاق الزيارة. والدتي هي
الشخص الوحيد الذي سعى إلى مساعدتي والشخص الذي كان قد حاول مساعدتي
بطلب من والدتي هو المرحوم عاكف الفايز الذي قال أنه على الرغم من أن
علاقاته بالعراق سيئة إلا أنه سيحاول فعل شيء.
مرت بي وجوه عديدة
وعايشت حالات صعبة.. فنحن في مكان أقرب ما يكون إلى جهنم، فمثلاُ كنت
أتمنى لو أن الأسرى الكويتيين الصغار الشباب ؟ والكبار في السن،
النساء والأطفال، لو أنهم عادوا إلى أهلهم ولم ينتهوا بهذا الشكل
المأساوي وأذكر أنه كان هناك اخوان سوريان، افتقدت احدهما يوماً
فسألت عنه أخاه الذي قال بأنهم أعدموه بكل بساطة وسلموه لوالدته، كان
هناك الكثير من الناس ومن جنسيات مختلفة، سعوديون وقطريون، وتهمهم
تجاوز الحدود وأغلبهم رعاة غنم، لا يفقهون في السياسة وتوجه لهم
التهم الكبيرة، والذاكرة لا زالت طرية وربما لو جاءت هذه التجربة
متأخرة عن الوقت الحالي لاعتراها بعض الضعف، ولكني أحمد الله أنها
جاءت الآن، لتجعلني في وضع نفسي مريح من حيث تفريغ هذه الشحنات
المؤلمة والمؤذية التي كانت مختزنة في داخلي، هذه التجربة الرهيبة
التي مررت بها عطلت حياتي بالكامل وغيّرت مساري، أنا لم استلم
شهاداتي لحد الآن، وأذكر أن المحققين حاولوا ابتزازي مرة من خلال هذه
الوثائق إذ قالوا لي بأنها موجودة لديهم وأنهم على استعداد لتسليمها
لي لو أنني فقط تعاونت معهم ! وكان ردي بأنني لا أريدها ولست بحاجة
إليها، وتبين لي فيما بعد بأنها مجرد لعبة، لأنني سألت زميلاً عن
الأمر فأفاد بأن أوراقي ما زالت في الجامعة، وأنوي أن أذهب إلى اربيل
قريباً لمتابعة وثائقي. بعد خروجي من السجن وعودتي إلى الأردن بدأت
خطواتي للاستمرار في الحياة، وها أنا أدور من فلك إلى آخر، تزوجت بعد
إلحاح الوالدة التي تعرضت للكثير من المعاناة خلال سنوات سجني
الطويلة، فهي إمرأة عجوز ومتعبة كانت تقطع الطريق الطويل وتبحث كل
يوم عن طريقة تساعدني فيها، وتنقذني من الهلاك الذي كنت فيه، وكانت
تعتبر عودتي إليها كأنها هدية من السماء، وبالتالي فإن الزواج يرضيها
ويمنحها السعادة والاطمئنان، ورزقت بطفلة. هي الآن صغيرة، هذه هي
الحياة، ولا يمكنني أن أنسى عذاب أمي طوال هذه السنوات وما تعرضت له
من اذلال على أيدي الحراس.
وأذكر الأردنيين
الأربعة الذين أُعدموا بحجة تهريب قطع غيار السيارات فقد نجا من
المجموعة فتى صغير اسمه (عماد الدين)، وأول ما لفت نظري أن شعر الفتى
أشيب، هذا الفتى استضافه السجين محمد زياد الزبن، وحكى لنا أن التهمة
كانت أن الذين تم إعدامهم كانوا قد اشتروا سيارة ومعها قطع، غيار وأن
السلطات العراقية عند التفتيش اتهمتهم بالتهريب، لكن الفتى قال إن
الأمر هو غير ذلك، فإن في عجلات السيارة (ديسكات) كمبيوتر للتصنيع
العسكري، وأنهم استعجلوا بإعدامهم، ونفى أن يكون الأردنيون الذين
أعدموا على علم بهذه المواد في سيارتهم.
بدأت مسألة
الاعدامات تصل إلى مسامعي مبكراً فقد تم اعدام طالب اسمه (مفلح محمد
الصانع) في السنة الرابعة كلية الإدارة، وكنا نعرف بهذه الحالات من
خلال التعميمات الحزبية، وأُعدم طالب آخر من يعبد - جنين واسمه (عصام
أحمد العبادي)، واختفى طالب اسمه (حسن قاسم) من إربد ولم نعرف مصيره،
والأكراد كانوا يواجهوت الإعتقال والضرب والطرد وشتى أنواع الاضطهاد.
كانت هناك مواجهات عديدة بينهم وبين سلطات الأمن العراقية، فقد كان
الأكراد يقومون بعمليات مهاجمة للمقرات الحزبية والمراكز الأمنية،
ويغتالون رجالات الحزب والمخابرات، ويختطفون الطلاب البعثيين ويقومون
بتصفيتهم، بعض حوادث الخطف كانت تنال الطلاب العرب ولكنها لا تصل
درجة القتل.
أمور كثيرة عايشتها
وذكريات لا تزال مختزنة، منها المفرح ومنها المؤلم، وفي كل الأحوال
لم يكن يخطر ببالي يوماً أن أصل إلى درجة حكم الإعدام، ومن ثم العيش
في السجن لسنوات طويلة تحت وطأة الحكم المؤبد، هذا المصير الأسود
الذي لحق بي دون أن أعرف كيف، ولماذا بدأت خطواته سريعة ومتلاحقة، هل
يمكنني التساؤل اليوم بأنه حظ عاثر ؟
الصليب الاحمر كان
يزورنا بين الحين والآخر، وبشكل غير منتظم، ويحمل إلينا بعض
المساعدات، ونسّرب من خلاله بعض الأخبار أيضاً، ولكن هذا الأمر كان
ينقلب علينا في أحيان كثيرة، فقد وجدت أنّ أحدهم سّرب رسالة مني إلى
المخابرات، فصدف أن كان أحد منتسبي المخابرات يمتلك “ضميراً”، إذ حفظ
القضية عنده وحذرني من مغبة مثل هذا الأمر، الذي يفتح عليّ أبواب
جهنم وتهماً أمنية خطيرة. كانت الرسالة آنذاك بخصوص الأسرى
الكويتيين، وأذكر أنني فوجئت بمنظر بعض الأسرى الكويتيين، حين كنت
أوزع الطعام على مجموعة من السجناء قيل لي بأنهم من حزب الدعوة
الإسلامي المحظور في العراق آنذاك، منظر هؤلاء كان رهيباً أشبه بوحوش
تائهة أو أناس من القرون الوسطى، أشكال بدائية اعتراها الهلاك
والارهاق، ولما اقتربت من أحدهم وسألته قال لي بأنهم كويتيون، ومرة
أخرى سمعت منه عن رحلات التنقل والتشتيت التي كانوا يسيرونهم فيها
لاخفائهم عن أعين لجان التفتيش، فمرة في العمارة ومرة في كركوك وأخرى
هنا، كان ذلك في آذار من عام 1995 . وأذكر كيف أن بعض الإيرانيين
كانوا يموتون من الجوع على الرغم من أن الصليب الأحمر كان يبعث لهم
الطعام، أنا وسجين آخر سجين وجَّهنا إثنين من الإيرانيين وجهة القبلة
عندما ماتا، ومرة مات أحد السجناء السودانيين بعد أن تورم جسده جراء
غياب العلاج. مسألة الموت في السجن طبيعية، لقد كنت دائم الخوف من
المرض بعد أن انتشرت الأوبئة وخاصة التدرن، فلا إشراف طبي ولا أدوية
ولا غذاء. لا شيء سوى الموت مصيراً محتوماً، ومع ذلك، وعلى الرغم من
كل القسوة والوحشية، ودوماً كان عندي بصيص من الأمل في أن ينكسر
الطوق من حولي وأعود للحياة مرة أخرى، اقول هذا وقد بدأت المشوار
يائساً: نعم، فأنا في البداية فكرت في الانتحار ونفذت محاولتين لم
تنجح واحدة منهما، فهل كان ذلك (حسن حظ أم أنه العكس) ؟
لا إجابة لدي سوى
أنه كان مقدّراً لي التحرر من سجون الطغيان، لأروي تجربتي وقد يكون
في الأمر ما هو (مقدّر) من الله كي أنوب في الحديث عن ألوف البشر
الذين غيّبتهم الإعدامات والقتل والتعذيب، وما نطقوا.. وما كان لهم
صوت في هذه الدنيا فقد تحولوا إلى أرقام وأسماء وذكريات أو هم جملة
مآسي على صفحات كتاب.
