كان المشهد مرعباً
ـ بلا مبالغة ـ الثلثاء الماضي داخل اجتماع
مجلس الحكم الانتقالي في العراق، عندما تطلب
الأمر نقاشاً أكثر تركيزاً وحسماً لموضوع "رئاسة"
المجلس. عندئذ تفرق الجمع لمشاورات جانبية
"مرجعية"، فاجتمع الشيعة مع الشيعة،
والسنة مع السنة، والأكراد مع الأكراد. أما
الذين ليسوا من هذه الفئات، وبعض الذين هم من
تلك الفئات ولا يعتبرون وجودهم هناك باسم
مذاهبهم وأعراقهم، أما هؤلاء فجلسوا
ينتظرون، حتى أن نفراً صغيراً منهم ارتأى أن
يغادر المكان ريثما تنتهي تلك المشاورات.
من الطبيعي أن يثير
هذا المشهد شيئاً من الصدمة والاستهجان، ليس
فقط بسبب واقعيته المريرة بل أيضاً
بكاريكاتوريته السوداء بمقدار ما ينذر
بصعوبة التئام القطع والعناصر التي يفترض أن
تصنع صورة العراق الجديد. الواقعية تصدم،
لأنها تقدم إصراراً على التشرذم الطائفي
والمذهبي والعرقي. والكاريكاتورية تصدم،
لأنها تفيد بأن أعضاء مجلس الحكم لا يتشاورون
خارج الاجتماعات، ما يعني ان الشراذم الممثلة
فيه لا تزال غير معنية بتوحيد كلمتها حتى داخل
كل فئة، ولعلها بالأحرى غير قادرة على ذلك.
ودلالة المشهد تصدم أيضاً، لأنها تشير الى أن
موضوع الرئاسة مهم الى حد تفريق النقاش، فكيف
لو كان الموضوع هو الاحتلال الأميركي للبلد؟
لا شك أن أعضاء
المجلس باتوا يعرفون اليوم أكثر من أمس ان هذا
الوجود الأجنبي "المشكور" لأنه خلع
الديكتاتور، بات معاشاً من عموم العراقيين
على أنه احتلال بكل ما تعنيه الكلمة في حياتهم
اليومية، فهو مهين ومستفز ومنفّر كأي احتلال.
طبعاً، ساهمت الهجمات في جعل الأميركيين أكثر
عصبية، ولكن أكثر تشكيكاً بكل ما يمشي في
الشارع. وطبعاً، ساهمت ممارساتهم
واستعراضاتهم وخصوصاً اعتقالاتهم على
الطريقة الاسرائيلية في نسج عداوات جديدة
واسعة كانوا في غنى عنها، هم الذين لم يفهموا
حتى الآن لماذا لا تقابلهم البيئة العراقية
بالود والترحاب اللذين تصورهما قادتهم. وإذا
كانوا ناقمين الآن على هذه المقاومة التي
تقتل أو تصيب أفراداً منهم يومياً، فإنهم على
الارجح لا يريدون أن يتخيلوا المقاومة الأخرى
التي تنتظرهم، لذا يجهدون لاستجلاب آخرين
يواجهونها بدلاً منهم.
لم يكن هناك داع
حقيقي للصراع على "الرئاسة"، ولا شك أن
الرئاسة الجماعية ـ الدورية هي تأجيل
للخلافات وتجهيل لها بمقدار ما هي الغاء
لوظيفتها. فالرئيس عملياً هو المدعو بول
بريمر. هكذا يظهر على التلفزيون وهو يصافح
اعضاء المجلس، وهذا ما تؤكده عيون بعض
الأعضاء وابتساماتهم حين يمنحهم تلك
المصافحة. وفي أي حال، هو من عيّنهم، وهو الذي
بحث عن امرأة ما من الديوانية لتعيينها، وهو
بالأخص من يمسك بالموازنة والمخوّل الانفاق
على نشاطات "الدولة" وصرف الرواتب
والاعتمادات. ومهما احتد صراع الأعضاء في
الأيام المقبلة على تعيين "الوزراء"،
فهو أي بريمر من سيعينهم، لكن كل "وزير"
منهم سيكون تحت اشراف مندوب أميركي يفترض انه
أدنى منه مرتبة.
مثل هذا الواقع
يصدم أيضاً، لأنه ينبئ بأن الاحتلال سيطول،
وكلما طالت اقامته كلما ارتكب أخطاء لأنه بدأ
مسيرة "ما بعد صدام" بسلسلة من التخريبات
معظمها متعمد. وكلما طالت اقامته، وسط
الانقسام بين الفئات العراقية، كلما ظلت
كلمته الأقوى والأعلى. فحتى لو رغب
الأميركيون في المغادرة اليوم قبل الغد،
فانهم لا يستطيعون ذلك بعدما افتعلوا وفعّلوا
آلاف الأسباب التي تجعل الفئات العراقية
بحاجة اليهم. ولعل المهمة الأولى التي يمكن أن
نتصورها لمجلس الحكم هي أن يبدد تلك الأسباب
ويتصدى لمعالجتها، وبحسن النية يمكن افتراض
أنه قادر على ذلك ولا يزال أمام الامتحان، إلا
أن خطواته الأولى كشفت ما فيه من علل
واختلالات موضوعية أكثر مما أبرزت الأولويات
التي كان ولا يزال مدعواً لمواجهتها.
الانطباع السائد
حالياً هو أن الطريق طويل جداً ومتشعب جداً
إذا كان الهدف رؤية العراقيين بمختلف فئاتهم
يؤكدون ارادة موحدة في العيش في وطن واحد
للجميع. فالنظام السابق صوّر لنفسه وللخارج
انه صيغة انصهرت فيها التنوعات والانقسامات
الاجتماعية والسياسية، لكنه أقام عملياً
جداراً عالياً لإخفاء التشرذم الفعلي
للمجتمع. ولا أحد يتخيل ان سلطة احتلال يمكن
أن يكون همها إعادة صهر تلك الشراذم في وطن
للجميع.