الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

لماذا جاءت امريكا الى العراق

عودة وهيب

لاتنبع اخطر الأتهامات التي توجهها المجاميع المعادية للولايات المتحدة الأمريكية الى الوجود الأمريكي في العراق من واقع افعال واقوال عناصر هذا الوجود ، بل هي تنبع من( رحم) اعتقاد مسبق عن نوايا الولايات المتحدة الأمريكية بغض النظر عن مخالفة هذا الأعتقاد لسيرورة الوقائع على الأرض ، بل وينظر هؤلاء الى كل الوقائع التي تجري على الأرض والمناقضة لأعتقاداتهم على انها اشكال مخادعة (تآمرية) تهدف الى أخفاء اهداف شريرة تكمن في طبيعة(ماهية) الولايات المتحدة الأمريكية.فالمعادون للولايات المتحدة ( وهم خليط عجيب، يمتد من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، ولايجمعهم جامع غير العداء لهذه الدولة) يدّعون ان امريكا تهدف من وراء (احتلال) العراق الى تحقيق عدة اهداف شريرة، تصب كلها في خدمة اسرائيل، منها تقسيمه الى دويلات صغيرة ونهب ثرواته النفطية واستعباد شعبه . وعندما يرى الناس ان افعال الولايات المتحدة في العراق مناقضة لهذه الأدعاءات،وعندما يرى الناس بأم اعينهم ان الأمريكيين يتصرفون(قولا وفعلا) كمحررون لا كمحتلين، ويعملون بصدق على وحدة العراق وعلى مساعدة شعبه على بناء نظام ديمقراطي، عندها يطلب منا(انصار نظرية المؤامرة) ان نحتقر الواقع ولانعيره اية اهمية (لأنه من السذاجة والعبط أن يظن احد من الناس أن الأمريكيين جاءوا من اخر الدنيا وتكبدوا كل ما تكبدوه من خسائر والأموال لكي يهدوا الى العراق نظاما ديمقراطيا حرا ثم يرحلون راضين وسعداء بالأنجاز الذي حققوه .) فهمي هويدي - الشرق الأوسط -2-1-2005

فحقيقة ممارسة الديمقراطية على ارض العراق، وحقيقة اجراء الأنتخابات في هذا البلد، وشهادة ملايين العراقيين بانهم ولأول مرة في حياتهم مارسوا انتخابات ديمقراطية حقيقية ، كل هذه الوقائع التي تشهد لحسن النوايا الأمريكية في العراق لاتغير (القناعات المسبقة) للسيد فهمي هويدي وامثاله، بل انهم يعتبرون ان من( العبط) التصديق بمعطيات الواقع وترك معطيات افكارهم المسبقة عن طبيعة (ماهية) امريكا (الأمبريالية) المعادية للديمقراطية. أن تناقض معتقداتهم وآرائهم مع معطيات الواقع لايدفعهم الى اعادة النظر بهذه المعتقدات والآراء، بل يدفعهم الى احتقار الواقع واعطاء تفسيرات غيبية ضمن سياقات نظرية المؤامرة التي تكفيهم دائما (شرّ) الواقع وحركته الجدلية.انهم اقرب الشبه ب(اهل الكهف) الذين ظلوا نائمين في كهفهم غير دارين ان الواقع خارج كهفهم قد تغير.فأفكار السيد هويدي وأقرانه تعيش في كهوف الحرب الباردة ولاتدري بما فعلته بالعالم عواصف عاتية كعاصفة الحادي عشر من ايلول(سبتمبر)، ولهذا فأن كتاباتهم تنتمي الى السنوات الأولى من النصف الثاني للقرن العشرين، وليس لها اية صلة بهذا الزمن الذي نعيشه اليوم .ففي الزمن الذي تنتمي اليه تحليلات (الهويديين) كانت أمريكا( ولأسباب عديدة معروفة لامجال لذكرها الآن) متحالفة مع أنظمة ديكتاتورية متعفّنة وساهمت في اسقاط نظام سلفادور الليندي( الرئيس التشيلي المنتخب) لصالح نظام بينوشت العسكري الديكتاتوري، وتنتهج سياسة معادية لحركات التحرر الوطني، اما بعد (غزوة) نيويورك(التي حاول الهويديون عبثا ايجاد مبررات لها) فأن امريكا تسعى بصدق الى اقامة انظمة ديمقراطية في دول العالم الأسلامي (التي امست مفرخة للأرهاب) لأنها ادركت أن الديمقراطية هي المصدّ الأول للأرهاب.

