الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

المؤهلون لكتابة الدستور برأي السيد حاجم الحسني

 عزيز الحاج

أدلى السيد حاجم الحسني، رئيس الجمعية الوطنية العراقية، بتصريحات لمراسل رويترز في الأردن ورد فيها: "إن الدستور الجديد للعراق سيفشل في تحقيق الاستقرار بالبلاد إذا لم يمنح "المتمردون" السنة والجماعات الأخرى غير الممثلة في الحكومة دورا سياسيا فعالا." وأضاف أن الجمعية الوطنية " لا زالت غير متوازنة. الدستور يكتب لأجيال قادمة فلا يمكن أن تغيب سواء السنة العرب أو الآخرين الذين ما حظوا بمقاعد الجمعية الوطنية العراقية في كتابة الدستور."
لقد أصاب السيد رئيس الجمعية الوطنية بإشارته للخلل الكبير في تركيب الجمعية وفي تمثيل قوام لجنة الدستور. ولكنه مع الأسف لم يذكر الحقائق التالية:
إن الخلل المذكور ناجم أساسا عن مقاطعة جمعيات وتكتلات وأحزاب كانت تتحدث باسم السنة العربن فهم الملومون ولم يغيبهم أحد. وهذه الحقيقة لا تنفي ضرورة ووجوب المرونة السياسية البالغة باتجاه اوسع وحدة وطنية في العملية السياسية وكتابة الدستور. ومن المؤسف أن قائمة الائتلاف لم تبد هذه المرونة في العمل، وكما قال الدكتور كاظم حبيب في مقالته الأخيرة في المواقع العراقية فإن هناك :" إصرار الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية على الهيمنة الفعلية على السلطة والبرلمان واللجان وفرض إراتها وتصوراتها على البلاد، الدولة والمجتمع. ولولا مقاومة الأحزاب القومية الديمقراطية الكردية لاجتاحت هذه القوى الساحة السياسية العراقية وحولت العراق إلى ما يشبه الحكم في إيران."[ 18 أيار 2005 ].

 ويخطئ السيد رئيس الجمعية الوطنية في تشخيصه لمواقع الخلل في قوام الجمعية ولجنة الدستور. إنه يطالب بتمثيل فعال للقوى التالية:

1 ـ "العرب السنة الذين يقاتلون القوات التي تقودها الولايات المتحدة.." وهنا نعرف أن من السياسيين السنة من تعاملوا بمرونة واقعية مع وجود قوات لولاها لما كانت هناك لا حرية كلام ولا جمعية وطنية حرة. فلا الباجه جي ولا الياور ولا الحزب الإسلامي ممن ساهموا في مجلس الحكم وتعاملوا مع بريمر، ولا غيرهم من الساسة السنة الموجودين في أحزاب ديمقراطية وقومية، قد دعوا للعمل المسلح ضد القوات الأمريكية؛ بل إن معظم العراقيين متفقون على ان وجود هذه القوات في المرحلة الراهنة هو الضمانة الأولى لمنع تمزيق البلاد وجرها لحروب طائفية وعرقية. ونعرف أن إدارة التحالف، ورغم أخطائها الفادحة في العام الأول، هي التي عارضت بشدة القانون 137 ضد حقوق المرأة، وهي التي دعمت قانون الإدارة بينما قاومته بحزم كل الأحزاب الإسلامية ومعها المراجع الدينية برغم التوقيع الجماعي على القانون.
ويتابع السيد الحسني ليتحدث عن "مقاومة مشروعة ضد الاحتلال" ويميزها عن الإرهابيين. وهذا رأي سبق أن تكرر مرارا من جهات عربية ومحلية دون أن يستطيع أصحابه أن يشخصوا بدقة من المقاومون من اجل السيادة الوطنية والجلاء ومن قتلة أبناء الشعب. غير ان كل ما اوحت به تلك التصريحات هو ان أعوان صدام هم الوطنيون المقاومون وأن الزرقاويين وحدهم هم الإرهابيون. ونحن نعلم ويعلم السيد الحسني أن أعوان صدام هم قادة عمليات الإرهاب ولولاهم لما استطاع الزرقاويون البقاء طويلا. كما نعرف أن شرائح من العراقيين تقدم لهم المأوى عن خوف أو عن هواجس طائفية. أما هدف الصداميين البعثيين فهو إعادة النظام الذي احتكروا امتيازاته والسلطة فيه على حساب سحق القوى الوطنية، وبثمن المقابر الجماعية، وسراديب التعذيب، ورش الغازات السامة على المواطنين. فكيف يمكن لهذه القوى الدموية أن تسهم إيجابيا في العملية السياسية بينما جرائمها اليوم وأمس قد شملت كل البلاد وأهلها؟! وكيف يبرهن أصحاب هذه الفتاوى السياسية أن الذين يغتالون ويفجرون هم الإرهابيون الأجانب وحدهم وان لا علاقة لبعثيي صدام في ذلك؟ وكيف يبرهنون على أن جماعات سياسية أخرى لا تتعاطف مع الطرفين، الزرقاوي والصدامي؟! وكيف لا نعلم أن عمليات الإرهاب المسماة بالمقاومة الشرعية تسهم في بقاء القوات الأجنبية وليس في تسريع جلائها نظرا لان القوات العراقية ليست بعد قادرة لوحدها على حماية أرواح العراقيين ومنشآتنا الحيوية وحدودنا المخترقة؟! كما أن   القوات العراقية، فضلا عن عدم تكامل تدريبها وعدتها وبرغم مآثر العديد من قطعاتها في محاربة الإرهابيين، هي في الوقت نفسه لا تزال مخترقة كما دلت على ذلك أخيرا حادثة اغتيال المستشار الأمني الخاص للسيد رئيس الوزراء.

