19 October 2008
المسرحية
- تقي
الوزان
كنت انقل له
الاحساس بالألم الذي يشعر به الفرد عندما يجبر على السير فوق الرمل الخشن
بعد ان تورمت وتخدرت قدماه , واخذت تنزف نتيجة الضرب بالكيبلات والذي
يسموه الفلقة . كانت الضربات تتوالى من الاثنين بعد ان عجز الاول , ومع
كل ضربة تشعر ان جرحاً ينفتح , كان الألم لايطاق , والاعصاب تنكمش الى
الداخل , الى القلب , والصراخ لايخفف الألم , والجسم يكاد ان يجف لكثرة
ماينزف من العرق , على حافة الغيبوبة وتشعر ان الألم بدء يخف . لحظات ..
ولم تعد تشعر بالألم بقدر ثقل ارتطام الكيبل , لم يعد للضرب فائدة , لقد
تليف الاحساس بالكامل . فكوا وثاق القدمين واجبروك على السير فوق بلاطات
فرشت بالرمل الخشن , الرمل ينغرز عميقاً في الجرح , النار تشتعل بآلاف
الخلايا في القدمين , القتلة وضعوا ملحاً مع الرمل, الحافات الحادة
لذرات الرمل تشقق الشرايين وتصعد مع الدم , تشابكت سكاكين الرمل بوهج
النيران , والألم يفتك بما تبقى من الوجود . لااعرف كيف يتحمل الجسد كل
هذا ؟! اخذ نفسي يصعد ويهبط , وقطرات العرق تنز من جسدي , وانا اكرر له
المشهد .
قبل يومين حدثته
عن ما تتركه ضربات الكهرباء من آلام , خاصة للذين عندهم جسور حديد بين
اسنانهم , ولكني سرعان ما تقيأت عند استرجاعي دقائق الاحساس المرافق
للعملية . كانت رغبتي من التوسع في وصف عدة عمليات تعذيب هو ان يتمكن من
بناء درجات الاحساس لتجربة الفلقة بشكل صحيح . طلبت منه ان يتدرب اكثر من
الآخرين , كانت المسرحية تتكون من تسعة مشاهد , ودوره معارض لنظام صدام
ويقع في قبضة الأمن , ويخضع لعمليات تعذيب كثيرة , من الضروري استعراض
واحدة منها – رغم بشاعتها - لايصال فكرة العرض . المسرحية صامتة ,
والاعتماد فقط على حركة جسم الممثل دون الوسائل المسرحية الأخرى ,
والأستفادة من تعابير الوجه ايضاً لأننا نقدم العرض وسط الجمهور . تحدثت
معه عن فن النحت , وكيف ان اهم ماموجود في اي نصب هي الحركة التعبيرية
مهما تكن الابعاد والقياسات منتظمة , وهي التي تمنح الحجر والبرونز
والخشب سر خلودها . كان رزاق وهذا اسمه يحاول ان يفهم , ولكنه لايستوعب ,
او يجده صعب التطبيق .
في اجواء قيام
الجبهة الوطنية في بداية سبعينات القرن الماضي كنا طلبة في اكاديمية
الفنون الجميلة , وصديقي الشاعر ستار دلي من اهالي سوق الشيوخ يمتلك صوت
غنائي نادر , كان الفضل يعود لعذوبة صوته وموهبته لتحميل اكثف المشاعر
في غنائه , والذي يتمكن من اداء الوانه الريفية بشكل محترف , في ان تكتفي
الاكاديمية – وهي للفنون – بالأقتصار عليه في احياء كل حفلاتها طيلة
سنوات وجوده فيها . والجمهور الذي يحضر لسماع ستار يأتي من باقي كليات
جامعة بغداد , وهو اكثر بكثير من الجمهور الذي يهمه احياء الحفلة فقط ,
وهم من الاتحاد الوطني . الا ان هذا لم يشفع له , ومنع من دخول الاذاعة
والتلفزيون , وحرم من اخذ فرصته الحقيقية لكونه شيوعي . ستار كان شاعر
شعبي ايضاً , كتب قصيدة في وقتها كانت تناجي احاسيسنا , ولها شأن فيما
بيننا , من بين مقاطعها :
كل جمعة ادكَ حنه
ورد النوب ادكَ
حنه
واعجنه بدمعتي
التسرح على خدي اعجننه
وحني طرامك الجابك
, وكت ونه باثر ونه
خلص صبري , الوعد
يجزي , النفس يكَصر اعرفنه
بشوكَ اللي احبنه
رغد نايم ,
ولامهتم , ولاجنه
عوافي للي يتهنه
نشرت القصيدة
كاملة في مجلة الانصار الشيوعيين بأسم مستعار , وقد ظن رزاق اني شاعرها ,
فأخذ يمتدحها, ودونها المعلقات الجاهلية . اكدت له بأنها لصديق اخاف عليه
من نشر اسمه .