وفيما يخص العراق فأن قصة التفكير الأمريكي بدعم اقامة نظام ديمقراطي في هذا البلد تبلورت بعد تمنّع صدام عن تطبيق قرار مجلس الأمن المرقم 687 والصادر في الثالث من نيسان 1991 والذي يلزم النظام الصدامي بتدمير كافة اسلحة الدمار الشامل والأسلحة التسيارية خلال تسعين يوما من تأريخ صدور القرار. وقصة هذا التمنّع والمراوغة المعروفة والتي وصفت وقتها بسياسة القط والفأر( وصدقت تسمية الفأر على رأس النظام حيث وجد مختبئا في جحر مظلم) لم تؤدي فقط الى فقدان الولايات المتحدة الأمريكية لأي ثقة بالنظام الصدامي ، بل وجعلتها في توجّس دائم من احتمالات قيام صدام بمفاجآت غير محسوبة ، ولهذا فأن (آل كور) نائب الرئيس الأمريكي السابق بيل كيلنتون قال في عام 1998 شيئا مهما جدا مفاده ( ان العقوبات لن ترفع عن العراق الأ اذا غيّر النظام الصدامي من نواياه العدوانية) وهذا المعنى جاء ايضا في منطوق القرار 687 حيث ورد مايلي( واذ يؤكد، مجلس الأمن ،من جديد ضرورة التأكد من النوايا السلمية للعراق في ضوء غزوه للكويت وأحتلاله لها بصورة غير شرعية) ، وليس صعبا على اي محلل ان يدرك ان التأكيد على مسألة (التأكد من النوايا السلمية للنظام) تشير الى ضرورة جعل آليات اتخاذ القرار العراقي شفافة ، والشفافية كما هو معروف هي احدى صفات النظام الديمقراطي ، وهذا يعني ان الولايات المتحدة توصلت الى قناعة مفادها ان الوسيلة الوحيدة التي تتيح لها التأكد من (النوايا السلمية للعراق) هي اقامة نظام ديمقراطي فيه، وبدون هذه الديمقراطية لاتستبعد امريكا ان يفاجئها صدام بغزو بلد او اعادة تصنيع اسلحة دمار شامل ، فالعراق بلد غني ومهم ولابد ان يأتي اليوم الذي ترفع فيه العقوبات الدولية وعندها يكون سهلا على صدام (المتفرّد في اتخاذ اخطر القرارات) العودة الى صناعة اسلحة الدمار الشامل بوجود جيش جرّار من العلماء العراقيين المدعومين بثروة نفطية كبيرة . ان هذا الخوف من احتمالات عودة صدام الى تصنيع اسلحة الدمار الشامل لم يدفع ادارة كلينتون الى العمل على ابقاء العقوبات على العراق فقط بل ودفعها ايضا الى العمل مع الكونكرس عام 1998 لأصدار (قانون تحرير العراق) الذي وردت في خاتمته العبارة التالية:(يرتأي الكونكرس أنه لدى ازالة صدام حسين من السلطة في العراق ينبغي على الولايات المتحدة مساندة العراق على التحول الى الديمقراطية).

وبعد كارثة الحادي عشر من ايلول(سمبتمبر) صار خوف امريكا من اسلحة الدمارالشامل العراقية (الموجودة فعلا او التي سيصنعها صدام حال افلاته من العقوبات الدولية) مضاعفا ، فمن يضمن لأمريكا ان صدام سوف لايقوم بتجهيز الأرهابيين باسلحة دمار شامل ووسائل ايصالها لأهداف امريكية او حليفة لها؟ وهل هناك طريقة عملية تجعل امريكا مطمئنة من (نوايا العراق السلمية) غير المساعدة على اقامة نظام ديمقراطي؟

ان الديمقراطية في العراق صارت همّا امريكيا لأنها امست صمّام أمان لامنها القومي، فبدون نظام ديمقراطي في العراق تصبح مخاطر انتاج صدام لأسلحة الدمار الشامل واعطائها لمنظمات ارهابية مخاطرا كبيرة وجدية لايمكن تجاهلها. أن امريكا كانت تستطيع أن تتأكد من قيام صدام بتدمير اسلحته ذات الدمار الشامل(وربما تأكدت من ذلك فعلا قبل الحرب) ولكن كيف لها ان تتأكد من أن صدام لاينتج مستقبلا مثل هذه الأسلحة وهو الذي ظل يخادع المجتمع الدولي ثلاثة عشر عاما؟ ان الوسيلة الوحيدة لضمان زوال هذا الخطر هو اقامة نظام ديمقراطي في العراق.لقد اصبحت الديمقراطية في العراق ضرورة امريكية كما هي ضرورة عراقية، وهنا حدث التقاطع التأريخي الهام بين مصالح الشعب العراقي ومصالح وامريكا.

فأمريكا ليست(مجرد فاعل خير ارسل جيوشه وطائراته وصواريخه لتوزيع بشارات الديمقراطية والحرية على العالم الثالث المعذب المقهور) كما يحلو للسيد فهمي هويدي ان يسخر من الذين يصدّقون بأن امريكا تريد فعلا اقامة الديمقراطية في العراق ، بل هي صاحبة مصلحة كبيرة في اقامة الديمقراطية في العراق ، وهذه المصلحة هي، وبالتحديد، القضاء نهائيا على احتمال ان يكون العراق مصدر خطر على الأمن القومي الأمريكي، اي القضاء على خطر احتمال تزويده للأرهابيين باسلحة دمار شامل.

فأمريكا جاءت الى العراق لتحريره من النظام الصدامي وأقامة نظام ديمقراطي فيه ليس لأنها جمعية خيرية او مجرد(فاعل خير) بل لأن في اقامة هذه الديمقراطية مصلحة لها ولأمنها القومي اولا واخيرا وهذا مالايعرفه سكنة كهوف الحرب الباردة.

aoda50@hotmail.com