الشهادة الثالثـة
عدنان محمد عبد
القادر جبارين
مواليد عام 1957
إلى روح الصديق ابن
الخليل.. الشهيد محمود يونس عطيه.. لم تستطع أجهزة قمع صدام النيل
منك.. ورحل النظام وتصر عصابات الديكتاتور على اغتيال حلمك وحلم كل
الذين تنفسوا حرية الحياة بعد رحيل النظام البائد.. لتصعد روحك..
شهيداً في جنان الخلد.
إلى أرواح
الشهداء... الرجال:
- محمد ثنيان
الغانم - الكويت
- ناصر عويهان
العنزي - الكويت
- كامل مصطفى
الزبيدي - العراق
- هيكل الجبوري -
العراق
- محمد مظلوم
الدليمي - العراق
- رائد الزوايدة -
الأردن
- الدكتور مروان
النقشبندي - سوريا
- سرمد هوشيار -
كردستان
- جليل مهدي
النعيمي - السويد
إلى أرواح كل
الشهداء الشرفاء الذين ضحوا بأرواحهم ودمائهم لتكون قناديل تضيء دروب
الظلام الصدامية.. حتى تُحرر العراق.. وتُحرر كل المظلومين.
لقد كان فيكم
أصدقاء تعاهدنا أمام الله، بأن من تكتب له النجاة، عليه أن يبلّغ
الرسالة اللهم فاشهد، أنني بلغت الرسالة، وحملت الأمانة، ليطلع عليها
كل البشر عن معاملة عدو البشر صدام وزبانيته لخيرة الرجال الذين لا
يعرفهم إلا من عاش معهم في دهاليز أقبية النظام.. وسامح الله من كان
ولا يزال ينتظر صورة صدام على القمر ليحرر القدس.
عدنان جبارين
وصلت العراق عام
1978، وأكملت دراستي عام 1981 في كلية الهندسة، جامعة بغداد، وعملت
مباشرة بعد التخرج مع شركات كويتية: (شركة المنصور والعبدلي، الشركة
الوطنية العالمية وغيرها)، حتى عام 1990، حين حدث لي ما لا أتوقعه في
أعقاب غزو الكويت بيوم واحد، ففي صباح 3/8/1990 اعترضت سبيلي سيارة
مخابرات، تحمل أربعة أشخاص طلبوا مني مرافقتهم لخمس دقائق (كما هي
العادة لدى اعتقال أي شخص)، وقد تمتد هذه الدقائق الخمس لعشرين عاماً
أو تقود إلى الإعدام، ولأول مرة اكتشفت أن المبنى الذي أمر من أمامه
يومياً في شارع 52 هو عالم خفي لنظام صدام حسين القمعي، حيث يرى
الإنسان فيه ما لا يعقل وما لا يصدقه بشر، وهذا المبنى يسمّى حاكمية
بغداد.. أو كما هو متعارف عليه “الحاكمية” وهو المخصص للتحقيقات.
ما أن تصل السيارة
حتى تتلاقف الأيدي القذرة القادم الجديد، وتبدأ الاعتداءات، ويجري
تعصيب عينيه إلى أن يموت أو يشاء الله له بالخروج.. هذه المواجهة أو
هذا الاستقبال غير موجود في أي مكان في العالم أو لدى أي نظام..
فبمجرد دخول الشخص إلى المكان تنهال عليه الضربات ومن ثم يطلب منه
نزع ملابسه ووضعها في كيس ليلبس بيجامة، هي لوحة فنية من كثرة
الأسماء المكتوبة عليها، كم مسكيناً قبلي لبس هذه البيجامة القذرة ؟
وماذا حلّ به ؟ وأين هو الآن ؟ وينغلق ذهني عن التفكير أو التساؤل...
فهل هذا وقته ؟
أعطوني نعالاً
بلاستيكياً ممزقاً، وكل فردة منه بنمرة مختلفة ! وغالبية السجناء
يمضون إلى مصيرهم حفاة، وقد ساقوني إلى محكمة الثورة حافي القدمين ؟
جرى الاستقبال
الأول على هذا النحو، ليبدأ التعذيب النفسي ويقودني الحارس إلى
زنزانة صغيرة قذرة، لها شباك حديدي عبارة عن فتحة في الباب، لون
الزنزانة البني العفن يجلب الكآبة. بدأت السهرة ليلاً إذ قادوني إلى
الطابق الأول، حيث توجد غرف المحققين، أجلسوني على الأرض، أسمع من
حولي أصواتاً دون أن أميز شيئاً، وجاءني الصوت يقول: “أنت متآمر على
العراق، لا أحد يمكنه فعل شيء لك ولن تتمكن من الخروج من هنا، لماذا
أنت لا تبارك عودة الكويت إلى حضن العراق الأم ؟ وقد بارك ذلك كل
العرب والفلسطينيين الشرفاء !” وزاد بالقول: “دخلت العراق وأنت لا
تملك شيئاً، فهل طغت عليك مصالحك الشخصية وأعمالك مع الكويتيين إلى
درجة أصبحت لا تميز فيها بين الحق والباطل ؟ لقد تحولت إلى عنصر فاسد
يخرب كل ما حوله ومن حوله، والعراق قدم كل شيء من أجل فلسطين.. ويزيد
ويعيد.. ويوجعني بالكلمات والأسئلة، واخترق مسامعي سؤال: من أين لك
كل هذه الأموال ؟ ولماذا تنحصر أعمالك مع الكويتيين؟
ولما كنت لم أزل
قادراً على الرد والعناد، وبكامل قواي البدنية على الأقل، وتتملكني
قناعة بأنني قادر على الدفاع عن نفسي، رددت وقاومت، ولكنني كنت أتلقى
الضربات من كل جانب وتنهال علي الشتائم القذرة وعبارات التجريح التي
تقطر سماً وحقداً، وتناهي إلى سمعي الصوت الأول يقول: انزلوه إلى
العمليات.. دون أن أدري ماذا تعني (العمليات) ؟!