كنا نتهيأ
للأحتفال بعيد ميلاد الحزب عام 1984 , والمسرحية الفقرة الأكثر اهمية في
الأحتفال . المسرحية صامتة وبدون ديكور وملابس واكسسوارات وموسيقى
تصويرية ومؤثرات صوتية وانارة , وبدون خشبة مسرح ايضاً , وليس فيها اي
ممثل , مجموعة من البيشمركَة الشيوعيين ذخيرتهم حبهم للأدب والفن والحياة
.
كان احد مشاهد
المسرحية يوضح ان احد اسباب صمود الشيوعيين عام 1978 امام جلاديهم في
دوائر امن النظام الصدامي والتي فاقت كل تصور في دمويتها , يعود الى
مجموعة ظروف وامكانات شخصية لاعلاقة لها بالظروف العامة للحزب وغدر البعث
بالأتفاتق . وتتجلى في غيبوبة المناضل بعد جولة عنيفة من التعذيب , وتحت
ظل الغيبوبة , واشبه بالحلم الباهت يزوره طيف ابنه يسار , ولماذا سماه
يسار ؟! وطيف عشرات العوائل التي يمكن ان يدفع بها الى الجحيم . الممثل
يحتاج الى مرونة جسدية عالية , وبناء حركي مركب للمشهد حتى يتمكن من
تجسيد انتفاضة الجسد عند رؤية طيف ابنه , والرفض القاطع الذي يرافق
الانتفاضة يتمثل بالانفتاح الصلب للجسد على اوسع مدياته ليوحي بتسيد
الارادة , وان امكن – وحسب مواصفات جسم الممثل – يمكن ان يشكل مع حركة
انتفاضة الجسد زوايا حادة وصلبة , ويتبعها انتفاضات تخف حدتها عند رؤية
اطياف رفاقه وعوائلهم , وتتحول بالتدريج الى تموجات انسيابية توحي
بالامان . ما الذي يجعلك تشعر بالالم وانت تشاهد شخص شعر انه فقد عزيزاً
, وهو صورة مرسومة في لوحة , هذا ما يجب ان نكون عليه في هذا العمل .
كنت حذراً
بالتمرين مع رزاق , واختار المفردات بدقة , وابتعد عن استخدام المصطلحات
الفنية كي لااربك استيعابه , وحاولت بعشرات الامثلة ان نتوصل معاً الى
فهم مشترك . كان يتهرب من النقاش في كثير من الاحيان , ويوحي بانه افهم
واكثر ادراكاً من الآخرين , وبدل المواظبة على التمرين والاصرار على
ايجاد وسائل اكثر سهولة واكثر تعبيرية لاغناء المشهد وتوضيح ابعاده ,
يحاول ان يجد تفسيراً يتناسب مع عدم تمكنه الذي بدى واضحاً للآخرين . كان
يحاول ان يغريني بأن الصمود في الامن وعدم افشاء الاسرار هو بطولة من نوع
خاص لها علاقة بالنضوج الفكري والروابط القوية بالحزب , وليس حالة
انسانية تضافرت فيها مجموعة عوامل ولاتستحق ان توصف بالتفرد , وكثيرين
عايشوها , ولايوجد انسان حقيقي واحد دخل الامن ولم يخفي شئ عنهم .
