هذه
صفحات
من
الذكريات
جمعت
بين
الشاعر
نزار
الذي
كان
يعمل
مستشارًا
في
السفارة
السورية
في
مدريد
وكاتبة
المقال.
وُلد
نزار
قباني
في
دمشق
ببيت
عربي
الطراز
في 21 /
3 / 1923
يقع
في
حيّ: (مئذنة
الشحم)
القريب
من
حيّ
الشاغور.
وُلدت
أنا
قبله
بعام
وبضعة
شهور.
تغنى
نزار
ببيت
أسرته
في
قصائده,
وبدمشق
التي
حملها
بين
ضلوعه
بعدما
غاب
عنها
للعمل
في
السلك
الدبلوماسي,
ولما
شببت
قرأت
دواوين
شعره
وأعجبت
بها
قبل
التعرّف
إليه
شخصيّا
في
مدريد
عامي
1962و1963
عندما
كان
زوجي
الدكتور
نادر
الكزبري
سفيرًا
لسورية
في
إسبانيا,
وأتى
إليها
نزار
للعمل
مستشارًا
معه
في
تلك
السفارة.
كان
والد
نزار
عضوًا
في
الكتلة
الوطنية
التي
كان
والدي
لطفي
الحفار
أحد
مؤسسيها
ومقاوما
للانتداب
الفرنسي
مثله,
فسُجن
كلاهما
بسبب
تلك
المقاومة
عندما
كنا -
هو
وأنا -
طفلين,
فكتب
نزار
في
ذكريات
طفولته
ما
يلي:
(....وفي
بيتنا
بدمشق
في
حيّ (مئذنة
الشحم)
كانت
تُعقد
الاجتماعات
السياسية
ضمن
أبواب
مغلقة
وتوضع
الخطط
للإضرابات
والمظاهرات
ووسائل
المقاومة,
وكنا,
من
وراء
الأبواب,
نسترق
الهمسات
ولا
نكاد
نفهم
شيئًا,
لم
تكن
مخيلتي
الصغيرة
قادرة
على
وعي
الأشياء
بوضوح
ولكنني
حين
رأيت
عسكر
السنغال
يدخلون
منزلنا
في
ساعات
الفجر
الأولى
بالبنادق
والحراب,
ويأخذون
أبي
معهم
في
سيارة
مصفّحة
إلى
المعتقل
الصحراوي,
عرفت
أن
أبي
كان
يمتهن
عملاً
آخر
غير
صناعة
الحلويات...
كان
يمتهن
صناعة
الحرية).
فذكّرني
ما
رواه
بطفولتي
بيوم
صحوت
فيه
مذعورة
على
ضجة
ببيتنا
في
13/6/1925
ورأيت
عساكر
السنغال
يدخلونه
ويأخذون
أبي
معهم
بسيارة
مصفّحة
إلى
المنفى
في
قرية (الحجة)
الصحراوية
بشمال
سورية
حيث
قضى
فيها
مع
زميليه
فارس
الخوري
وحسني
البرازي
أشهر
الصيف
اللاهب
قبل
نقلهم
إلى
بلدة (أميون)
في
منطقة
الكورة
بشمال
لبنان
ونفيهم
فيها,
مع
الفارق
بأن
الفرنسيين
سمحوا
لعائلاتهم
باللحاق
بهم
فصحبتني
أمي
معها
وقضيت
زهاء
عامين
بالمنفى
في
لبنان,
إلى
أن تم
الإفراج
عنهم
وعن
رفاق
لهم
نُفوا
بعدهم
في
شهر
فبراير
عام
1928.
كان
نزار
يحلم
بأن
يصبح
جزءا
من
تاريخ
دمشق,
وعبّر
عن
ذلك
الحلم
في
قصيدة
عنوانها:
(دمشق
نزار
قباني).
نشرها
في
كتاب
صدر
عن
دار
الأهالي
بدمشق
عام
1995
مرفقًا
بصورة
فوتوغرافية
لبيت
أسرته
التقطها
أخوه
الفنان
صباح
قباني
جاء
فيها
ما
يلي:
(وبعدُ....وبعْد
فبصدور
هذا
الكتاب
الذي
يحمل
عنوان:
(دمشق
نزار
قباني).
أَشْعُرُ
أن
حُلُمًا
قديمًا
من
أحلامي
قد
تحققْ
وهو
أن
أصبحَ
ذات
يومٍ
جزءًا
من
تاريخِ
دمشق
قطعة
فسيفساءٍ
على
جدران
الجامع
الأمويّ,
خاتمًا
مشغولاً
بالفيروز
في (سوق
الصاغة)
صفصافة
تغسِلُ
ضفائِرها
بمياهِ
(عين
الفيجة))
ذكر
نزار (عين
الفيجة)
الذي
جُرّت
مياهه
من
قرية (الفيجة)
التي
تبعد
عشرين
كيلومترًا
عن
العاصمة
بأنابيب
عبر
الجبال
فروت
دور
دمشق
ومرافقها
وأنقذت
سكانها
من
شرب
مياه
نهر
بردى
الملوثة
بفضل
نجاح
والدي
وأعضاء
غرفة
التجارة
وبلدية
دمشق
في
تحقيق
هذا
المشروع
الحيوي
عام
1932
بعد
انتزاعه
من
الشركات
الأجنبية
الطامعة
باستثماره,
وجعل
المياه
النقية
التي
مُدت
إلى
البيوت
ملكًا
لسكانها.
