بين السيدالمالكي والضرورات الوطنية - عزيز العراقي
Ziziiraqi@yahoo.se
لاشك ان رئيس الوزراء السيد نوري المالكي قام بخطوات وطنية كبيرة
وواضحة المعالم في بناء العملية السياسية تحت ظل الدستور الدائم ,
وترميم المتآكل منها , مثل معالجة عودة وزراء قائمة التوافق واعادة
الحياة لضرورات المصالحة الوطنية . وتحت ظل حكومته تم تجاوز الكثير من
العقبات , ولعل ابرزها الصراع الطائفي الذي كاد ان يؤدي بوحدة العراق
بعد ان وضعه على حافة الحرب الاهلية . وتحققت درجات عالية من الامن بعد
هزيمة " القاعدة" واضعاف بقايا عصابات البعث والسنة التكفيريين
والمليشيات الشيعية الخارجة على القانون . اضافة للتأييد الامريكي الذي
حصل عليه السيد المالكي وحكومته .
هذه النجاحات , بدل من ان تكون الارضية التي ينهض عليها مشروع توقيع
الاتفاقية الامنية مع الامريكان وتخليصها من تأثيرات المؤيدين لها
بالكامل , وبين الذين يعارضونها بالكامل من اتباع السياسة الايرانية ,
او من الذين لايجدون لهم موقع الا بمعارضة الحكومة بكل شئ , او من
يعتقدون بان كل عداء لاميركا سيضعهم في خانة الوطنية . نجد السيد
المالكي يتأرجح بين تطوير امكانيات النهوض بالمشروع الوطني الذي تحقق
في نجاحات الحكومة واعاد الامل للعراقيين , وبين مشروع مجالس الاسناد
كمؤسسة عسكرية حكومية ليست لها ضرورة وطنية بعد ان تثبت الامن في اغلب
المدن العراقية , وفي نفس الوقت لم تجر مناقشته لاقراره حسب الدستور مع
الهيئات الحكومية الاخرى مثل مجلس الرئاسة والبرلمان .
خطوة مجالس الاسناد اثارت المخاوف لدى الاحزاب الشيعية الاخرى ,
وبالذات حليفه المجلس الاعلى من كونها جاءت للكسب الحزبي لصالح حزب
المالكي ( الدعوة ) والتي تزامنت مع قرب انتخابات مجالس المحافظات .
واثارت مخاوف الاكراد ايضاً بعد ان اوعز بتشكيل هذه المجالس في المناطق
( المتنازع عليها ), وكذلك في الاقليم بعد ان تأكد بأن الاتصالات
الحكومية جارية مع بعض العشائر الكردية وما يتبعها من صرف اموال وسلاح
لاعادة تجربة ( الجحوش) كما يفسره الاكراد , هذا ما اكده السيد قادر
عزيز ممثل رئيس الاقليم في لجنة المادة 140 لصحيفة " الشرق الاوسط "
ليوم 20081122, مما دفع القيادة الكردية للرفض القاطع لهذه الخطوة ,
واثار موجة جديدة من عدم الثقة بين الحكومة والاقليم .
وفي محاولة لاشغال الآخرين عن مشروع مجالس الاسناد صرح السيد المالكي
بضرورة اعادة النظر في كتابة الدستور , وهو الاعرف بوجود لجنة لاعادة
النظر ببعض مواد الدستور , وتم الاتفاق عليها من قبل كل الاطراف ,
وانجزت اعادة صياغة اكثر من خمسين مادة , وبقى القليل وهو الاهم ,
ويحتاج الى توافق من قبل القيادات السياسية . هذا التصريح اثار الشكوك
المشروعة لدى الاكراد , والخوف من الارتداد عن الفيدرالية , او لتقليص
الصلاحيات التي انتزعتها التجربة الكردستانية .
وكان الاجدى بالقيادة الكردية ان لاتقبل بتجريف الحقوق القومية الكردية
عندما اقرت الفيدرالية كنظام للحكم في العراق , وكان الاستعجال لاقرار
مبدء الفيدرالية دون الالتفات للتميز بين خصوصية كردستان وبين باقي
مناطق العراق هو الاساس في خلق المشكلة الحالية واللغم الذي فجره السيد
المالكي لاعادة النظر في كتابة الدستور . والاجدر التأكيد على ضرورة
التفريق بين الصلاحيات القومية المتحققة لحكومة اقليم كردستان , وبين
الرغبات التي تراود البعض في اقامة اقاليم اخرى تستحوذ على ذات
الصلاحيات الكردستانية , وتضع وحدة العراق في صيرورة تشكله الحالي على
كف عفريت , والحركة السياسية واحزابها الرئيسية لم تتمكن لحد الآن من
الوصول لصياغة موحدة للمشروع الوطني العراقي ينهي تطلعات بعض الاحزاب
والشخصيات للاستحواذ على القرار في تسع محافظات او محافظة واحدة , وهذا
لايعني الرفض للضرورات الموضوعية في تشكيل الاقاليم , بل للتأكيد على
ان القيادات السياسية استمرت اسيرة التطلعات االطائفية والقومية
والشخصية, ولاتزال متمسكة بالمحاصصة التي تستنزف العراق من طاقاته
الخلاقة , وتمنعه من النهوض مرة اخرى .