وضعوني أول مرة في
تابوت، وانغلق الباب عليّ فشعرت بأن حياتي انتهت، لكن وجود ثقوب في
التابوت تمنح الهواء فرصة التسلل إلي كانت كفيلة بإبقائي على قيد
الحياة، أو تأخير الموت على أقل تقدير، مع أنني في تلك اللحظة كنت
أتمناه سريعاً، وبدأت تطرق سمعي صرخات الآخرين تحت التعذيب، وآهات لا
أدري من أين ؟ وما الذي يجري لأصحابها.. معاناة جنونية تدور من حولك
فتحاول كسر التابوت، لكنهم فتحوه لأرى فتاة عارية معلقة على الجدار
وكابلات الكهرباء تحيط بجسدها، وبدأت الركلات تصيبني من كل جانب
ترافقها الضربات بالعصى والكرابيج والصوندات (أنابيب المياه)، وهذا
اختراع مخابراتي عراقي، لم أعد في حالة من التوازن.. وتدريجياً أفقد
طاقتي وقدرتي على التحمل.. يجري كل ذلك وهم يدفعون بي إلى غرفة
مجاورة كي تبدأ حفلة التعذيب بالكهرباء.. ولم أفق من غيبوبتي، إلا
وأنا في الزنزانة والطبيب يقف فوق رأسي وبالطبع، لا يوجد تقدير
للزمن.. فكم بقيت في التابوت أو كم من الوقت استغرق تعذيبي
بالكهرباء.. وكم وكم ؟ أفقت لأسمع نصيحة الطبيب لي بالإعتراف كي أخلص
من هذاالعذاب !
وفي صبيحة اليوم
التالي، قادني الحارس، وأنا معصوب العينيين، وأنزلني إلى غرفة
المحقق، ليركلني كي آخذ مكاني في وسط الغرفة، وسمعت ضحكات الاستهزاء
والسخرية من حولي، وقال أحدهم بكلمات نابية “أحضروا زوجته”، ووجدت
نفسي أصرخ: لقد أضعنا فلسطين وتشردنا في بقاع العالم، ولم يتبق لنا
إلا العرض والشرف، فاكتب ما تشاء، وأنا أوقع عليه.. والتهديد بأحد
أفراد العائلة، هو كارثة حقيقية، وعامل ضغط لا يمكن لأحد أن يتحمله،
وأما عن الزوجة أو البنت أو الأخت فهو المس بالشرف وهؤلاء لا يقيمون
للأعراض وزناً.
أوراق كثيرة وضعوها
أمامي.. كل شيء جاهز.. أعطوني القلم ورفعت العصابة عن عيني فأعادوها،
وبدأت التوقيع دون أن أدري على ماذا أنا أوقع ! أوراق لا يعلم ما بها
إلا الله وسمعت صوتاً جهورياً يقول: “أذهبوا به إلى قاضي التحقيق
لنفرغ منه، فقد بدأت جماعة الكويت بالوصول، وذهبت إلى قاضي التحقيق
ليسألني: يا بني هل اعترفت بمحض إرادتك أم أنهم أجبروك ؟ هل أجبرك
أحد على شيء ؟
- لا معاذ الله
(قلت في نفسي) وقلت له لا، لقد فعلت ذلك دون إكراه ! كنت أريد إنهاء
هذه المسرحية بأقصر وقت ممكن، ووقعت أوراقاً أخرى بذات الطريقة التي
جرت سابقاً ليقودني الحارس إلى زنزانة يقبع فيها أربعة من الإيرانيين
والأكراد، قالوا أنهم قد أُخلوا من الجناح المقابل ليسكنه مجموعة من
القادمين من الكويت.. وهذه الزنزانة مربعة الحجم متر ونصف وليس فيها
سوى ضوء صغير، وفي ساعة متأخرة من الليل سمعنا وقع أقدام تقترب من
الباب وهذا بحد ذاته يثير الرعب، فمتى كان هناك وقع أقدام في الممر،
فإن الأمر يعني أنهم سيأخذون أحدنا ! والكل يتسمّر متى توقف الصوت
أمام باب زنزانته.. تمنيت الموت في تلك اللحظة.. فلماذا لم يخطفني
الموت قبل أن أصل إلى هنا ؟!
فتحت “الطاقة” لأرى
وأسمع حواراً بين أحد الحراس، وفتاة اسمها (ندى)، قال لها: ماذا
تريدين ياندى ؟ أجابت: أريد بنطالاً فالباب يُفتح عليّ في كل لحظة،
كما أريد فوطاً نسائية، وهنا انهالت على مسامعنا كلمات وتعليقات
تقشعر لها الأبدان !
نعرف الصباح من
المساء من عربة الطعام، فالفطور عبارة عن الشاي وصمونتين، والغذاء
شوربة العدس، وفي العشاء يقدمون لنا شوربة الملفوف، ولعلّ من حسنات
هذه العربة أنها تعلمنا بالتوقيت، وهذا أكثر أهمية من طعامهم الذي لا
يسمن ولا يغني من جوع !
مضت على هذه الحال
أيام وأيام، فإذا أنا في صباح الثاني والعشرين من آب، وأسير برفقة
الحارس معصوب العينيين طبعاً ومكبّل اليدين وفي طريقي إلى محكمة
الثورة.. أوقفوني أمام “عواد البندر” رئيس محكمة الثورة، والذي عين
فيما بعد محافظاً للرمادي، قال عواد البندر: لقد عينت لك المحكمة
محامياً وأجرته ثمانية دنانير (هذه هي التسعيرة المتعارف عليها)،
وشرع المحامي بالقول: إن هذاالمجرم الماثل أمامكم، يستحق حكم الإعدام
لكن العراق لا يعدم الفلسطينيين، ولذلك أطالب بتنزيل حكم الإعدام إلى
المؤبد !.
هذا إيحاء بمنح
الفلسطيني تشريفاً خاصاً.. ولكن كيف يتوافق هذا مع ما يقوله المحقق
لكل فلسطيني يمر عليه “إن إعدام الفلسطيني لا يكلف الدولة سوى عشرة
دنانير، هي قيمة الطوابع”.
المهم.. أن عواد
البندر نطق على الفور بالحكم: “حكمت محكمة الثورة بالسجن المؤبد على
المجرم لمساسه بأمن العراق والتآمر على أرضه”، ومباشرة صعد أحد
الحراس ليسجل كل ما لديه من أقوال وممتلكات ذلك أن أموالي المنقولة
وغير المنقولة قد تمت مصادرتها !
الحارس يسجل
والتعليقات المهينة تنهال عليّ من كل جانب وأقلها “فلسطيني خائن”
و”جئت إلى العراق حافياً واليوم تملك ثروة، كل شيء سيعود إلى مكانه
!”.
وأذكر أن من ضمن
الأوراق التي وقعتها شيكات لسحب أموالي في البنوك، أخذوني مرة أخرى
لأجد نفسي أمام المحقق “محمد المعيني” المسمّى جزار الفلسطينيين
والكويتيين، والذي قال لي: “مبروك أبو غريب، مبروك لقد انتهى كل شيء،
وعليك أن تخلع ساعتك وخاتم الزواج فهذه من أموال العراق وأنت
لاتستحقها ! ولما أجبت بأنها من تعبي وعملي، قال لقد أخذتها من عملك
مع الكويتيين والكويت أرض عراقية، وكل ما عليها وما فيها هو للعراق
!!
