الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

عقول معطـّلة .. لابدّ أن تنهض ! - عبد الجبار السعودي

 

  على مدى أكثر من ثلاث عقود مضت، وحين اشتد يومها ساعد النظام المقبور ليبدأ لعبته المجنونة في التلاعب بمقدرات ومصائر الناس والوطن، وحيث برزت واصطفت حينها قوى وفئات اجتماعية لتتناغم مصالحها المادية والفكرية مع مصالح النظام وأهدافه التي كان يسعى اليها ، كانت الساحة الثقافية العراقية وجمهرة المثقفين عبر تشكيلاتها الثقافية المختلفة تئن تحت عبء السياسات والضربات المنظمة والمقصودة التي كان يوجهها النظام وسلطاته القمعية شيئاً فشيئاً الى الشخوص المنضوية تحت لواء تلك التشكيلات من خلال تحجيم دورها الثقافي والاجتماعي وعبر عمليات التطويق المنظمة أيضاً وبمختلف الحجج والذرائع لكل الأعمال الثقافية الواعدة والخلاقة وذات المحتوى الإنساني المتقدم والتي كانت تبرز بين الحين والآخر ، مستفيداً على وجه الخصوص من تأزم الأوضاع السياسية في البلد وتدهور علاقاته مع القوى الديمقراطية والسياسية المختلفة التي تتعارض سياساتها مع سياسة النظام وتوجهاته وأهدافه. وازاء تلك الأوضاع الشائكة وما تلاها من حروب مجنونة وطاحنة قتلت وشرّدت وعطلت الملايين من العراقيين وما نتج عن ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية خطيرة، ما كان أمام فئات وشرائح الغالبية المسحوقة من أبناء الشعب العراقي إلاّ أن تنتقل بصراعها مع النظام وتحت ظروف القهر والقمع السياسي والاجتماعي وتحت الظروف المعيشية البالغة التعقيد التي نشأت على وجه التحديد بعد غزو دولة الكويت ، الى مستوياته الدنيا مجبورة ومضحية ومتناسية أحياناً كل الطاقات التي تملكها وهي كثيرة .. من أجل ديمومة حياتها المعيشية اليومية وتوفير لقمة العيش الممكنة ومستلزمات البقاء للحفاظ على ما تبقى للكيان الاجتماعي للاسرة العراقية قدر المستطاع والتي أنهكتها سياسات النظام اقتصادياً وخرّبتها اجتماعياً وثقافياً ، وخلتْ حين ذلك كله الساحة الثقافية العراقية على مختلف ألوانها ، لتجد نفسها مسرحاً لبهلوانيات الطبالين والمداحين وضاربي الأكف وكل المتلونين الذين لم يبخسوا بشيء ما في جعبتهم من إمكانات فكرية هزيلة إلاّ وكرّسوه لخدمة النظام وسلطته القمعية والفكرية . أما صغار العراق وكباره المكتوين بنار الفاشية وأفكارها ، فقد سُلب منهم حق التفكير والإبداع والتعامل والتعاطي مع منجزات العلم والتطور والثقافة الإنسانية ليصبحوا يوماً بعد يوم هياكلاً بشرية خاوية تتحرك وسط الظلمة الحالكة التي سادت العراق ، لا يروا من خلالها إلاّ مصباح النظام الذي كان ينور من بعيد باعثاً بضوئه الخافت للدرب الذي اختطه لنفسه وللذين ارتبطوا مصيرياً وحتمياً معه .

   لقد تبارت أجهزة إعلام النظام السابق من تليفزيون وإذاعة وصحف ومجلات على شيء واحد خطير هو سرقة الإنسان العراقي من نفسه ، بشدّ عينيه وأذنيه وأعصابه وأحشاءه الفارغة ليجلس متسمّراً كالمشدوه أمام تلك القنوات الإعلامية وقد تخدرت أعصابه المنهكة أصلاً، لا يجد سوى لغة وثقافة الفاشية بصورها المتعددة والمتطورة ، والمطبلين لها والمروجين لأفكارها بمختلف الطرق والأساليب، وهو في حالة خواء وفراغ وتوتر داخلي وحزن دفين يقطّع أوصاله شيئاً فشيئاً ولا ينقطع !

  لقد سُلب إبنُ العراق من نفسه ومن حقه في العيش والحياة وأخرج عنوة وألقي به في مغامرات مهلكة وعجيبة وتساؤلات لا يجد لها جواباً ، حتى بدا يشعر وكأنه مجوف تماماً من الداخل.. وأنه لا يعيش حتى ليومه.. وأنه لا يقول ما يريد قوله.. ولا يسمع ما يريد سماعه.. و رُبط في أرجوحة النظام وسلطته التي ظلّت تدور به دوراناً محموماً حتى أغمي عليه ، ونسى ما كان يفكر به وما كان يملأ منه العقل والفكر الإنسانيين ، وتحوّل الى إنسان غريب مربوط العقل والإحساس الى كل تلك الأجهزة الإعلامية التي مارست معه كل أدوات القتل الجماعي الفكري والذهني .

