الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

الموت

تأليف توماس مان

ترجمة قاسم طلاع

الآن الخريف هنا... لقد انقضى الصيف ولن يعود ثانية، ولن يكون لي معه لقاء ثان أبدا....

البحر غامقا ( جدب ) وهادئ ورذاذ مطري حزين يتساقط. وعندما رأيت هذا في الصباح عرفت، بأنني، في هذا اليوم، ودعت فصل الصيف مبتدأ بفصل الخريف... خريفي الأربعين الذي بدأ أو دخل دون رحمة. ودون أي رحمة سوف يأتي بذلك اليوم الذي يحمل تاريخا في دخيلتي، الذي سأتحدث، أحيانا، وبصوت منخفض وهادئ وبإحساس من الذكريات....

 

12 أيلول

 

قمت بنزهة قصيرة مع الصغيرة اسنيسيون ( Asuncion ). يا لها من مرافقة جيده، حيث كانت طول الوقت صامتة لم تتكلم، ولم تفعل سوى أن ترفع بصرها، في بعض الأحيان، بشكل لطيف ومحبب.

سرنا على الطريق الساحلي باتجاه كرونسهافن ( Kronshafen )، إلا أننا رجعنا في الوقت المناسب وقبل أن نقابل أو نصادف في طريقنا أكثر من واحد أو اثنين من البشر.

أثناء عودتنا سررت من رؤية بيتي... كم كان اختياري موفقا..! بسيطا بشكله الرمادي المنتصب على هذا المرتفع... ومنظر الحشائش الذابلة، والرطوبة والطريق الموصل إلى البحر. ومن خلفه ذلك الشارع الذي اصطفت على جانبيه الأشجار ( Chaussee ) والحقول... هذا لا يهمني، سوى البحر.

 

15 أيلول

 

هكذا أريد أن يكون هذا البيت المنفرد الوحيد على هذه الهضبة التي تطل على البحر وتحت سماء ملبدة بالغيوم.... الكئيب ذات الأساطير والحكايات المبهمة وأنا في خريفي الأخير. إلا أن ما حدث اليوم قد أثار الاشمئزاز في نفسي، عندما كنت واقف بجانب الشباك في مكتبي ( Arbeitszimmer )، لاحظت يعد الظهر عربة قد جلبت ما يحتاجه البيت من مؤن، وكان العجوز فرانس يساعد في نقل هذه المؤن داخل البيت، مما أثار هذا العمل نوع من الضوضاء إلى جانب أصوات أخرى عكرت ذلك الجو الهادئ الذي كان يخيم على البيت... أمرتهم، أن ما يقومون به الآن، يجل أن يقوموا به في الصباح الباكر، أثناء ما أكون نائما. لم يتفوه العجوز فرانس بشيء سوى أنه قال " أمركم يا سيد غراف " وتطلع إلي بعينيه المريضتين يخوف وحيرة.

كيف يمكنه أن يفهمني..؟ أنه لا يعرف ، بأنني لا أريد أن تلامس أيامي الأخيرة أحداث روتينية ومملة. أنا قلق من ذلك، أن يكون الموت شيء مألوف وعادي. أريد أن يحيطني في ذلك اليوم الغامض ـ اليوم الثاني عشر من أكتوبر....

 

18 أيلول

 

لم أخرج خلال الأيام الأخيرة، وإنما قضيت معظم وقتي مضطجعا على الكنبة ( Chaiselongue ). ولم أستطع ( أتمكن من ) القراءة بسبب آلام الأعصاب التي أعاني منها فبقيت مضطجعا في الفراش أراقب سقوط قطرات المطر البطيئة دون أن أشعر بالملل.

كثيرا ما كانت أسونسيون ( Asuncion ) تعاود زيارتي. في إحدى المرات جلبت معها لي زهورا جافة أغصانها مبللة وجدتها على ساحل البحر. وعندما قبلت هذه الطفلة تعبيرا عن شكري لها، بكت لأنني مريض... فقد أثار هذا في نفسي حزنا أعجز عن وصفه!