أصبحت للمرة الأولى
في مواجهة أصوات أرى أصحابها، وكنت من قبل اتخاطب مع أشباح وأذكر من
أسماء المحققين “رعد ومحمد النداوي وجزار الحاكمية محمد يحيى هزاع
التكريتي الذي كان سبباً في إعدام الكثير من الفلسطينيين، وصاحب
القول المشهور “إعدام الفلسطيني لا يكلف الدولة العراقية سوى عشرة
دنانير”، تسلمتني إدارة سجن أبو غريب في اليوم التالي وأودعوني في
قسم العرب والأجانب - القسم رقم (1) الخاص بالقضايا الأمنية
والسياسية، وفيه وقعت عيناي على أشباح بشر، هياكل آدمية تتشح باليأس
والبؤس، وكأنها مخلوقات من العصر الحجري، مضى على وجودها في المكان
سنوات طوال.. هنا أناس غريبون وغرباء عني، فليس المكان وحده هو
الغريب.. وبدت الأجواء لي متوترة ومقلقة وقابلة للانفجار في أية
لحظة..
وكان كل ما مررت به
في الفترة الماضية قد أرهقني وسحق روحي ومحا إنسانيتي، ودار في ذهني
أيضاً أن يكون المكان مزروعاً بالجواسيس لتبقى دائرة الاتهام مغلقة
من حولنا قد يكون ذلك ممكناً.. فقد سمعت عن سجناء أعدموا من بعد
محاكماتهم ووصولهم إلى أبو غريب، حيث رتبت لهم تهم جديدة ظلماً
وعدواناً - مسبقاً أعرف أنني في دائرة جهنمية محكمة الاغلاق.. كيف
أتصرف وماذا أفعل ؟ وكيف ستمضى أيامي ؟ ترى ما هي الطريقة التي يجب
عليّ اتباعها لكي أتعامل مع الموجودين هنا سجناء وسجانين - كل هذه
الأسئلة المقلقة تدور وتدور ولكن دون جواب، وفي هذه الأثناء عرفني
أحد السجناء الفلسطينيين والذي كان قد “سكن” أبو غريب عام 1983، وكان
يعيش بكلية واحدة ومعاناته مع المرض رهيبة، واسمه أبو عزيز القدومي
توفي في شباط من هذا العام.. وكان من المفترض أن يروي حكايته في سجون
النظام العراقي السابق، في هذا الكتاب، ولكن شهادته -رحمه الله- غابت
معه، وقصة هذا الرجل غريبة، فقد كان يعمل مهندساً في شركة كويتية لها
تعاملات مع شركة برازيلية لها أعمالها في العراق - فاتهموه بأنه عميل
للبرازيل ! وحقيقة الأمر أن الرجل كان معارضاً لأسلوب النظام في
العراق، هي مكيدة أوقعوه بها لتجريده من أمواله.. أما التهم فهي
غريبة وعجيبة ولكنها دائماً جاهزة ومفصلة حسب قياس الشخص.. تهم لا
يصدقها العقل والإعدام والمؤبد أحكام ليست بحاجة إلى مبررات، فقد يقع
شخص في خانة “المغضوب عليهم” لمجرد انتقاد مسألة أو قرار لدى
النظام.
أخذوني بعد ذلك
ليحلقوا لي شعر رأسي وذقني التي بقيت على حالها طوال هذه الفترة،
وألبسوني ملابس جديدة، غير البيجامة “اللوحة التاريخية” وشربت أول
فنجاني شاي وقهوة منذ أكثر من عشرين يوماً.. تمددت على الأرض وبدأت
استفيق من حالة الذهول التي اعترتني، وقلت لا بد لي أن أنفض عن نفسي
وقع الصدمة، وكان أول ما خطر ببالي هو مصير عائلتي، ما الذي حل بهم ؟
أين هم الآن ؟ وهل استطاعت زوجتي وأمي تحمل ما جرى لي ؟ وعلى الفور
خطر ببالي سجين جزائري كان معي في الحاكمية، وقد قطعت عهداً على نفسي
أن أذكر هذه الحادثة ما حييت، اجتمعت بهذا الشخص أمام قاضي التحقيق،
وكان الرجل يتمتم بآي من الذكر الحكيم، فسأله المحقق: ماذا تقول له ؟
قال: أنا لأا أحدث
أحداً
فأعاد السؤالي علي:
ماذا يقول لك ؟
قلت: إنني لا أعرفه
ولا أرى أصلاً من هو بجانبي، وحين قال الجزائري بأنه يقرأ بعض سور
القرآن وآية الكرسي، قال المحقق: هذه الآيات لربك، وربك لا يجرؤ على
دخول هذا المكان فهنا لا يوجد ربنا ولا آية الكرسي !
وبدأت استعرض مسيرة
حياتي وشريط ذكرياتي، فخطر ببالي ما كنت عليه في سنوات الدراسة
الجامعية، وعملية الضغوط التي يمارسونها على الطالب لكي ينتمي إلى
حزب البعث، وكيف أنني كنت أقول لهم لا يمكنني الانخراط في تنظيم
سياسي وأهلي في الأرض المحتلة، وسلطات الاحتلال الإسرائيلي تتعامل مع
الطلاب الذين يدرسون في العراق بشكل قاسٍ، ولم أكن أشارك في
الفعاليات الخاصة بالحزب ولا بأنشطة الاتحاد الطلابي، وكنت أحاول
جاهداً الابتعاد عن الحلقات الفلسطينية المقربة منهم، ومعظم
التنظيمات السياسية الفلسطينية آنذاك كانت متواجدة على الساحة
العراقية، نعم كانت لي علاقات إجتماعية جيدة وواسعة النطاق، وهذه
كانت وراء نجاحي في عملي، وأذكر أنني بدأت العمل مبكراً وأثناء
دراستي من خلال مكتب استشارات هندسية يتبع الجامعة، ولكن عودة إلى
نقطة التنظيم الحزبي، وهي مهمة جداً في حساباتهم، إذ يزعجهم ويقلقهم
ألا ينتمي الطالب العربي بوجه عام، والفلسطيني بوجه خاص على اعتبار
أن نظام العراق هو الوصي على القضية الفلسطينية. فهل كانت نقطة
التقاطع معهم قد بدأت من الجامعة، أو هي بسبب رفضي لاحتلال العراق
للكويت، وقد اصطدمت في هذه القضية مع كثيرين، وعبرت عن ذلك مراراً
خاصة وأن الآفاً مؤلفة من شعبي الفلسطيني أصبحوا معلقين في الهواء،
فقدوا مورد رزقهم وإمكانية تعليم أبنائهم وتشتت أسرهم وو... الخ،
وأقلقني مصير هؤلاء، والأسوأ من ذلك أنني ولربما عرفت في السجن
أموراً أكثر مما كنت أعرفه وأنا في الخارج، ومنها أن أي فلسطيني
أختفى أو أعدم فإن ذلك تم في العراق، وأي عربي له مفقود فليبحث عنه
في العراق ! وعدت أفكر بأن يكون سبب ما جرى لي هو انتقادي لعملية غزو
الكويت، وكنت أقول ليقنعني أحد بجدوى هذه الفعلة ؟ هل دارت الكرة
الأرضية وصارت القدس مكان الكويت ؟ من هنا بدأت المكيدة للايقاع بي،
خاصة وأنني لم أكن من “المطيعين” في السابق،.. هواجس، أفكار، أسئلة،
مراجعات للحوادث والأمكنة والمناقشات وغيرها كل هذا وأنا في يومي
الأول.. فكيف ستمضي السنوات العشرون ؟
أساليب التعذيب
متنوعة وتجري حسب مزاج المحققين فمنها ما يكون تسلية، ومنها الانتقام
أو تصفية الحسابات الشخصية، فقد يحقد عليك أحدهم لما أنت عليه من حال
النعمة أو المستوى الاجتماعي.. أو أي شيء فلا مقياس ولا اعتبارات كما
أنه لا توجد حاجة للأسباب والمبررات في كل ما يفعلونه.. هم هنا
يستطيعون فعل أي شيء وتجاه أي شخص، فلا يردعهم رادع.