   لقد تعطل العقل والفكر العراقي طوال تلك العقود المظلمة التي عاشها العراق وأصبحت المهمة الحالية في إحياء النفوس والطاقات وبعثها على النهوض مهمة ليست بالسهلة وسط التطورات التي يشهدها الوطن بعد سقوط النظام الفاشي و وسط الهجمة الإرهابية المنظمة التي تعصف بالوطن وأبناءه .. وتكاد عملية التعامل مع جيلين من ضحايا حروب النظام وضحايا الإرهاب أكثر تعقيداً في الظروف الراهنة ، مما يستدعي على مؤسسات الدولة الثقافية الفتية الشروع بإيجاد برامج وخطط استثنائية طموحة و واقعية للتعامل مع مختلف أعمار العراقيين ومستوياتهم الفكرية والاجتماعية والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى التي قاست وعانت من ظلم وجور الأنظمة الفاشية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية في التخلص من الآثار الاجتماعية والثقافية الخطيرة التي خلّفتها بعد زوالها . وتبدو مسؤولية الكتاب والأدباء والفنانين والمختصين في مختلف العلوم الاجتماعية والفكرية داخل وخارج العراق والمنضوين تحت لواء الجمعيات والمنتديات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني وعلى مختلف مسمياتها ، تبدو أكثر إلحاحاً في هذه الظروف التي يعيشها الوطن المنكوب ، وعليهم تقع مسؤولية التمرد على ما كان سائداً في زمن الفاشية وفكرها التسلطي ، والشروع بمحاولات شريفة وجريئة لإحيـاء وقت الناس واستثماره عبر تثقيفهم وتعليمهم وتنويرهم من خلال كتابات ودراسات تصل الى مستويات مختلفة من تفكيرهم ، وكذلك من خلال ندوات ونشاطات فنية وثقافية مختلفة .. وإشراكهم في مأساة مصيرهم الذي يعيشوه ومصير وطنهم ، وإعادة كل واحد منهم الى نفسه لكي يفكر ويستنتج ، لكي يزداد ثراءً و وعياً يعزز من شخصيته و قيمته الإنسانية التي هدرت في سنوات الظلم والقمع والتعسف ، ويقع على عاتق الحكومة المؤقتة دعم تلك الخطط والتوجهات تزامناً مع محاولاتها الصادقة والجريئة في القضاء على بقايا النظام والمجموعات الإرهابية المختلفة . كما إن التوعية بثقافة حقوق الإنسان البشرية وحقه في التعبير عن آراءه وأفكاره وفي ممارسة معتقداته السياسية والفكرية والدينية بملء إرادته ودون أي خوف أو تهديد أو حرمان ، يعتبر من الأولويات التي يجب أن تنهض بها كل مؤسسات الدولة العراقية وبالذات الأجهزة الثقافية والإعلامية والمنتظر أن تتشكل على كل الأصعدة ، وأن تتحول كل تلك الأجهزة وعلى مختلف صورها من الأفيون المخدّر الذي طـُبعت فيه في زمن النظام المقبور الى منبهٍ عالٍ ، صادق و واضح النبرة يفتح عيون وأحاسيس الناس على حقيقة ما دار ويدور على أرض الوطن ، ويدعو كل العراقيين الى وليمة الرأي والفكر ، وكل عقل معطّـل الى مائدة الفكر الإنساني التي حُرم منها لسنوات طوال و دون أية حسابات ومصالح آنية ضيقة أو أي إقصاء لكل الطاقات التي يزخر بها العراق ، لكي تكون الرحلة الى العراق الحر والآمن والمزدهر أكثر حماساً عند كل محطة تقف عندها ، لا أن تكون تلك الرحلة كخيمة للغاز المسيّل للدموع مضروبة على الناس أو قنابل دخان ملون تُطلق للتعمية كما كان يحدث في زمن الفاشية المقبورة !

 إن ثقافة وحضارة الإنسـان العراقي وتاريخه المجيد ومستقبله مرهونة بكلمة صدق مؤثرة .. و صحيفة صدق واعية .. ينهل منها الإنسان معرفته وعلمه ، و شعار نزيه وفاعل .. يتلمس المرء ثماره دون خداع أو وعود فارغة ، بعيداً عن التنافس تحت أية واجهة قومية أو طائفية أو مذهبية مقيتة !

    وكما عودتنا تجارب الوطن المريرة .. من أننا بإنصاف المقهورين وضحايا النظام السابق وإزالة آثار ما خلفه من تركات ثقيلة .. وبالعدل الإنساني والحقوقي والمساواة بين جميع فئات وأقليات وشرائح المجتمع في الدستور الدائم المنتظر كتابته وإقراره ، وكذلك مواكبة كل تطورات ما يدور في عصر البشرية الحاضر ، نستطيع أن نضع الخطوات الأولى لحياة كريمة و مشرّفة تليق بأبناء الوطن وتطلعاتهم المتعددة والمشروعة ، وليس بالخبز وحده أبداً كما كان يصوّر دوماً لجموع الشعب العراقي المنكوبة أيام وسنوات الفاشية المقبورة ومن كان يطبّل لها وحتى يومنا هذا !  

 

 

بصرة – أهـــــوار في 20 آيــــــار 2005