 

21 أيلول

 

جلست فترة ليس بالقصيرة أمام النافذة في مكتبي ( Arbeitszimmer ) وكانت أنسيون قد جلست هي الأخرى على حجري نتأمل البحر الشاسع ومياهه الغامقة، ومن خلفنا سيطر على هذه الغرفة بكامل أثاثها هدوء تام. وأثناء ما كنت أربت على شعرها الأسود الذي تدلى على كنفيها، عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام... أيام الصبا الهادئة والسفر إلى مناطق متفرقة من هذا العالم وتلك السعادة التي لم يقدر لها أن تدوم... كانت أياما سعيدة، لكنها قصيرة.

هل تتذكر ذلك المخلوق الوسيم... الرقيق تحت سماء لشبونة..؟ اثنا عشرة سنة مرت، عندما أهدت لك رضيعا وكانت هي الضحية، عندما باغتها الموت أثناء ما كانت يدها تحتضن رقيتك.

عيون هذه الصغيرة أنسونيون السوداء، التي تشبه عيون أمها والوجه الغارق في التفكير وذلك الفم الرقيق، الذي يعكس إشارة حزن عبر تقاطيع فمها الذي هو أجمل ما فيها خصوصا عندما يكون صامتا أو يبتسم بشكل هادئ.

صغيرتي أنسويون! لو تعرفين، أنه يجب علي أن أتركك وأذهب.....

هل تبكين لأنني مريض..؟

ما علاقة هذا... ما علاقة هذا باليوم الثاني عشر من تشرين الأول!....

 

23 أيلول

 

أيام، تلك التي من الممكن أعود بذاكرتي إليها، تكون ذكريات من النادر نسيانها... كم من السنين قد مرت منذ بدأت أن أفكر يذلك اليوم العظيم.... يوم الثاني عشر من تشرين الأول... يوم أكون قد دخلت الاربعين من العمر..!

ما هو هذا اليوم وكيف سيكون...! أنا لست بخائف منه، إلا أن المفجع في هذا هو قدومه الذي يقترب يبطئ... هذا اليوم الثاني عشر من تشرين الأول...

 

27 أيلول

 

زارني اليوم الطبيب العجوز غودهوس ( Gudehus ) قادما من كرونسهافن( Kronshafen ) وهو يقود عربته عبر طريق ( Chausseeweg ) وتناول معنا، أسونسيون وأنا، إفطاره الثاني.

" أنه من الضروري.... " يدا كلامه هكذا، وكان قد أكل نصف دجاجة، " أن تقوم بالحركة يا سيد غراف... كثير من الحركات في الهواء الطلق. لا تقرأ... لا تفكر ولا تتأمل ! ذلك أنني أعتبرك فيلسوفا...ها...ها "

حركت كتفي وشكرته على جهوده هذه. ولم بقدم نصائحه لي فقط، وإنما فعل هذا معها أيضا. وقد طلب مني أن أتناول كمية أكثر من الدواء المهدئ ( Brom-Dosis ) ربما أستطيع أن أنام أكثر.

 

30 أيلول

 

الأيام الأخيرة من أيلول...

الآن لبس هذا ببعيد...الوقت يقترب... الساعة الثالثة بعد الظهر. وبعملية حسابية جمعت الدقائق المتبقية حتى بداية اليوم الثاني عشر من تشرين الأول. 8460 دقيقة.

لم أتمكن من النوم هذه الليلة.... رياح شديدة...هدير البحر بأمواجه المتراطمة... زخات مطر... بقيت مضطجعا وتركت الوقت يمر... في التفكير والتأمل..؟ كلا..! ليس هذه...

لقد جعل الدكتور غودهوس مني فيلسوفا... أن رأسي خالية من كل شيء إلا من التفكير في: الموت... الموت..!

 

2 تشرين الأول

 

أشعر في داخلي بأن هناك خليط من القلق المصحوب بالانتصار. ففي بعض الأحيان حينما يصاحبني مثل هذا الشعور يعتقد الآخرون بأنني مصاب بالجنون... أنني ألاحظ هذا عندما يتطلعون إلي بقلق مصحوب بالحذر. وبريبة وشك أردت التأكد من هذا. أها...! أنا لست بمجنون.