أما إذا نظرت حولك
ووجدت أناساً مضى على وجودهم سنوات طويلة وعانوا الكثير من الويلات
فإن اليأس ينتشر في عروقك إنتشار النار في الهشيم، وتفكر بنفسك..
وتعود إلى السؤال
الأول: كيف سأمضي سنواتي هنا ؟
كل ما يجري من حولك
غريب فترى وتسمع حالات وقصصاً رهيبة.. وكنت دوماً أتعرض للتعذيب بسبب
ردودي على المحققين، ولا شيء أخاف عليه بعد اليوم.. وخاصة بعدما علمت
بمغادرة أسرتي عن طريق مساعدة السفارة الأردنية، وقد جاءت والدتي في
أواخر شهر أيلول لزيارتي، وهي في حالة يرثى لها. وكنت قبل زيارة
والدتي لي، قد كلفت أهل أحد السجناء السوريين للذهاب إلى منزلي ولما
عادوا في الزيارة التالية ليقولوا أن البيت مقفل بالسلاسل وان سكان
المنزل قد رحلوا.. ارتاح بالي، أما توصيل الخبر لأهلي فقد كان عن
طريق أحد الأصدقاء الذي زارني مرة وحيدة، فقد كانت الزيارة وبالاً
عليه وتعرض للمساءلة. وتأتي والدتي المسكينة إليّ محملة بالهم
والقلق.. ابنها الوحيد يقبع في أقبية السجن وتحكم عليه قبضة أجهزة
القمع الأمنية، كما أنها هي الأخرى عانت في رحلة قدومها إليّ، إذ
ذهبت إلى معارف لنا فاعتذروا عن استقبالها، واضطرت للمبيت في فندق
حتى يطلع الصباح، ونصحتها بالعودة سريعاً خشية بطش هؤلاء الجلاوزة..
روت لي الوالدة رحيلهم السريع من بغداد وسرقة المنزل في أعقاب ذلك..
واستمرت والدتي في زيارتي مرة كل شهر ثم كل شهرين، ولما ازداد
الارهاق المادي على العائلة، باتت توافيني مرتين في العام وفي أحيان
أخرى مرة واحدة، وتطورت خبرتها في ذلك فباتت ترسل لي المعونات مع
أهالي السجناء الآخرين القادمين لزيارة أبنائهم، كانت الرحلة، أو
الزيارة بالنسبة لها مشقة وهي أساساً تعاني من متاعب صحية، كما أنها
كانت تعود في كل مرة مريضة، والأسوأ أن أحداً في العائلة -غيرها- لم
يكن يجرؤ على القدوم إليَ مخافة أن يتعرض لمشكلات، وجهاز المخابرات
لا يتورع عن فعل شيء على هذا الصعيد.
كنت عرضة للعقوبات
مثل الحبس الانفرادي والحرمان من الزيارة، وغيرها من العقوبات بسبب
مواجهتي لبذاءة المحققين، وقد ازددت شراسة من بعد زيارة الصليب
الأحمر عام 1992 . كانت المرة الأولى التي يزورنا فيها ويسجل
اسماءنا، وهذا شيء مطمئن، لقد حزت على رقمٍ دولي ومع العلم بأن هذا
ليس كافياً عند النظام أو مانعاً له عن تصفية أي سجين، ولكنه يعني
وجود جهة دولية تسأل عنا كلما زارت السجن، وكان الصليب الأحمر يهتم
بالسجناء ذوي التهم الأمنية والسياسية، كان الوضع المعيشي داخل السجن
أفضل مما هو عليه في الحاكمية، أو أي مقر آخر للمخابرات، والسجناء
فيما بينهم يتعاونون على الشقاء، ويتبادلون المواد التموينية فيما
بينهم، وخاصة المحظوظين الذين يزورهم أهلهم.. فهناك من ليس له أهل،
وأغلب هؤلاء من الفلسطينيين والإيرانيين الذين يضطرون للعمل داخل
السجن ليحصلوا على وجبة طعام أو يتمكنوا من شراء شيء، والعمل يتضمن
الحياكة والأشغال اليدوية أو القيام بأعمال النظافة، والبعض من
السجناء يمتلك موارد مالية من أعمال خارج السجن، فتعينهم هذه الموارد
على ما هم فيه، وإلى هنا والأمور المعيشية نوعاً ما هي أما معقولة أو
مقبولة، ولكنها بدأت في التدهور بعد حرب تحرير الكويت، وبدأ السجين
يدفع ثمن الأقفال والتصليحات داخل السجن ويجبر على دفع الرشاوي
للسجانين وإلا فإنه عرضة للإذلال والضرب، وتعدى الأمر ذلك إلى دفع
أثمان الكهرباء والماء والصابون، وحتى السرير الذي ينام عليه السجين،
فهذا له ثمن وإلا فإنه مضطر للنوم على الأرض. السجانون يطلبون المال
والطعام والهدايا منا.. وكل من يأتي أهله لزيارته عليه أن يدفع ويعطي
مما لديه من مواد وأطعمة ! وكان من ضمن العقوبات، نقل السجين إلى وسط
السجناء غير الأخلاقيين المحكومين بتهم الزنا بالمحارم واللواط
والاجرام والمخدرات وغيره، وهذه عقوبة مزعجة جداً، علاوة على أن
السجين يشعر بالطمأنينة وسط جماعته، وفي المكان الأول الذي وصل إليه،
فألفة المكان والرفقة والقواسم المشتركة تمنح نوعاً من الأمان، ولذلك
فإن عقوبة النقل هذه على أقل تقدير تزعزع الأمان الشخصي، ونتيجة
تدهور الأوضاع المعيشية ونقص الرعاية الصحية انتشرت الأمراض بين
السجناء، وخاصة التدرن الرئوي وفقر الدم والأمراض النفسية، وأمام
الأمراض ونقص الغذاء والدواء وتفاقم اليأس من تحسن الأوضاع، انتشرت
الصراعات والانحرافات وهذا ما يريده السجانون ويشجعون عليه، فهم
يغذون هذه الصراعات ويبثون أعوانهم لإثارة الفتن والمشكلات غير
الأخلاقية.