2 ـ أما القوة الأخرى التي يعتبرها السيد الحسني مؤلة لكتابة الدستور والمساهمة الفعالة في العملية السياسية فهي كما يقول:" جماعات مثل حركة الصدر التي سميت على اسم رجل الدين المناويء للولايات المتحدة والذي يحظى بدعم جماهيري." عجيب جدا! لا ندري كيف كان جيش المهدي يقاتل أمريكا في فتنه الدامية بكربلاء والنجف، التي أثارت ضده جماهير الشيعة؟ وكيف يحارب أمريكا بحملاته العدوانية ضد المسيحيين والصابئة المندائيين والنساء السافرات وضد الجامعات؟ أو عندما أعلن زعيمه مرارا عن دعمه لفتنة الزرقاويين والصداميين في الفلوجة؟ ومن لا يعرف الدور الإيراني المكشوف في ظاهرة الصدر وتحركاته على الوقع الإيراني وكان المثل الأخير دعوته لحرق العلم الأمريكي بعد يوم من هيجان عمائم قم في الشوارع تحت شعار "الموت لأمريكا!"، وكأنما إثارة الضجة ضد أمريكا ستغطي الاستبداد السياسي والمذهبي في إيران، وتسلط هيئة حماية الجمهورية والمرشد الأعلى على الحياة السياسية! وقد جرى اخيرا منع أكثر من ألف مرشح للحملة الرئاسية الإيرانية. فهل يريدنا السيد مقتدى وغيره أن يقام في العراق نظام مشابه من التسلط المتسلح بالدين؟!