قرأت اليوم قصة القيصر فريدرك، الذي تنبأ، بأنه سيموت في " sub flore "[i] ومن ذلك اليوم تجنب زيارة المدن فلورن وفلورنتيروم[ii] ويعد مضي زمن من هذا، قدم إلى مدينة فلورنتينوم... ومات. ـ ولكن لماذا مات..؟

التنبأ أو التكهن بحد ذاته لا قيمة له، إلا في ما إذا تمكن أن يفرض سلطته عليك. وإن فعل هذا، فإن هذا دليل أو برهان على أنه سيتحقق.ـ كيف..؟ ألم بكن التنبأ، هذا الذي ينبثق من دخيلتك له قيمة أو أكثر واقعية من واحد أو آخر ريما يأتي من الخارج..؟ ألم يعرف الإنسان المكان وعدم المقدرة على تحديد الزمن الذي سيموت فيه..؟

آه... أنه ارتباط دائمي ومستمر يربط بين الإنسان والموت..! أنت تستطيع بإرادتك وقناعتك أن تشعر بوجوده، وباستطاعتك أن تجذبه أو تسحبه، بأن يأتي إليك في الساعة أو في الوقت الذي تعتقد....

 

3 تشرين الأول

 

كثير من الأحيان عندما تتدفق علي الخواطر والأفكار مثل مياه عتمة لا نهاية لها، ولأنها ضبابية، أرى ترابط الأشياء مع بعضها البعض والاعتقاد بالتعرف على بطلان الدلائل والمفاهيم.

ما هو الانتحار..؟ هل هو الموت الطوعي..؟ ولكن لا أحد يموت مكرها... أن التخلي عن الحياة والتنازل للموت يحدث لكل واحد منا بسبب الضعف الناتج عن أمراض جسمية أو روحية ( نفسية ) أو كلاهما. الإنسان لا يموت قبل أن يكون موافقا على أن يكون.....

هل أنا موافق على هذا..؟ يجب أن أكون كذلك، لأنني أعتقد بأنه من المحتمل أن أصاب بالجنون، إذا لم أمت في الثاني عشر من تشرين الأول....

 

5 تشرين الأول

 

أفكر دائما ودون انقطاع بهذا، وهو ما يجول بخاطري طول الوقت.ـ متى وأين عرفت هذا، لا أعرف متى بالضبط..! ربما كان عمري تسعة عشر أو عشرون سنة، عرفت بأنني سأموت عندما أدخل العام الأربعين من العمر وفي يوم ما سألت نفسي بإلحاح، وفي أي يوم سيحدث هذا، وهنا عرفت هذا اليوم أبضا!

والآن فقد صار هذا اليوم قريبا.... قريبا بحيث بدأت أشعر بنفس الموت البارد.

 

7 تشرين الأول

 

تزداد الرياح شدة... أمواج البحر الهادر... وزخات المطر تطبل على السقف.

لم أتمكن من النوم، وبمعطف مطري نزلت إلى الساحل وجلست على صخرة.

ومن خلفي كان البيت المعتم، الذي تنام الآن فيه الصغيرة آسونسيون، صغيرتي آسونسيون والهضبة تحت زخات المطر يغلفه الظلام ! وأمامي يذوب رغى البحر عند قدمي.

أثناء الليل، عندما كنت أتطلع إلى الخارج، خيل إلي، ربما هكذا سيكون الموت أو هكذا سيكون بعد ـ الموت: هناك في الخارج وعلى الجانب الآخر ظلام دائم لانهاية له... عاصف ورطب. ولكن كيف ستكون هذه الحياة وهل سيكون هناك نوع من الإحساس، الذي يؤكد على وجودي ككائن يشعر بما يدور من حوله..؟  

 

8 تشرين الأول

 

أريد أن أشكر الموت، إذا أتى... قريبا سيكون هنا...لم تبق سوى ثلاثة أيام خريفية قصيرة وسيحدث هذا. كم أنا مشدود إلى تلك اللحظات الأخيرة... بل إلى آخر لحظة. ألم ستكون هذه أجمل وأرقى لحظة، تلك التي ليس من الممكن وصف حلاوتها ورقتها..؟ أليس هذه هي أرقى لحظات اللذة..؟

ثلاثة أيام خريفية بعد، وسيكون الموت، هنا، عندي، سيدخل غرفتي ـ ولكن كيف سيكون تصرفه وسلوكيته..! وكيف سيتعامل معي ! مثل دودة..؟ أو سيقبض على رقبتي ويخنقني..؟ أو سيمد يده إلى دماغي ويشد قبضته عليه..؟ ـ إلا أن تصوري له هو أنه ذلك الملك العظيم الجامح الهائج!