وجدير بالذكر أن
إدارة السجون كانت تتبع وزارة العمل مع وجود مكتب ارتباط للمخابرات
في داخل السجن، هذا الضابط يرتبط به السجناء السياسيون في تسيير
أمورهم، وكان المتنفس الوحيد هو إدعاء المرض والذهاب إلى المستشفى،
وهذا ما كنا نعده “سياحة” يتيح لنا رؤية الدنيا والاختلاط بالباعة
والناس في الطريق ومعرفة الأخبار، رحلة المستشفى تستغرق نصف ساعة
مشياً على الأقدام، وأبو غريب عبارة عن مدينة صغيرة مغلقة، لكن
المؤسف في الموضوع أن بعض الحراس يرفضون مرافقة السجين السياسي خوفاً
من هربه، وهذا يكلفهم ثمناً غالياً.. والثمن هو حياتهم، ولذلك كان
علينا أن نسترضي هؤلاء الحراس على الدوام كي يرافقونا ويطيلوا الرحلة
في الطريق، وكذلك الحال مع العاملين في المستشفى كي يمددوا الوقت
باجراء فحوصات وتحليلات أو صور للأشعة، وبهذه الطريقة زرنا قسم
الإعدامات والأقسام المغلقة التي يسمونها “الأحكام الثقيلة”، وشاهدنا
بشراً مضى على وجودهم سنوات دون أن يروا الشمس، هناك طوابق تحت الأرض
تعج برجال الدين من الشيعة وآخرين من كبار الحزبيين، إضافة إلى
الكويتيين، وهؤلاء قصتهم قصة فقد كانوا ينقلونهم من مكان إلى آخر، من
ربيعة في شمال العراق إلى العمارة في جنوبه، ومن الشرق إلى الغرب.
وفي أثناء
الاستعداد العراقي لحرب الخليج الثانية، أي مواجهة أميركا والتحالف
الدولي، سرت الشائعات بالافراج عنا ولكن ما جرى هو الآتي: تأتي لجنة
من المخابرات تطلب منا التطوع في الجيش العراقي من أجل التصدي لجيوش
التحالف، التي أنذرت العراق بالانسحاب من الكويت، وهددت بشن الحرب
عليه إن لم يفعل، نحن السجناء الذين سحقوا تحت كرابيج المخابرات
وزهقت كرامتهم يُطلب منا التطوع للدفاع عن العراق ! هل هي مسرحية أم
مهزلة أم ماذا ؟ وأذكر أنني قلت للسجين الكويتي “عبد الواحد حنظل
الشمري”، أنا وأنت لو قلنا لهم سنهزم لكم أميركا فلن يصدقونا، فأرح
نفسك”، وفجأة صدر قرار رئيس الجمهورية بالعفو عن المحكومين باستثناء
القضاياالأمنية والسياسية، أي أنه قام باطلاق سراح المجرمين
الفعليين، وهنا استلمت المخابرات ادارة السجن، وفي أثناء الحرب حصلت
تحركات كثيرة داخل السجن، فوصلت معدات وأجهزة وأشياء لا نعرف كنهها،
ولم تقصف الطائرات الاميركية السجن (وكنا نتمنى لو أنها فعلت ذلك)
فلربما كانت تقديراتهم بأن القابعين فيه هم من ضحايا النظام، ولكن
المضحك المبكي أن جلاوزة النظام احتموا بنا، وكان أبو غريب المكان
الأكثر أمناً في كل العراق، وصار ضباط المخابرات يظهرون لنا التودد
على غير العادة، ولا أحد يعلم إلا الله بما وضعوا داخل السجن، لكن
المعادلة انعكست بمجرد انتهاء الحرب، وبتنا دون ماء ولا طعام، ليس
لدينا سوى الحشائش، وحفرنا حفراً في الأرض لتجميع مياه الشرب، وغابت
عنا الشمس لأيام طويلة، إذ لم تفتح لنا البوابات فما رأينا الشمس ولا
عرفنا بما يجري حولنا، ولكن الأمل في الخلاص كان يحدونا، وتمنينا
هزيمة النظام وسقوطه، لكن الأولى تحققت وفشلت الثانية، فعادت إلينا
القبضة الحديدية الشرسة، وازدادت حدة التعذيب ووحشية المعاملة،
واستشرس الضباط في إخضاعنا للعقوبات، منها الحبس الانفرادي والرمي في
بركة الماء القذر وسط ساحة السجن في جو بارد، وغيرها الكثير، لكن فرض
العقوبات الدولية على النظام كان عامل تغيير مهم بالنسبة لنا فسمح
للصليب الأحمر بزيارتنا، وكانوا في البداية قد زاروا الإيرانيين فقد
أنكر السجانون وجودنا، لكننا سربنا الخبر للصليب الأحمر عن طريق
زملائنا الايرانيين، وحينها أصر الصليب الأحمر على زيارتنا وتسجيل
أسمائنا ونقل المواد والأغذية إلينا والمسألة الأخيرة تخضع لمزاج
المخابرات، وهنا يبدأ فصل آخر من فصول مأساتنا، إذ يسرقنا الضباط
علانية فيأخذون كل ما يحمله إلينا الصليب الأحمر.
وفي أواسط عام
1994، بدأنا نبعث الرسائل مع أهالي السجناء، وجهنا الرسائل للرئيس
الفلسطيني ياسر عرفات وللملك حسين وللمنظمات الدولية والصحافة، وكنا
نناشد الجميع العمل على إطلاق سراحنا، زارنا السفيران الأردني
والفلسطيني وبعض السفراء العرب، وبدأت تجري محاولات لمساعدتنا مما
زاد في شراسة معاملة المخابرات لنا وخاصة بعد زيارات لجان التفتيش،
ولسخرية القدر أو عبثية هذا النظام، أو جهنمية تفكيره، كانوا يطلبون
منا مواجهة لجان التفتيش والهتاف لصدام حسين ولعن بوش، وذلك لكي نوقف
لجان التفتيش عن مواصلة عملها والدخول إلى المكان، في الوقت الذي
كانت فيه هذه الأخيرة تصر على دخول السجن ومتابعة عملها، كان رجال
المخابرات يستغلون ضعاف النفوس باقناعهم بالتصدي لهذه اللجان مع
اغراء يقول بأن القيادة ستطلق سراح كل من يقف في طريق هذه اللجان
ويمنعها من متابعة عملها !
بدأت الحلقات تنفرج
من حولنا، كما بدأنا نرقب أموراً غريبة وهي قدوم أجانب مخطوفين
بالقرب من الحدود العراقية، فقد كان رجال المخابرات يتنكرون على أنهم
رعاة أغنام، ويخطفون الأجانب من مناطق حدودية، وأذكر منهم بريطانيون
وأميركيون أصدروا بحقهم أحكاماً جائرة تصل إلى اثنى عشر عاماً.
التقيت بضابط عراقي روى لي كيف أنه كان مكلفاً ضمن مجموعة بنقل
العائلات الكردية من مناطق الشمال وقتلهم ودفنهم في مقابر جماعية في
الجنوب، وقد حاول هو إنقاذ طفل صغير انتزعه من أمه كي يتبناه، خاصة
وأنه لم يرزق بطفل، لكن الضابط الذي يرافقه رمى بالطفل من شباك
السيارة، فما كان منه إلا أن نزل وأفرغ رصاصاته في الطفل، واضاف أنظر
ماذا كان مصير الطفل وماذا كان مصيري ؟
ولم يذكر القصة إلا
بعد أن الححت عليه بالصلاة مراراً، وفي كل مرة كان يرفض.. حتى حكى لي
ما حكى وقال: هل تريدني أن أصلي وهل يقبل الله لي صلاة ؟!
في السجن أيضاً
حكايات ومصائر وقصص خرافية، جاورنا الطيار محمد مظلوم الدليمي، وروى
لنا زملاؤنا العراقيون كيف أنهم اطلقوا الكلاب الشرسة لتنهش لحمه
وتمزقه تمزيقاً. نظام بطش وارهاب، وحفنة من الجهلة القتلة.. ولقد
ذكرت السجناء الأجانب، ولكني هنا أود أن أتذكر كيف أن معاملة
المخابرات وإدارة السجن مع الأجانب لم تكن تشبه معاملتهم لنا على
الإطلاق، فهؤلاء يزورهم طارق عزيز ويتفقد إحتياجاتهم، إضافة إلى أن
سفاراتهم تبعث لهم بوجبات خاصة، والسجين الأميركي (كينيث بيتي) ظلت
سيارة الاسعاف في باحة السجن لخدمته منذ اليوم الأول لاعتقاله وحتى
مغادرته، بينما لم يكن السجين العربي يحظى بالعلاج، فلم يكن مسموحاً
للمرحوم (القدومي) أن يتلقى علاجاً وهو المريض بالقلب، كما لم يسمحوا
لي بإكمال دراستي، لقد سحبونا إلى المخابرات لأننا تقدمنا بطلبات
للدراسة أو بعثنا برسائل للصحافة أو المنظمات الدولية نطالب بتأمين
محاكمات عادلة وإعادة ممتلكاتنا إلينا.
لم ألقَ في سجون
صدام حسين فلسطينياً تم اعتقاله لأنه جاسوس لإسرائيل، أو ليست
إسرائيل عدوه الأول ؟ وسجناؤه الفلسطينيون هم طلاب مساكين ضاعوا في
غياهب السجون، وكم منهم أُعدم دون ذنب، وتبين لي أن العدو الأول في
التسلسل الأمني للمخابرات العراقية هو أجهزة الأمن الفلسطينية، ومن
ثم الأردن وسوريا ثم إيران، وإسرائيل ليست واردة على الإطلاق فأمن
فتح مثلاً هو أخطر من الموساد، وأذكر من السجناء السوريين، وهم كثر،
راعي غنم أمي بسيط فرت منه أغنامه في (الحصيبة) على الحدود السورية
العراقية فقبضوا عليه بحجة أنه جاسوس لسوريا ويهرب أسلحة إلى داخل
العراق، وتحت الضغط وجراء التعذيب، اعترف المسكين بأنه دفن الأسلحة،
وكانوا في كل يوم يأخذونه ليكشف عن مكان الأسلحة، وعندما لا يجدون
شيئاً يعيدونه للضرب والتعذيب، ولهذا الرجل حكاية عفوية وبسيطة، فقد
طلبه المحقق ليلة كي يتسلى عليه، فأخذه الحارس في المصعد، لكن المحقق
غيّر رأيه وأشار عليه بالعودة بعبد اللطيف، الذي سألناه: ماذا فعلوا
بك، قال (قبنونا) أي أخذوني للميزان ! وعبد اللطيف هذا حكمته محكمة
الثورة بتهمة التجسس ! وآخرون تلبسهم التهمة وهم لم يسبق لهم دخول
العراق، أما كيف ؟ فعن طريق الخطف، يخطفهم أعوان النظام من على
الحدود أو من الأردن، ومن ثم يحكمون عليهم بالتجسس،ولقد قابلت في
السجن مختلف الجنسيات العربية، والاغرب أنه مر علي تونسي متهم
بالتجسس لصالح ارتيريا ! لم يسلم من شر المخابرات العراقية إلا
القليل.
كانوا يتبعون
أساليب جهنمية للايقاع بالبشر تقابلها أساليب الإغراء والتضليل ورسم
صورة للنظام مغايرة للحقيقة القائمة على الأرض، أو القابعة في
السجون، وكل شيء كان يجري بتصميم مخابراتي مسبق، فعلاقات النظام بدول
الجوار سيئة ولذلك يلجأون لخطف الناس وتعذيبهم ليكونوا بمثابة رسائل
موجهة لدولهم، هذا فيما يخص السجناء العرب من السوريين والسعوديين
والعرب الأحواز، أما البشر الذين يعيشون في الداخل، داخل العراق
فحياتهم على كف عفريت ومصائرهم مجهولة -لا أمان ولا اطمئنان-
وأذكر أنني قرأت
قولاً للإمام علي كرم الله وجهه يقول: “والله والله والله إن القاعد
فيها بذنبه والخارج منها فبرحمة الله”.
وفيما يخص حياة
البشر ومصائرهم أذكر هنا ما كان يسمى مجلس قيادة الثورة والذي أصدر
قراراً عسكرياً برقم 61 في 17/1/1998 ينص على إعتبار الجرائم الماسّة
بشخص الرئيس صدام حسين وأمن الدولة هي جرائم مخلة بالشرف وتصادر
الأموال المنقولة وغير المنقولة لمرتكبها، فتمزيق صورة صدام حسين هي
جريمة تقود مرتكبيها إلى الإعدام ومصادرة أموالهم !
الشهادة الرابعة
عبد الاله سليم
الحجاوي
مواليد عام 1951
بدأت خطواتي الأولى
في العراق عام 1971، بحثاً عن العمل كأي فلسطيني في هذا العالم ينشد
لقمة العيش، ويبحث عن الاستقرار، ولم يكن الأمر سهلاً لا في البداية
ولا في النهاية !
خضت غمار الحياة
بالعمل في مجالات متعددة، وكانت محطتي الأخيرة “عمل إداري في جريدة
الثورة” العراقية، وهي الناطقة باسم حزب البعث الحاكم.
كان ذلك عام 1974
في مكتبة البعث في منطقة الباب الشرقي، والمكتبة تتبع الصحيفة، أي
أنها تبيع المنشورات والكتيبات الحزبية، وبعد أن تم اغلاق المكتبة
لأسباب لا أعرفها، ربما مالية فكثير من المؤسسات أو المشروعات
الحزبية كانت تنتهي بالتوقف لأنها غير منتجة، كما أن ذلك يتبع سياسات
المسؤولين، ومع تغيرهم تتغير هذه السياسات والتوجهات. انتقلت لعمل
إداري في جريدة الثورة، في الحسابات ثم في قسم الاعلانات ثم المخازن،
ومن هنا بدأت مسيرتي العملية في الاستقرار لفترة طويلة، لكنها انقلبت
في عام 1990 مع غزو الكويت وما حدث من نهب مبرمج لممتلكات هذه
الدولة، فقد كان كل قطاع في الدولة العراقية يأتي بمسروقاته من
القطاع المماثل في الكويت، وجريدة الثورة مثلاً نهبت جريدة القبس
الكويتية بكامل معداتها ومواردها من ورق الطباعة والأحبار وكل شيء،
ولم يكن بمقدوري إلا أن أنفذ ما هو مطلوب مني في عملي، أي الإشراف
على إدخال هذه المسروقات إلى المخازن وتسجيلها، استمر هذا الوضع على
ما هو عليه حتى قامت الحرب في أواسط كانون الأول عام 1990، حرب تحرير
الكويت التي آلت إلى هزيمة النظام العراقي وطرد الجيش العراقي من
الكويت. عشنا أحداث الحرب من قصف ودمار للمؤسسات والمنشآت داخل بغداد
كما عاشها الشعب العراقي، ولكن ما جرى بعد ذلك، كان الأقسى بدأت
علامات الحصار تظهر في كل شيء يحيط بنا، وتمس الحياة اليومية وتضرب
عصب المعيشة، هذا إضافة للفوضى العارمة في مؤسسات الدولة وكيانها،
وفي تخبط المسؤولين في قراراتهم وإدارتهم للمؤسسات، كانت أحداث
الجنوب العراقي المأساوية تطغى على كل شيء، أحاديث الناس ومشاعرهم
والأخبار التي تأتي سوداوية، مثل دمار في كربلاء والنجف والبصرة،
وذلك في أعقاب إخماد ما أسماه النظام تمرد الجنوب مرة، وحركة الغوغاء
مرة أخرى، وذلك أنه في أعقاب هزيمة الجيش العراقي في الكويت، قامت
إنتفاضة المدن والمحافظات الجنوبية والتي أطلق عليها إنتفاضة آذار،
ولكن فيما يخص عملي بدأت أتلمس حصول سرقات في المخازن، المسروقات
تتعرض للسرقة مرة أخرى ! وما قلت بأنه “فوضى عارمة” في بغداد فهو
حقيقي لأن العبث بالممتلكات والنهب انتقل من الكويت إلى داخل العراق،
وكل الذين عاشوا هذه المرحلة الصعبة يعرفون بأن بيوت الناس الآمنة لم
تتعرض للسرقة في أيام الحرب، رغم أن عدداً كبيراً منهم تركها إلى
أماكن أخرى، توزعوا في المحافظات عند أقاربهم ومعارفهم طلباً للأمان،
ولكنهم سرعان ما عادوا بعد أن أدركوا أن الحرب والقصف يشمل العراق
كله، وما أقصده هو أن مرحلة أخرى بدأت في بغداد، مرحلة تفشي الجريمة
وانتشار السرقات والاعتداء على حياة الناس وممتلكاتهم، وبدأت مسيرة
سرقة السيارات مثلاً، وكأن الأمر “موضة” فاليوم السيارات وغداً
اطاراتها وهكذا !