والفريق الآخر في نظر رئيس الجمعية الوطنية هم هيئة علماء المسلمين التي يصفها الكثيرون بكونها واجهة دينية من واجهات البعث الصدامي.
إن التصريحات المذكورة تقول:" هناك مقاومة يعني يجب ألا نستحي أن نقول هناك مقاومة موجودة في العراق وهذا الكلام نتحدث فيه مع الجميع. هناك إرهاب وهناك مقاومة." ومضى يقول :" إنه إذا اعترف القادة السياسيون بالمتمردين كمقاومة مسلحة مشروعة ضد الاحتلال فربما يكون بمقدورهم إقناع المتمردين بإلقاء أسلحتهم وتشكيل جناح سياسي، ووقف عمليات القتل الطائفية التي جرت في الأسابيع القليلة الماضية."
 هناك حتى في أمريكا وإدارتها من يشارك هذا الرأي مع أنه غير دقيق وغير واقعي. وكما مر، فلم يستطع أحد لحد اليوم أن يبرهن لنا على أن حملة السلاح منذ عامين هم وطنيون منزعجون من الاحتلال وليسوا دعاة عودة النظام السابق وغض النظر عن جرائم أقطابه والمطالبة بإطلاقهم، أو بالنسبة للإرهاب الزرقاوي الأمل في قيام نظام طالباني، وبالنسبة لجيش المهدي الحلم بقيام حكم الشريعة المذهبي في العراق.
إن مجمل تصريحات السيد الحسني تكرر نقطة واحدة، وإن لم يكن ذلك بصراحة ووضوح، وهي أن أمريكا هي عدوة العراقيين وان محاربة قواتها أمر مشروع، وان قوى الإرهاب الصدامي العنصري الطائفي تستحق المناصب الكبرى والإسهام الكبير في خط الدستور.
إن ما تنساه هذه التصريحات وكل التصريحات العراقية والعربية والغربية عن "سوء تمثيل السنة العرب" تتناول جزءا من القضية وليس جوهرها. فالحقيقة أن الخلل الأساسي في العملية السياسية وفي قوام الجمعية ولجنة صياغة الدستور هو ضعف ومحدودية دور القوى والتيارات الديمقراطية والعلمانية، والأخذ بنظام المحاصصة الطائفي بذريعة "الاستحقاقات الانتخابية" مع علمنا انه لولا الفتاوى الدينية وزج اسم المرجعية الشيعية في قائمة الائتلاف لما حققت نفس الدرجة من النجاح.
إن المخاوف الحقيقية هي من هيمنة أصحاب المشاريع السياسية الدينية المذهبية من كلا المذهبين على كتابة الدستور، ومن إعطاء دور فعال للبعث الصدامي بتقديمه وكأنه هو الوطني الصادق المدافع عن السيادة الوطنية. وإذا كان الأستاذ الحسني يطالب بتمثيل أطراف ليست في الجمعية الوطنية أولم يكن الأحرى أن يطالب بتشكيل لجنة دستور تضم فريقا من المختصين القانونيين المستقلين الضليعين وممن سبق لبعضهم ان قدموا قبل سقوط صدام دراسات ومشاريع عن الدستور نشرتها صحف المعارضة عهد ذاك ولا سيما جريدة "المؤتمر الوطني."
 إن كتابة الدستور يجب أن تكون من اختصاص لجنة مطعمة من أمثال هؤلاء القانونيين الوطنيين المستقلين ومن ممثلي الأحزاب والكتل السياسية وتحت إشراف الجمعية الوطنية كما يدعو قانون الإدارة وقرارات مجلس الأمن. والمؤلم أن قائمة الائتلاف تطرح اسم مرشح عنها لرئاسة لجنة الدستور، وكأنه لا تكفي مناصب نائب رئيس جمهورية ونائب رئيس وزراء ووزارة الداخلية والمناصب الأمنية!!
 إن لجنة دستور تهيمن عليه   مشاريع سياسية دينية ستحاول فرض اتجاه معين لا يلبي طموح العراقيين للديمقراطية وحقوق المرأة والفيدرالية والحرية الدينية الكاملة. وبالطبع فما كل ما سوف تجري محاولة فرضه سيمر بسهولة، وعلى الإخوان من أصحاب تلك الاتجاهات التعلم بتواضع من هزيمة القرار 137 ومن انتصار قانون الإدارة الانتقالي!
إن مسودة الدستور القادم يجب ألا تنحرف عن المبادئ التي وضعها قانون الإدارة، بل يجب القفز بالعراق خطوات أخرى نحو الديمقراطية. أما الإرهاب في العراق فإن الحل العسكري لمكافحته مطلوب وذلك بالعكس من طرح السيد الحسني الذي يقول إن "قضايا الشعوب لا تحل عسكريا". نعم ليس عسكريا وحده، بل اجتماعيا واقتصاديا وتثقيفيا أيضا وحلا سياسيا سليما لا تلفيقيا يخلط الحابل بالنابل!. ولكن أمام غول الإرهاب وحربه المشتعلة، فإن قوة الحسم العسكري وتفعيل القضاء العادل والحازم، يطرحان نفسيهما اليوم بمزيد من الإلحاح.