 

9 تشرين الأول

 

قلت لسونسيون وهي جالسة على ركبتي: " هل ستحزنين، لو اختفيت فجأة بطريقة ما وبشكل مفاجيء..؟  ضغطت برأسها على صدري وبكت بمرارة ـ وهنا شعرت بضيق النفس وبألم شديد على رقبتي.

على فكرة، أن درجة حرارة عالية تسري في جسدي، وألم في رأسي، وأنا أرتعش من البرد.

 

10 تشرين الأول

 

كان عندي، هذه الليلة كان عندي! لم أره ولم أسمع خطواته، لقد كان مضحكا عندما تصرف كطبيب أسنان!ـ " أنه من الأفضل لو نتفق حالا." هكذا قال لي. إلا أنني رفضت ودافعت عن نفسي. وبكلمة مختصرة صرفته.

" أنه من الأفضل لو نتفق حالا " سمعت هذا وقد أصابني شعورا لم أعرفه من قيل... كلمات جامدة... مملة وبسيطة... لقد كانت بالنسبة لي خيبة أمل.

 

11 تشرين الأول ( الساعة 11 مساء )

 

هل فهمت هذا..؟ آه ! صدقوني، بأنني قد فهمت هذا !

قبل ساعة ونصف، عندما كنت جالس في غرفتي، دخل الرجل العجوز، فرانس، إلي، مرتجفا يشهق بالبكاء. " الآنسة..! " نادى واستمر " الطفل ! تعال بسرعة..! " وأتيت.

لم أبكي، شعرت بضربة صاعقة هزت كل كياني. كانت مضطجعة على فراشها وشعرها الأسود قد أطر وجهها المتألم المصفر... لم أفعل شيء سوى أنني سجدت على ركبتي أمامها. ـ جاء الدكتور غودهوس ( Gudehus ).

" هذه سكتة قلبية..." هكذا قال وهو يحرك رأسه، مثل واحد، وكأن ما حدث لم يكن مفاجئة له. هذا الجاهل المجنون فعل هكذا، وكأنه كان يعرف!

ولكن أنا ـ هل عرفت هذا..؟ آه، عندما كنت لوحدي معها ـ في الخارج حفيف زخات المطر وهدير البحر وصوت هزيز الرياح وكأنه خارج من ماسورة مدخنةـ هنا ضربت على الطاولة، وفي لحظة صار لي كل شيء واضح!عشرين سنة صاحبت الموت معي حتى ذلك اليوم الذي سيبدأ يعد ساعة، وفي داخلي عميقا، كان هناك شيئا كان سرا قد عرفه، هو أنني قد لا أريد أن أترك هذه الطفلة وربما لا أريد أن أموت في منتصف الليل، وهذا ما يمكن أن يكون. فلو كان قد أتى ثانية إلي، لكنت قد صرفته حالا. إلا أنه قد ذهب أولا الى الطفلة ـ هل أنا الذي بنفسي بعثت بالموت إلى فراشك، هل أنا الذي قتلتك، يا صغيرتي أسونيون..؟ آخ، هذه كلمات بدائية متواضعة بعيدة كل البعد عن الأشياء الجميلة والغامضة!

الوداع، الوداع! ربما سأعثر هناك في الخارج على أثر يؤكد على وجودك.أنا أرى: مؤشر الساعة يتقدم والضوء الذي يضيء وجهك الجميل، سينطفأ قريبا. أنا أمسك يدك الصغيرة الباردة وأنتظر. سيقترب مني حالا وسوف لم أفعل سوى أن أحني له رأسي وأغمض عيناي وإذا سمعت أن أقول له:

" أنه من الأفضل، إذا اتفقنا حالا ".......

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


[i] . Sub flore : حرفيا تحـت الأزهار ( الورود ) .... وقـد يكـون المعنى كالآتي" في ظل الأزهار ( المترجم )

[ii] . أسماء مشتقة من الأزهار أو مشابهة لها. ( المترجم )