كانت
دمشق
مزروعة
في
قلب
نزار
فتغنّى
بها
في
قصيدة
عنوانها
(دمشق...مهرجان
الماء
والياسمين)
هذا
مطلعها:
(لا
أستطيعُ
أن
أكتُبَ
عن
دمشق
دون
أن
يُعَّرِشَ
الياسمينُ
على
أصابعي
ولا
أستطيعُ
أن
أنطق
اسمها
دون
أن
يكْتَظَّ
فمي
بعصير
المشمشِ,
والرمانِ,
والتوت
والسَّفرْجلْ
ولا
أستطيعُ
أن
أتذكَّرها
دون
أن
تَحُطَّ
على
جدارِ
ذاكرتي
ألْفُ
حمامةٍ...وتطير
ألفُ
حمامةْ...)
بداية
الجولة
قبل
وصول
نزار
إلى
مدريد
للالتحاق
بعمله
في
السفارة
السورية
كتب
إلى
زوجي
نادر
رسالة
لمعرفته
السابقة
به,
عندما
تتلمذ
عليه
في
كلية
الحقوق
بجامعة
دمشق,
حيث
كان
يدرّس
الحقوق
الجزائية
فيها
قديمًا
قبل
التحاقه
بوزارة
الخارجية,
فعبّر
له عن
سعادته
بالعمل
معه,
وختمها
بالعبارات
التالية:
(تحياتي
إلى
أديبتنا
وسفيرتنا
العزيزة
السيدة
سلمى,
وأرجو
ألا
يزعجكم
يا
أخي
نادر
بك أن
نجعل
من
السفارة
مجلسًا
للأدب
والشعر,
فوجود
الأدب
في
السفارة
السورية
امتياز
لها,
وغصنٌ
أخضر
يوضع
في
أوانيها).
بعدما
وصل
إلى
مدريد,
رحّبنا
به
كثيرًا
واعتبرناه
فردًا
من
أفراد
أسرتنا
لنواصل
الودّ
القديم
بين
أسرته
وبيننا,
فاستأجر
بيتًا
لإقامته
فيها,
ونقل
أثاثه
ومكتبته
إليه
وزيّنه
بلوحات
جميلة,
وبعد
حوالي
شهر
دعانا
للعشاء
فيه
فاكتشفنا
أنه
طبّاخ
ماهر,
ومولع
بالموسيقى
الكلاسيكية
الغربية
والعربية
الأصيلة,
كما
أصبح
رفيقنا
على
مائدتنا
في
أكثر
الأوقات,
ورفيقنا
في
النزهات
وزيارة
المعارض,
وحضور
المسرحيات.
لقد
كان
نزار (بيتوتيًا)
منذ
صغره
إذ
كتب
يقول
عن
البيت
الذي
نشأ
فيه:
(هذا
البيت
الدمشقي
الجميل
استحوذ
على
كل
مشاعري,
وأفقدني
شهية
الخروج
إلى
الزقاق,
كما
يفعل
الصبية
في
كلّ
الحارات,
من
هنا
نشأ
عندي
هذا
الحسّ
(البيتوتي)
الذي
رافقني
في كل
مراحل
حياتي).
لقد
كانت
أيامنا
معه
في
إسبانيا
مترعة
بالنشاط
الاجتماعي
والأدبي,
فأهدى
إلينا
نسخة
من
ديوان
شعر
له,
صدر
عام
1961بعنوان:
(حبيبتي)
لم
نكن
اطلعنا
عليه
سابقًا,
وسجّل
على
صفحته
الأولى
عبارة
الإهداء
التالية
الممهورة
بتوقيعه:
(إلى
أخي
نادر
وأختي
سلمى
القلبين
الكبيرين
اللذين
جعلا
إقامتي
بمدريد
قطعة
سكر).
في
ربيع
عام
1963
قمنا
برحلة
ممتعة
معه
إلى
الأندلس
بدأت
في
قرطبة
تلبيةً
لدعوة
الحكومة
الإسبانية
ومحافظ
المدينة
صديق
العرب
(الدون
أنطونيو
جوثمان
ريْنا)
احتفالاً
بمرور
ألف
سنة
على
وفاة
العالم
والشاعر
والفقيه:
علي
بن
أحمد
بن
حزم
الأندلسي,
وتشييد
تمثال
له
أمام
البيت
الذي
كان
يقيم
فيه.