قبل يومين من
الاحتفال عرضنا المسرحية على مجموعة من الرفاق والانصار . كان العرض
لابأس به , ويمكن ان يكون افضل في الاحتفال لتحشد الجمهور وارتفاع حرارة
مشاعر الاحتفاء بالمناسبة . كان من بين الممثلين الشاعر الكردي الشاب
هندرين , وقد ادى الدور بتلقائية تلفت النظر , ويبدو ان بحثه في تطوير
امكانياته الجمالية في الشعر منحه الرهافة الكفيلة للاحساس بدقة المشاعر
التي عكسها في دوره , وكان يمثل احد الظلال القوية التي تركها الحزب وسط
الجماهير , ويمكن ان يكون ركيزة حزبية لو جرى الاتصال به . ولفت الانتباه
بيشمركَه آخر رغم صغر سنه هو علي ابن مام صالح , ولااعرف من بين الذين
عشقوا التمثيل كان فرحاً وسعيدا عند حضوره التمرين مثل علي , كان حضوره
مثل الاسفنجة التي تمتص التوترات والاجهاد الذي يرافق التمارين التي لم
يتعودوا عليها , وفي اليوم الذي لم يحضر فيه شرطي الامن ( دوره) الى
التمرين يظهر التعب واضحا على الباقين . كنت افكر برزاق ودوره الاهم في
المسرحية , كان ادائه باهتاً , ويتلاشى تأثيره امام تلقائية هندرين ,
اوالحضور الطاغي لبايزوهو احد المخبرين , وبايز رفيق امي استشهد في احدى
المعارك مع السلطة قبل الانفال . او مع الرفيق محسن عرب الذي مثل دور
ضابط الامن . والمشكلة عدم سماح الوقت لاختيار شخص آخر لهذا الدور ,
ولابد من اضافة شئ – حتى وان كان من خارج العمل– على اداء رزاق ليكون
اكثر ثباتا في ذهن الجمهور .
محسن عرب شيوعي من
بغداد , وترك زوجة وطفلين ووظيفة محترمة , وعند اشتداد الهجمة على
الشيوعيين عام 1979 التحق الى الانصار مباشرة , وطيلة فترة وجوده يعمل في
قاطع السليمانية , وجه معروف لكل انصار الحزب في القاطع لقدمه ولتنقله
بين اغلب افواج وسرايا الانصار وفصائله . كان دائم الابتسام وراضي عن كل
شئ , مقاتل جرئ وحريص على كل شئ , وعندما يكون اداري لاحد الفصائل او
السرايا يوفر دائما من المخصصات ويعيدها الى الحزب رغم كونها شحيحة , او
عندما يكون مستشار سياسي يحاول ان يعرف عن النصير حتى اموره الشخصية ان
امكن , كان حريصا على ان ينقل للحزب حتى التذمرات الصغيرة التي تصدر من
بعض الرفاق ويعتبرها جزء من نقاوة الرفيق وامانته . محسن عرب يؤدي دور
ضابط التحقيق بكفاءة عالية , ولديه قدرة في التصور ليروي قصة قصيرة في
الحركات , وكثيراً ما انبهه لالغاء بعض حركاته او تشذيب بعضها لانها تفهم
كأشارات خرسان اكثر مما هو تمثيل صامت . تحدثت معه حول ضرورة تقوية دور
المناضل وجعله اكثر صلابة وتحدي بوجه جلادي البعث ومرتزقة صدام , ومحسن
في تكوينه يوافق على كل شئ يعتقده يصب في مصلحة الحزب . ارتاح لاقتراحي ,
وعلى ان يكون رد فعل المناضل قويا عندما يطلب منه ضابط التحقيق التعاون
مع جهاز الامن , كنهاية تؤكد اصرار الشيوعيين على رفضهم القاطع لنهج
البعث رغم دموية التعذيب .
كرجال وادي حجري
يبدء عند نهاية مصيف وشلال احمد آوه الشهير , وبعد مائتي متر ينحرف الى
اليسار حيث تقع مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني الى يمينه , ومقر قاطع
السليمانية والفوج السابع للحزب الشيوعي الى يساره , وبعد المقرات بنصف
كيلومتر يبدء الوادي بالصعود وتبدء الحشائش والاشجار تنتشر على مساحات
واسعة من التربة مودعة قساوة الصخور , وفي هذا الحد الفاصل اختار الرفاق
ان يكون موقع الاحتفال. كان قطعا في الجبل نصف دائري ويرتفع لاكثر من
عشرين متراً , واشبه ما يكون بمسرح اغريقي يحتاج الى تنظيم مدرجاته . وهو
موقع عاصي على السلطة , وقد امن الرفاق المنطقة من غارات الطيران في حالة
معرفة السلطة بالاحتفال , وذلك بنشر مقاومة الطائرات حول محيط الوادي .
