|
22 October 2008
حول تداعيات الأزمة المالية العالمية في بريطانيا -فرصة
اليسار - ترجمة عن صحيفة "مورنينغ ستار"
البريطانية (11-10-2008)
لن يتذكر سوى قراء هذه الصحيفة ("مورنينغ ستار") المخضرمون اوضاعاً
مؤاتية لتحدي المبادىء الاساسية للرأسمالية اكثر من الفرصة التي تقدم
نفسها لليسار في الوقت الحاضر. فمنذ ثلاثينات القرن الماضي، لم يستأثر
تعبير "أزمة الرأسمالية" بهذا الاهتمام والموقع البارز في النقاش العام
وفي وسائل الاعلام كما هو الحال الآن.
وعلى رغم كل الجهود لإلقاء اللوم على حفنة من المصرفيين "المارقين"
والمضاربين، وعلى اصحاب القروض العقارية ذوي المداخيل المتدنية في
الولايات المتحدة وحتى على سكان آيسلندا (ارتباطاً بتداعيات أزمة المصارف
في هذه الجزيرة وانعكاسها على استثمارات بريطانية تبلغ قيمتها حوالي
مليار جنيه استرليني - المترجم)، فان معظم العمال يعرفون من يتحمل
المسؤولية عما حصل. ان المؤسسة الحاكمة، السياسية والمالية، كلها هي
المسؤولة عن هذه الأزمة المالية والاقتصادية.
فقد تآمر السياسيون وحي المال والاعمال في لندن (الـ"سيتي") لمنع حدوث
زيادة في الاجور والمساعدات الاجتماعية والرواتب التقاعدية، وأجبروا
الناس على تحمل أعباء الديون في مسعى يائس لتحسين مستويات معيشتهم. وفي
الوقت نفسه، أطلق مدراء كبريات الشركات واصحاب الأسهم العنان لجشعهم
ليجنوا أرباحاً طائلة، فتسببوا بإرتفاع الاسعار وحصلوا على موارد مجزية
على شكل رواتب واجور ومكافآت وخيارات في الأسهم ورواتب تقاعدية ضخمة.
ولتقديم المزيد من الدعم للأثرياء، لجأت حكومات حزب العمال المتعاقبة الى
خفض الضرائب على ارباح الشركات والمؤسسات المالية الكبيرة ورفضت زيادة
المعدل الأعلى للضريبة. وبدلاً من ذلك، جرى تمويل اكثر من 200 مليار جنيه
استرليني (حوالي 400 مليار دولار) من الانفاق العام عبر المبادرة المالية
الخاصة، ما يجعل الجيلين الحالي والقادم من دافعي الضرائب العاديين
مرغمين على إعادة دفع اربعة او خمسة اضعاف هذا المبلغ الى "شركاء"
الحكومة في عالم المال والاعمال.
الآن، فيما يتهاوى رأسمال المال الوهمي الذي أنتجته وسائل التلاعب
والاحتيال، يجري توفير اكثر من 500 مليار جنيه استرليني (حوالي ألف مليار
دولار) من المال العام لإسناد نظام متعفن بالكامل. ولنتذكر ان هذا يأتي
من حكومة كانت ترفض، الى قبل أقل من سنتين مضت، ان توفر مليار جنيه
استرليني فقط لتمويل العجز في ميزانيات صناديق المستشفيات التابعة للخدمة
الصحية العامة. وأدى ذلك حينها الى إنهاء عقود موظفين في قطاع الخدمات
الصحية العامة واغلاق ردهات بالمستشفيات ووقف استخدام معدات طبية والغاء
عمليات جراحية.
ومع تنبؤات صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد البريطاني سينحدر الى انكماش
اقتصادي أسوأ بالمقارنة مع اقتصادات اخرى، فان أزمة الرأسمالية تستدعي
رداً موحداً، قوياً، من اليسار. ولا يمكن أن نتوقع من وسائل الاعلام
التابعة لأصحاب الملايين ان تساعد الاشتراكيين، سواءً داخل حزب العمال او
خارجه، بالترويج والدعاية لمثل هذا الرد من اليسار، على رغم انه يمكن
الاعتماد على صحيفة "مورنينغ ستار" للقيام بذلك. وهو ما يجعل وحدة اليسار
والالتفاف حول برنامج يساري ضرورياً واكثر إلحاحاً.
لكن هذا يتطلب ايضاً من اوساط اليسار المختلفة ان تنحّي جانباً عداواتها
القديمة ولا تغلّب خلافاتها التكتيكية والاستراتيجية. ويتفق معظم
الاشتراكيين والشيوعيين بأننا نحتاج الى حملات للمطالبة بتشريع قوانين
لتحويل المصارف ومرافق انتاج الطاقة والسكك الحديد الى الملكية العامة
الكاملة. وهم يدركون اننا نحتاج الى معدلات أعلى للضرائب، وربما يشمل ذلك
ضريبة على الثروة، على الاشخاص المفرطي الثراء، وان تخضع الارباح
الاضافية غير المتوقعة، سواءً في الصناعة النفطية او مجمعات الاسواق
الكبرى، الى ضرائب خاصة بها. انهم يدركون بأنه ينبغي فرض قيود وضوابط على
أسعار الخدمات الضرورية، وان الطبقة العاملة والحركات التقدمية يجب ان
تقود معارك جماهيرية بصفوف موحدة من اجل أجور ومساعدات اجتماعية ورواتب
تقاعدية أعلى.
لا يمكن السماح للخلافات بشأن الاستراتيجية الانتخابية، ناهيك عن كيفية
الانتقال من الازمة الرأسمالية الى الثورة الاشتراكية، ان تمنع وحدة
العمل حيثما ومتى ما اصبحت ضرورية، وها قد حان الوقت لتحقيق ذلك
|