حين أدركت حدوث
السرقة ونقصان المواد في مخازني، أعلمت مديري المسؤول، فكان جوابه
الذي يتكرر في كل مرة “مالك دخل” أي لا دخل لك، ولكنني لم أتوقف عند
هذا الرد فالمسؤولية ثقيلة، وأنا مدرك للتعقيدات التي تحدث في مثل
هذه الحالات، وعلى علم بما يجري في أجهزة الأمن لأصحاب القضايا
الاقتصادية، والقوانين قاسية في هذه القضايا، كتبت تقريري إلى رئيس
التحرير آنذاك صباح ياسين - الذي أصبح فيما بعد سفير العراق لدى
الأردن - والذي قال لي “أنت مبرّأ من المسؤولية ولقد أديت واجبك
بتبليغك عما يحدث” ووعدني بالوقوف إلى جانبي بعد أن حوّل القضية إلى
المسؤولين، بدأت حلقات المؤامرة تحيط بي وتضيق عليّ، شعرت بأنني وقعت
في فخ عصابة، وأذكر في هذه الأثناء أن موظفاً عراقياً هو الوحيد الذي
وقف إلى جانبي، وساندني حين كتب هو الآخر تقريراً عن السرقات
والتجاوزات التي تحدث في المخازن، تطورت القضية فيما بعد وعندما
أصبحت بين يدي القضاء، أوقفوني مع المجموعة التي كنا قد أشرنا إليها
بأصابع الاتهام، كان مكان التوقيف قرب ملعب الشعب، وفيه أدليت
بالمعلومات حسب المطلوب مني، أي أنني قدمت إفادتي، وكان الجميع من
حولي مؤيدين ومؤازرين لي، ويطمئنوني باستمرار على أساس أنني قمت
بواجبي وأبلغت بما أعرفه، وبالتالي فإن المسؤولية القانونية لن
تطالني، ولكن عصابة السلب والنهب يقف وراءها مسؤولون بعثيون وهؤلاء
ذوي نفوذ، طبعاً كان الأمر يخيفني، ومجرد التفكير به يرعبني، ومع ذلك
لم أتصور للحظة أنهم سيوقعون بي، ويقلبون الطاولة على رأسي ما زلت
أحمل قناعة في داخلي بأن القضاء سيبرئني، ولماذا يبرئني ؟ لماذا هذه
الكلمة بالذات، فأنا لم أسرق ولم أفعل شيئاً، أنا مجرد شاهد في
القضية ّ لكن مسموعاتي بقدرة هؤلاء المسؤولين على الوصول إلى أهدافهم
ونفوذهم كان يرعبني وأنا في هذا الموقف، تخونني الذاكرة حقيقة، وربما
بسبب ما جرى نسيت الأسماء، فقط أذكر مدير الطبعة، وهذا الرجل كان
وراء كل شيء إذ كانت الأمور تجري على النحو التالي: مدير المطبعة
وعدد من العاملين فيها يتسترون على مدير المخازن، ولذلك وجهوا التهمة
إلى طرف ثالث وأنا مع هذا الطرف وتحولت القضية إلى المحكمة، وكانت
أوراقي، أو ملفي على انفراد كوني شاهداً وليس متهماً إلا أن الأمر
سرعان ما تحول باتجاه آخر، وبقدرة الرشاوي المقدمة إلى الحاكم تمّ
دمج ملفي مع الطرف المتهم، وهنا تحول المسار بالنسبة إلي مائة
وثمانين درجة، فبدلاً من أن أكون شاهداً وبريئاً، صرت على العكس من
ذلك متهماً ماذا أفعل وأنا لا حول لي ولا قوة..
وهؤلاء يمتلكون
النفوذ وقد تمكنوا من إمتلاك الحاكم والعاملين في القضية ككل
بالوساطات والرشاوي، هل هو سوء حظي الذي أوقعني في شراك هؤلاء أم هو
الزمن الرديء الذي وصل فيه الفساد إلى ساحات القضاء، وأنا الآن في
غابة لا قانون ولا أخلاق ولا مبادئ، وانتهى الأمر بتلبيسي حكماً
بالسجن لسبع سنوات، وما قضيتي إلا غيض من فيض، فالذين قابلتهم في
السجن بعد ذلك رووا لي ما تعرضوا له، ورأيت أناساً حكموا ظلماً
وعدواناً، ذلك أن المرحلة الشرسة تغلغلت في العراق، فاستشرى الفساد
في كل مرافق الدولة، وبات الإنسان دون حماية والأجهزة الأمنية تتسلط
على أي مواطن ولأي سبب، فيسرقون المال من شخص مثلاً ويلبسونه تهمة
حمل أوراق نقدية مزورة، لقد قابلت سجيناً حكموا عليه خمسة عشر عاماً
بحجة سرقته لإسطوانة غاز ! وكثيرة هي التهم الباطلة والجاهزة لديهم،
والناس لا حول لهم ولا قوة تحت وطأة الجبروت والطغيان الجهنمي،
والأجهزة الأمنية تمتلك سلطات واسعة في اعتقال الناس وتهديدهم بالطرق
الجائرة وغير القانونية.
بدأت رحلتي في سجن
أبو غريب، وأقول إنها رحلة إلى مدينة مسوّرة يسودها الظلم والعدوان
ويحكمها قانون الغاب، وتضم العديد من البشر بحكايات مختلفة، أبو غريب
مكان جهنمي لا تدخله أو حتى لا تتسلسل إليه نسائم الإنسانية، وعائلتي
كيف أفكر بها وماذا أستطيع أن أفعل تجاهها ؟ وماذا تستطيع أن تفعل لي
؟ هم في الخ