31 آذاركان يوماً
ربيعيا بحق , التحم فيه احتفال الطبيعة وهلاهل شمسها بدبكات وافراح
الشيوعيين بعيد تأسيس حزبهم , ومعهم بيشمركَة الحزب الديمقراطي
الكردستاني وباقي اصدقائهم في المنطقة . كان تدفق الحياة ومهرجان الالوان
والزهور لايترك الاندهاش يفلت دقيقة واحدة , كان الفرح يتدفق موجات من
اعمق ينابيع النفوس , وتلتحم الاحاسيس , فتجري نهراً يغذي كل المحرومين
ومن فرض عليهم ان يقارعوا الخوف والالم , ويحولوه الى طريق يفيض بالامل .
كان الغذاء الاحتفالي يورق انفعالات تشي بأشواق الحنين للقاء الاحبة بعد
طول غياب , كان اللحم المدخن المطبوخ بأمهر الايادي يتقلب عارياً فوق
تلال الرز , وتحف به وسائد الكشمش واللوز , وتحته شراشف البهارات والفلفل
الاسود , كم مضى ونحن نتحرق شوقاً لهذا اللقاء . وبعد هذا الغذاء الملوكي
بساعتين , اي في تمام الثانية بعد الظهر بدءت فقرات الاحتفال : دقيقة صمت
على ارواح شهداء حزبنا وشهداء الحركة الوطنية , تلتها كلمات الحزب
والضيوف , وبدء البرنامج الترفيهي بمجموعة من الاغاني والدبكات وعرضت
المسرحية كمسك ختام للحفل .
كان العرض مدهشاً
لاغلب الموجودين , وبعض البيشمركَة والقرويين يشاهدون مسرحية لاول مرّة ,
والذي زاد في استمتاعهم كون المسرحية صامتة ويستقبلون اشاراتها ومضامينها
بسهولة , والشئ الذي كان يشغلني ويشغل باقي الممثلين هو كيف سيكون
تأثيرها على الرفاق بالذات . وعندما وصل العرض وسط سكون الجمهور
وانشدادهم الى المشهد الاخير , وبدل ان يخضع المناضل الى جولة جديدة من
التعذيب بعد ان يرفض التعاون مع الامن , يقف ويبصق بوجه ضابط التحقيق
الذي تفاجئ برد الفعل هذا .. تفجرت موجة التصفيق من الرفاق , وتبعها كل
الموجودين , ورجع الوادي صوت التصفيق وكلمة اعد اعد . ظن رزاق ان هذا
التصفيق نتيجة ابداعه في التمثيل , ومحسن عرب يضحك ويحيي الجمهور ويدرك
انه سبب الحماس الذي ركب الجمهور , كان سعيداً عندما ادخل الفرح والامل
لقلوب الآخرين . ولكنه في اليوم الثاني رفض اعادة العرض .
محسن عرب استشهد
بعد الاحتفال بفترة قصيرة . كان قد ذهب مع مفرزة مكلفة بايصاله الى منطقة
آمنة على الطريق النازل من السليمانية الى دربندخان ليذهب من هناك الى
بغداد لانجاز مهمة مكلف بها . وقبل ان يوصلوه كانت لدى المفرزة عملية
عسكرية في حلبجة , واراد آمر المفرزة ان يتركه مع احدى عوائلنا في قرية
آمنة لغاية عودة المفرزة بعدما يقارب عشر ساعات . الا انه رفض واصر على
الذهاب والمشاركة في العملية, ورغم تكليفه بالبقاء مع مجموعة تغطية
الانسحاب الا ان كثافة النيران واشتداد حدة المعركة ادت الى استشهاده
وجرح آخر .
Wz_1950@yahoo.com