غادرنا
مدريد
إلى
قرطبة
بالسيارة
في
11/5/1963
وبلغناها
ظهرًا
فتوجّهنا
إلى
فندق (الرصافة),
الذي
كان
محجوزًا
للمدعوين
لذلك
المهرجان
من
سفراء
عرب
معتمدين
بإسبانيا,
وكتاب
وشعراء
ومؤرّخين,
من
سورية
ومصر
والمغرب
وإسبانيا
بينهم
أساتذة
من
جامعات
مدريد
وبرشلونة
وغرناطة
وسلمنقة,
والدكتور
بيدرو
مارتينيث
مونتافيث
الأستاذ
المستعرب
في
جامعة
مدريد,
والدكتور
حسين
مؤنس
مدير
المعهد
الثقافي
العربي
فيها.
استمرّ
المهرجان
ستة
أيام
من 12/5
حتى
18/5/1963
جرى
افتتاحه
في (نادي
الثقافة)
بالمدينة
بعد
الاحتفال
بكشف
الستارة
عن
تمثال
ابن
حزم
في
المدينة
العربية
القديمة,
فكانت
الندوات
تنعقد
يوميًا
قبل
الغداء
وتليها
أمسيات
شعرية,
استمعنا
في
خلالها
إلى
الشعراء
الأندلسيين
الذين
كانوا
يعبرون
في
قصائدهم
عن
فخرهم
بمنبتهم
الأندلسي
وعرقهم
العربي,
وألقى
نزار
ثلاث
قصائد
مستوحاة
من
إسبانيا
والأندلس
ودمشق,
قوبلت
بتصفيق
حادّ,
ثم
قرأ
ترجمتها
إلى
اللغة
الإسبانية
الدكتور
(بيدرو
مارتينيث
مونتافيث)
الذي
نقل,
فيما
بعد,
مجموعة
من
أشعار
نزار
إلى
اللغة
الإسبانية
ونشرها
بمدريد
في
كتاب
بعنوان:
(قصائد
حبّ
عربية
لنزار
قباني)
صدر
عام
1965.
ذكريات
قرطبة
خصّصنا
أوقات
الفراغ
لزيارة
معالم
قرطبة
بدْءًا
بجامعها
الكبير,
الذي
كان
مسجدًا
واسعًا
للصلاة
ولتدريس
اللغة
والعلوم,
بُني
بعد
الفتح
العربي
في
مكانٍ
بوسط
المدينة
كانت
فيه
كنيسة
صغيرة
بعد
اتفاق
الأمير
عبدالرحمن
الداخل
مع
السكان
الأصليين
لنقلها
إلى
مكانٍ
آخر,
وقد
تعاقب
على
توسيعه
وتزيينه
الأمراء
الأمويون
هشام
الأول
بن
عبدالرحمن
وابنه
(الحكم)
الأول,
ومن
ثم
الخليفة
عبدالرحمن
الثالث
الملقّب
بالناصر,
فأضحى
ذلك
أكبر
مسجد
في
العالم
الإسلامي
آنذاك
تمثل
فيه
الفن
العربي
والهندسة
المعمارية
الأندلسية
في
تصميمه
وزخرفة
محرابه
وأعمدته
الداخلية
ومداخله
المتعددة
وصحنه
الخارجي,
بالإضافة
إلى
مئذنته
الأخيرة
الأنيقة
التي
بناها
الخليفة
عبدالرحمن
الثالث
عام 951م.
ذات
يوم
ذهبنا
لزيارة
(مدينة
الزهراء)
التي
لم
يبق
منها
سوى
الأطلال,
ولكن
الدولة
الإسبانية
شرعت
بترميمها
بمساعدة
الأونيسكو
منذ
سنوات
عدة
وجمع
آثارها
المبعثرة,
وتجوّلنا
في
حارات
قرطبة
ودورها
المفتوحة
للسياح,
المبنيّة
على
غرار
بيوت
دمشق
القديمة
التي
تتضمن
باحة
داخلية
واسعة
تتوسطها
برك
ماء,
وتسوّرها
أحواض
مغروسة
بالشمشير
والياسمين
والريحان,
والمؤلفة
من
دورين
يطلاّن
على
صحنها
الداخلي.
لقد
تذكّرنا
مع
نزار
شاعر
قرطبة
ابن
زيدون
وحبيبته
الأميرة
ولادة
بنت
المستكفي,
آخر
خلفاء
بني
أمية,
وصالونها
الأدبي
وبعضًا
من
أشعارها
القليلة
التي
وصلت
إلينا,
في
حين
أن
ديوان
ابن
زيدون
المعبّرة
قصائده
عن
حبّه
لها
ولقرطبة
قد
سلم
وأضحى
مرجعًا
من
أمتع
مراجع
الشعر
الأندلسي,
واستعدنا
ما
حفظناه
من
قصيدة
ابن
زيدون
الشهيرة
التي
أنشدها
بعدما
غادر
قرطبة
واستهلها
بهذا
البيت: